سوريا - محليات
تعتيم مالي على تفاصيل إنفاق ماجمعته " أبشري حوران" .. وتجاهل مريب لتساؤلات " العين السورية" !
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ٨ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في محافظة درعا التي واجهت خلال السنوات الماضية تحديات واسعة انعكست على قطاعات الخدمات الأساسية... برزت خلال الفترة الماضية مبادرات محلية ومجتمعية هدفت إلى المساهمة في دعم القطاعات الأكثر تأثراً وإعادة تأهيل بعض المرافق الخدمية.
وفي ظل الاحتياجات المتزايدة في قطاعات الصحة والمياه والتعليم ، شكلت التبرعات المجتمعية والمساهمات الفردية أحد المسارات التي اتجهت إليها جهود الدعم مع تصاعد الاعتماد على المبادرات المحلية في تمويل مشاريع خدمية تستهدف الاحتياجات اليومية للسكان.
أكبر المبادرات المعلنة
الأبرز في مثل هذا المشهد كانت حملة "أبشري حوران"، كمبادرة مجتمعية هدفت إلى دعم القطاعات الخدمية وإعادة تأهيل البنية الأساسية في محافظة درعا، في ظل تحديات كبيرة واجهتها المحافظة خلال السنوات الماضية والتي انعكست على قطاعات الصحة والمياه والتعليم والخدمات العامة.
استندت الحملة منذ انطلاقها، إلى مساهمات وتبرعات من أبناء المنطقة والمغتربين ورجال أعمال ومانحين، تحت شعار يقوم على توجيه الدعم نحو مشاريع خدمية تمس الاحتياجات اليومية للسكان.
ومع توسع أعمال الحملة وارتفاع حجم النشاطات والمشاريع المرتبطة بها، بدأ يتصاعد في المقابل نقاش واسع في الأوساط المحلية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حول طبيعة المشاريع التي جرى تنفيذها، وكيفية توزيع الأموال على القطاعات المختلفة، وما إذا كانت التبرعات وصلت بصورة مباشرة إلى الأهداف التي خُصصت لها.
إفصاح مرتقب
ولم يكن الجدل مرتبطاً بوجود اتهامات مباشرة بشأن مصير الأموال بقدر ما ارتبط بمطالبات متزايدة بالإفصاح عن التفاصيل المالية والتنفيذية.
إذ رأى شريحة من المجتمع المحلي بمحافظة درعا، أن أي مبادرة تعتمد على التمويل المجتمعي تحتاج إلى تقديم بيانات دورية واضحة، حول حجم الإيرادات والمصروفات والمشاريع المنفذة وآليات الإسناد والتنفيذ، بما يتيح للمتبرعين تتبع أثر مساهماتهم على أرض الواقع.
متوالية جدل
مع اتساع هذه المطالبات نشرت حملة أبشري حوران تقريراً مالياً وجداول تضمنت أعمالاً منجزة وأخرى قيد التنفيذ. غير أن نشر التقرير لم يُنهِ جميع التساؤلات بل نقل النقاش إلى مستوى آخر.
فبعد أن كان السؤال الأساسي خلال الفترة الماضية: أين ذهبت التبرعات؟ أصبح السؤال المطروح يتعلق بكيفية إدارة تلك الأموال وتفاصيل إنفاقها.
وفي إطار إعداد هذا التحقيق جرى التواصل مع مسؤولين في محافظة درعا للحصول على توضيحات بشأن تفاصيل المشاريع وآليات تنفيذها، إلا أن من تم التواصل معهم من مسؤولي المحافظة، رفضوا الإجابة عن الأسئلة أو الإدلاء بتصريحات حول الملف.. وهذه نقطة مثيرة لسؤال أكبر من كل تساؤلاتنا، يتعلق بسبب رفض الإجابة.
لكن بحسب الجداول المنشورة الخاصة بمحافظة درعا، توزعت المشاريع الممولة من الحملة على قطاعات الصحة والمياه والتعليم باعتبارها قطاعات خدمية ذات أولوية.
القطاع الصحي أوفر حظوظاً
تُظهر البيانات أن القطاع الصحي استحوذ على جزء واسع من الأعمال المعلنة، إذ شملت المشاريع تركيب أنظمة طاقة شمسية لعدد من المراكز الصحية، وتأهيل وترميم مراكز صحية ومشافٍ، واستكمال تجهيزات كهربائية وأعمال ترميم وتطوير في عدد من المنشآت الطبية.
كما تضمنت الجداول شراء أجهزة ومستلزمات طبية متعددة من بينها أجهزة رنين مغناطيسي وأجهزة ماموغراف وأجهزة تصوير شعاعي،
وأجهزة متخصصة أخرى ، إضافة إلى سيارات إسعاف وتجهيزات طبية متنوعة.
وتشير البيانات كذلك إلى وجود مشاريع لا تزال قيد الإنجاز في القطاع الصحي من بينها ترميم أقسام داخلية وأقسام بولية ومنشآت صحية أخرى.
وللمياه حصتها
أما في قطاع المياه، فتشير الوثائق إلى أن المشاريع ركزت على تأمين مصادر مياه شرب مستدامة، من خلال حفر وتجهيز آبار مياه وتوريد وتركيب محركات وغواطس مائية، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة لشبكات المياه بهدف الحد من الهدر والتسرب وتحسين كفاءة الشبكات.
التعليم أيضاً
وفي قطاع التعليم تظهر الوثائق الخاصة بمحافظة درعا إنجاز أعمال ترميم شاملة لـ96 مدرسة بتمويل من صندوق الحملة والمانحين إلى جانب تصنيع وتوريد خمسة آلاف مقعد دراسي وصناديق خشبية مع استمرار العمل على ترميم 73 مدرسة إضافية لاستقبال الطلاب في المواسم القادمة.
وفي العموم, تُجيب هذه الوثائق بصورة أولية عن سؤال ظل حاضراً خلال الفترة الماضية: أين ذهبت التبرعات؟ إذ تشير البيانات المنشورة إلى أن الأموال خصصت لمشاريع خدمية محددة داخل محافظة درعا وأن جزءًا منها ترجم إلى أعمال منجزة على الأرض بينما لا تزال مشاريع أخرى قيد التنفيذ.
عموميات
لكن الوثائق المنشورة رغم أنها تُظهر طبيعة الأعمال والمشاريع التي نُفذت، لا تتضمن تفاصيل مرتبطة بقيمة كل مشروع بشكل منفصل، أو الجهات المنفذة أو آليات الإسناد والتعاقد أو نسب الصرف الفعلية لكل مشروع، وهي نقاط سعينا عبر تحقيقنا هذا للحصول على إجابات بشأنها من الجهات المعنية دون تلقي رد رسمي.
بحث عن الثقة
في تعليقها على ذلك قالت الخبيرة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح إن نشر التقرير المالي الخاص بحملة (أبشري حوران) يمثل خطوة إيجابية واستجابة لتساؤلات الرأي العام والمتبرعين بشأن أوجه الإنفاق معتبرة أن الإفصاح المالي يعزز الثقة ويمنح المبادرات المجتمعية مزيدًا من المصداقية.
وأضافت الشياح : لقد كانت المطالبات السابقة بالإفصاح عن الإيرادات والمصروفات نابعة من حرص أبناء حوران والمتبرعين على الاطمئنان إلى أن مساهماتهم وصلت إلى الأهداف التي خُصصت لها.
إفصاح غير كامل
وترى الشياح، أن أهمية التقرير لا تتوقف عند إعلان الأرقام العامة بل تتطلب مستوى أعمق من الإفصاح موضحة.. أن الشفافية لا تكتمل بمجرد إعلان الأرقام الإجمالية، بل تحتاج إلى مزيد من التفصيل الذي يمنح الرأي العام صورة واضحة عن كيفية إدارة الأموال وآليات إنفاقها.
وأضافت، أن نشر أسماء المشاريع المنفذة والجهات أو الشركات التي تولت التنفيذ وقيمة كل مشروع وآلية التعاقد أو الإسناد ، إضافة إلى نسب الإنجاز والمبالغ المصروفة على كل مشروع، سيمنح المواطنين والمتبرعين صورة أكثر وضوحاً حول أثر الحملة على أرض الواقع.
وأكدت أن المطالبة بهذه التفاصيل ليست تشكيكاً في جهود القائمين على الحملة، بل هي امتداد طبيعي للنهج الذي بدأ بإصدار التقرير المالي ورسالة دعم لثقافة الإفصاح والمساءلة.
بين وثائق تُظهر مسارات إنفاق التبرعات، وصمت رسمي تجاه أسئلة تتعلق بالتفاصيل التنفيذية والمالية.. تبدو صورة الحملة مكتملة جزئياً حتى الآن إذ لم يعد السؤال مقتصراً على معرفة أين ذهبت الأموال بل أصبح يتعلق أيضاً بكيفية إنفاقها وعلى أي أسس جرى تنفيذ المشاريع وإدارتها.
فالشفافية كما تقول الشياح ليست نهاية الطريق، بل الطريق الذي يحفظ ثقة الناس ويصون نجاح أي مبادرة، ويجعل الإنجاز موثقاً بالأرقام والحقائق لا مجرد رواية تُتداول.


