سوريا - اقتصاد
آخر خط الامتياز والفساد على حساب الخزينة العامة... تطبيقات عملية لـ " النزاهة الوطنية"
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٢ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٣٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بدأت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، مرحلة جديدة من العمل بمفعول رجعي لاستعادة حقوق الخزينة من العقود المبرمة لاستثمار واستئجار أملاك عامة بطرق مغلفة بالقانون لكنها تفتقر إلى الإملاءات الموضوعية لروح القانون.
ويبدو أنه آن الأوان لحسم ملف شائك طالما جرى الحديث عنه بشكل هامس، يتعلق بأشخاص امتيازيين ومحظيين استفردوا باستثمار أملاك عامة ببدلات رمزية " تراب المصاري" كما يُقال.
اليوم أعلنت اللجنة، بالتعاون مع وزارة المالية والهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة، إطلاق حملة وطنية شاملة لمراجعة عقود واستثمارات أملاك الدولة في جميع المحافظات، بهدف حماية المال العام واسترداد الحقوق التي تأثرت بممارسات فساد أو كسب غير مشروع خلال العقود الماضية.
مراجعة وتدقيق شامل
وأوضحت اللجنة في بيان لها، أن الحملة تشمل مراجعة مختلف أنواع عقود الإيجار والاستثمار والإشغال والانتفاع وغيرها من التصرفات القانونية المتعلقة بأملاك الدولة، للتحقق من مدى التزامها بالقوانين النافذة، ورصد أي مؤشرات على وجود غبن جسيم أو استغلال للنفوذ أو تواطؤ أو تصرفات أضرت بحقوق الدولة.
استعادة حقوق الخزينة
وبيّنت اللجنة أن أعمال التدقيق الأولية أظهرت عدداً من المؤشرات التي تستوجب التحقيق، من بينها عقود أبرمت بشروط لا تحقق مصلحة الخزينة العامة، وحالات يشتبه بعدم سداد بدلات الإيجار أو استثمار أملاك الدولة لسنوات طويلة دون الالتزام بالالتزامات التعاقدية، إضافة إلى ملفات يقتضي التحقق فيها من مدى وجود شبهات كسب غير مشروع أو استغلال للوظيفة أو النفوذ العام.
وأكدت اللجنة أن جميع هذه الملفات ستخضع للتحقيق المالي والقانوني وفق الإجراءات المعتمدة، وأن أي مسؤولية لن تثبت إلا بعد استكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، موضحة أن الحملة تشمل مراجعة قاعدة واسعة من ملفات أملاك الدولة في مختلف المحافظات، باعتبارها من أكبر عمليات التدقيق التي تشهدها هذه الملفات، بهدف حماية حقوق الدولة والشعب السوري، والتأكد من سلامة التصرف بالأصول العامة.
فُرصة الإفصاح الطوعي
ودعت اللجنة كل من استفاد في السابق من أملاك أو عقارات أو أراض مملوكة للدولة بصورة قد تنطوي على مخالفة للقانون أو على شبهة كسب غير مشروع، إلى الاستفادة من برنامج الإفصاح الطوعي قبل انتهاء المهلة المعلنة، بما يتيح تسوية الأوضاع وفق الأطر القانونية.
وأكدت اللجنة أن هذه الحملة لا تستهدف الاستثمار المشروع ولا المتعاملين حسني النية، وإنما تهدف إلى حماية أملاك الدولة، واسترداد الحقوق العامة، وضمان إدارة عادلة وشفافة للأصول العامة بما يحقق مصلحة الشعب السوري ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة.
وأشارت اللجنة إلى أن طلبات الإفصاح يمكن تقديمها مباشرة إلى اللجنة أو عبر البوابة الإلكترونية الرسمية.
وكانت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع أطلقت في كانون الأول الماضي برنامج الإفصاح الطوعي لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة، وذلك بحضور رئيس اللجنة وأعضائها في مقرها بدمشق.
يشار إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع لجنة وطنية مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وأُحدثت بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025 لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال.
حوكمة النزاهة وحماية المال العام
وتُعد لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، ركيزة أساسية في منظومة النزاهة الوطنية، حيث تمثل خطوة متقدمة نحو ترسيخ مبدأ المساءلة وحماية المال العام.
تعتمد اللجنة في أداء مهامها على منظومة متكاملة من الإجراءات الاستباقية والتحقيقية، التي ترتكز على التكنولوجيا الحديثة وتبادل المعلومات مع الجهات العامة والخاصة.
وتبدأ آلية عمل اللجنة بمرحلة التدقيق المالي والإداري، حيث تقوم بتحليل إقرارات الذمة المالية للمكلفين بخدمة عامة، ومقارنتها بحجم الإنفاق الفعلي والموجودات المسجلة لديهم. في حال رصد أي تضخم غير مبرر في الأصول أو وجود شبهة كسب غير مشروع، تنتقل اللجنة إلى مرحلة التحقيق الموسع، والتي تشمل استدعاء المعنيين، والاطلاع على كشوفات حساباته البنكية، وطلبات تعاون مع المصارف ومديريات السجل العقاري للتحقق من صحة البيانات.
إنجازات وأرقام تعكس الجدية
تُظهر الحصيلة العملية للجنة خلال السنوات الماضية جدية في تطبيق القانون، حيث أسفرت تحقيقاتها عن إحالة العديد من القضايا إلى القضاء المختص، مما أدى إلى استرداد مبالغ مالية كبيرة تعود للخزينة العامة، وتجميد أموال ومنع تصرفات لأشخاص مشتبه بهم إلى حين البت في قضاياهم. وتشير المعطيات الرقمية إلى أن اللجنة استلمت وأنجزت مئات البلاغات والشكاوى، ولم تقتصر أعمالها على الموظفين الكبار فقط، بل شملت مختلف الدرجات الوظيفية، مما يؤكد مبدأ تكافؤ الفرص أمام القانون. كما عملت على إصدار تقارير دورية تعكس نسبة الإنجاز في كل قضية، مما يعزز الشفافية ويؤكد أن مكافحة الفساد ليست مجرد شعار، بل عملية مستمرة.
الرقابة الوقائية والتوعوية
لا تقتصر آلية عمل اللجنة على الجانب الزجري، بل تتوسع لتشمل دوراً توعوياً مهماً، حيث تقدم استشارات للموظفين العامين حول كيفية تسوية أوضاعهم المالية، وتوضح الحالات التي تعتبر كسباً غير مشروع لتجنب الوقوع فيها. هذا التوجه الوقائي ساهم في رفع مستوى الوعي القانوني بين العاملين في الدولة، وخلق بيئة عمل أكثر نزاهة، كما ساعد في تصحيح أوضاع العديد من المكلفين الذين بادروا بتسوية أوضاعهم طواعية، مما خفف العبء على القضاء ويسرع في عملية استرداد الأموال.
وبات واضحاً أن استمرار لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في تطوير أدواتها التشغيلية وتعزيز تعاونها مع الأجهزة القضائية والرقابية الأخرى، يمثل ضمانة حقيقية لاستدامة الإصلاح الإداري والمالي في سوريا، ويؤكد التزام الدولة ببناء مستقبل يقوم على العدالة وسيادة القانون.


