سوريا - محليات
التقنية تعيد توليف ضابطة البناء لأول مرة في سوريا.. مسودة كود رقمي
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١٥ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٤٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

للمرة الأولى في سورية، تتجه البنية التحتية للاتصالات إلى أن تصبح جزءاً من ضابطة البناء، مع طرح وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مسودة «الكود السوري للاتصالات في المباني» للمشاورة العامة، في خطوة قد تعيد تنظيم الطريقة التي تُجهَّز بها الأبنية لخدمات الاتصالات والإنترنت.
أوضح وزير الاتصالات وتقانة المعلومات، عبد السلام هيكل، أن أهمية الكود تنبع من مشكلة عملية متكررة، حيث تصل خدمة عالية السرعة إلى مدخل المبنى، لكن البنية الداخلية من كابلات وتمديدات وتجهيزات لا تكون قادرة على إيصال هذه الإمكانات إلى الشقق والمكاتب.
وبحسب هيكل، فإن الفكرة الأساسية هي إدخال الاتصالات إلى مرحلة تصميم البناء، على غرار الكهرباء والمياه والصرف الصحي، بحيث تصبح البنية التحتية الرقمية جزءاً من البناء منذ البداية، وليس مجرد معالجة تُضاف إليه بعد إنجازه.
ولا تتوقف أهمية الخطوة عند الجانب الفني، إذ يرى خبراء ومختصون أن توحيد متطلبات البنية التحتية للاتصالات داخل الأبنية قد يشكل تحولاً مهماً في سوق البناء والخدمات المرتبطة به، خصوصاً مع توسع الاعتماد على الإنترنت والخدمات الرقمية، وتزايد الحاجة إلى شبكات داخلية قادرة على استيعاب التطورات التقنية.
فالمشكلة في كثير من الحالات لم تعد مرتبطة فقط بوصول شبكة الاتصالات إلى منطقة معينة، وإنما بقدرة البنية الموجودة داخل المبنى على الاستفادة من هذه الشبكة. ومع ارتفاع السرعات وانتشار الألياف الضوئية، تصبح جودة التمديدات والتجهيزات الداخلية جزءاً أساسياً من جودة الخدمة التي يحصل عليها المستخدم النهائي.
معايير موحدة
ويرى خبير الاتصالات الدكتور سامر الأحمد، في حديثه لـ"العين السورية"، أن وجود "كود وطني" واضح يمكن أن يساهم في الانتقال من حلول تختلف من بناء إلى آخر إلى مواصفات أكثر توحيداً، مما يتيح للمهندسين وشركات التنفيذ والتجهيز العمل وفق معايير محددة، ويمنح أصحاب المشاريع تصوراً أوضح عن المتطلبات والكلف منذ مرحلة التصميم.
سوق جديدة
ويضيف الأحمد أنه اقتصادياً، قد يكون الأثر الأوسع للكود في القطاعات التي ستنشأ حول تطبيقه، فالأبنية الجديدة ستحتاج إلى تصميم وتنفيذ بنية اتصالات داخلية وفق المواصفات، بينما ستحتاج الأبنية القائمة إلى أعمال تأهيل وتحديث، مما يفتح المجال أمام شركات متخصصة في الشبكات والتمديدات والكابلات والتجهيزات، إضافة إلى خدمات الفحص والصيانة والاستشارات الهندسية.
ومع اتساع مشاريع إعادة البناء والتأهيل في سورية، يمكن أن يتحول هذا القطاع تدريجياً إلى سوق متخصصة، بدلاً من أن تبقى أعمال الاتصالات الداخلية جزءاً ثانوياً من أعمال المقاولات العامة.
كما أن وجود معيار واضح قد يساعد المستثمرين وأصحاب المشاريع على احتساب متطلبات البنية الرقمية ضمن تكلفة البناء منذ البداية، بدلاً من اللجوء إلى حلول لاحقة قد تكون أكثر كلفة أو تتطلب تعديلات في البناء.
التحدي في الأبنية القائمة
لكن الاختبار الأكبر للكود لن يكون في الأبنية الجديدة فقط، فسورية تضم مخزوناً كبيراً من الأبنية القائمة، وبعضها يحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، مما يطرح سؤالاً حول كيفية تطبيق المتطلبات الجديدة عليها، وما إذا كانت عملية التأهيل ستكون تدريجية، ومن سيتحمل تكلفتها، وكيف ستتم مطابقة الأعمال مع المعايير الجديدة.
وهنا يرى الأحمد أن نجاح الكود يتطلب أن تكون قواعده قابلة للتطبيق عملياً، وأن توازن بين رفع مستوى البنية التحتية وبين الكلفة التي قد يتحملها مالكو الأبنية والمطورون والمستثمرون.
خطوة تنظيمية بأثر يتجاوز الاتصالات
تكمن أهمية «الكود السوري للاتصالات في المباني» في أنه يضع البنية الرقمية، للمرة الأولى، داخل منظومة التخطيط العمراني والإنشائي، بدلاً من بقائها في مرحلة ما بعد البناء.
وقد أعلنت الوزارة أن الصيغة النهائية ستصدر بالتعاون مع نقابة المهندسين ووزارة الإدارة المحلية والوزارات المعنية والمحافظات، بعد مرحلة المشاورة العامة، للوصول إلى صيغة عملية تناسب الواقع السوري واحتياجات السنوات المقبلة.
وبذلك، فإن نجاح التجربة لن يُقاس فقط بإقرار الكود، وإنما بقدرته على التحول إلى معيار فعلي في تصميم وتنفيذ الأبنية، وبقدرته على خلق بنية تحتية قادرة على مواكبة تطور الاتصالات، بدلاً من أن تصبح الأبنية نفسها عائقاً أمامه.
فالاستثمار في الشبكة لا ينتهي عند باب البناء؛ والقيمة الحقيقية لأي سرعة جديدة تبدأ من قدرة المبنى على استقبالها وتوزيعها والاستفادة منها.


