سوريا - ثقافة
ثروة بحجم تاريخ ..أي قطع أثرية سورية عادت من فرنسا ؟؟
س
سمر شمه
نشر في: ١٢ يوليو ٢٠٢٦، ١١:٠١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بعد غياب دام أكثر من خمسة عشر عاماً، استعادت سوريا 23 قطعة أثرية كان معهد العالم العربي في باريس قد استعارها عام 2011، لتشارك في العرض الدائم الذي يحكي عن حضارة هذا العالم. واستعادة الآثار أتت بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق قبل أيام.
تُعبر هذه الكنوز الأثرية عن تاريخ سوريا وحضارتها لفترة زمنية طويلة من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الإسلامي، وتمثل عدداً من أبرز المواقع التاريخية في ماري وتدمر وأوغاريت وقصر الحير في البادية السورية.
من مملكة ماري
تنطوي أهمية ماتمت استعادته، في القيمة التاريخية والجذور الموغلة في القدم للقطع التي عادت إلى موطنها الأصلي.. وكان إبرزها تمثال "لمجي ماري" ويعود للألف الثالث قبل الميلاد ولمملكة "ماري" التاريخية في تل الحريري بريف دير الزور، أقدم الممالك السورية القديمة في العصر البرونزي، والتي ساعدها موقعها القريب من الفرات على ربط بلاد الرافدين غرباً بآسيا الصغرى. وهو يمثل أقدم تمثال معروف لمؤسس سلالة "ماري" وأحد ملوكها، منحوت من حجر المرمر الأبيض أو الحجر الكلسي الصلب، يصور الملك واقفاً في وضعية التعبد والتضرع (الصلاة). يداه مضمومتان نحو الصدر، عيناه واسعتان مرصعتان بالصدف، يرتدي رداءً طويلاً من صوف الغنم، يغطي جسده تاركاً كتفه الأيسر عارياً، وعليه كتابات بالخط المسماري توثق اسم صاحبه: "أنا لمجي ماري. ملك ماري. إنليل الأكبر".
حكاية بازلتية
حصاة بازلتية تحمل نقشاً وكتابات صفائية من منطقة الصفا بالبادية السورية، وهي نوع من أنواع الخطوط والنقوش العربية الشمالية القديمة التي تركها البدو الرحّل في عصور ما قبل الإسلام، تعود للقرنين الثالث والثاني الميلاديين.
من الحقبة التدمرية
كما ضمت مجموعة القطع المستردة، آثاراً من الحقبة التدمرية، وهي جزء من الأفريز التدمري الذي يعود إلى القرون الميلادية الأولى، ويتضمن جزءاً أثرياً منقوشاً من الجص، يجسد مشهداً حياً لرحلة صيد، ويعكس أسلوب حياة وطبيعة الفنون في تدمر خلال تلك الحقبة المزدهرة، ويبرز فن النحت الذي اشتهرت به المدرسة التدمرية المتميزة بمزجها الفريد بين فنون الشرق القديم والفن الكلاسيكي الروماني والفارسي، إضافة إلى لوحات وتماثيل جنائزية عليها أسماء لمتوفين، إضافة إلى نقش غائر ومميز مكتوباً باللغة التدمرية. ولهذه الآثار أهمية كبيرة لأن تدمر معروفة للعالم الأوربي ومثار اهتمامه لتميزها بحضارتها واستقلاليتها بفنها وثقافتها عن الإمبراطورية الرومانية، ولا سيما في فترة حكم الملكة زنوبيا.
الحقبة البيزنطية والمسيحية المبكرة
من القطع المستعادة خلال هذه الحقبة الزمنية.. تاج عمود مزين بصليب، وهو من الحجر يعود تاريخه إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، عبارة عن قطعة أثرية مسيحية بيزنطية، يحمل على كل وجه من وجوهه الأربعة تصويراً محفوراً إما لصليب لاتيني بنهايات مفلطحة، أو لورقة عنب خماسية الفصوص، وهناك تهشيم متعمد في الزراع العليا للصلبان المنقوشة.
إضافة إلى تميمة أثرية.. تعود للقديس "مار سمعان العمودي" مصنوعة من الفخار تعود للقرن الخامس الميلادي، عبارة عن "أيقونة تذكارية" تحمل رسماً ونقشاً بارزاً لهذا القديس وهو متنسك فوق عموده الشهير، وكانت تُستخدم للتبارك أو تُحفظ كتذكار يحمله الحجاج معهم.
حصّة العصور الإسلامية
استعادت سوريا من آثار الفترة التاريخية الإسلامية (ألأموية- العباسية- المملوكية)، أجزاءاً من لوحة "فريسكو" أو فن التصوير الجصي ملونة ومزخرفة اكتُشفت في قصر الحير الغربي أحد القصور الأموية في بلاد الشام، تحمل أشكالاً آدمية ومشاهد صيد ورسوماً تزيينيه توثق حياة الخليفة هشام ابن عبد الملك، وتُظهر وجه امرأة بملامح هادئة يحيط برأسها غطاءً رقيقاً ينسدل على كتفها، ضمن خلفية زخرفية تجمع بين العناصر التزيينية الهندسية والنباتية. كما استعادت لوحة عباسية من آثار قلعة جعبر بالرقة، عبارة عن حشوة باب خشبية محفورة ومزينة بنقوش نباتية، منحوتة بدقة عالية، عليها زخارف متشابكة تلتف فيها أوراق الأشجار مع عناقيد العنب، وهذا عنصر زخرفي استُخدم في العمارة العباسية، ويعكس مهارة الصُنّاع في العهد العباسي.
إضافة إلى استعادة مجموعة من قطع الفسيفساء (الموزاييك) التي تعود للقرن الثامن الميلادي والجامع الأموي الكبير بدمشق، وهي آثار أموية نادرة مصنوعة يدوياً من الزجاج الملون والمُذهب، تتميز بالدقة والحرفية العالية، وتصور المشاهد الطبيعية والأشجار.
ومن آثار العصر المملوكي تمت استعادة عنصر زجاجي زخرفي رخامي يحمل شعاراً مملوكياً يعود لعام 1472 م، كان يُستخدم لتمييز وظائف الأمراء والسلاطين والدلالة على الرتب العسكرية والمدنية في ذلك العصر، وهو من الحجر الرخامي و التحف النادرة التي تميزت ببراعة فن الفسيفساء الرخامية والزخارف الهندسية.
إرث ثقافي لا يُقدر بثمن
تحمل هذه الكنوز الأثرية المستعادة قيمة تاريخية وحضارية كبيرة، تمثل العمق التراثي لسوريا، والتنوع الثقافي والحضاري فيها، وهي شواهد حيّة على حضارات متعاقبة ومحطات متنوعة تعاقبت على الأرض السورية على مدى آلاف السنين. إنها إرث ثقافي لا يُقدر بثمن، واستعادتها من معهد العالم العربي بباريس خطوة ثقافية بالغة الأهمية تفتح مساراً وطنياً ودولياً لاسترداد الموروث الحضاري السوري، وتؤكد قدرة الدولة السورية على صيانته وحمايته، وتساهم أيضاً في ترميم الذاكرة التاريخية وصون الهوية الوطنية والحضارية.


