سوريا - اقتصاد
ثلاثة أسعار للمازوت.. من سيحصل على الدعم؟
المازوت بثلاثة أسعار وسط فجوة نفطية كبيرة.. والدعم ينتقل من سعر موحد إلى شرائح تستهدف التدفئة والزراعة والإنتاج
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٤:٠٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

خلال مؤتمر صحفي في 17 أيلول الجاري، أعلن وزير الطاقة محمد البشير والرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف القبلاوي طرح ثلاثة أنواع من المازوت: 115 ليرة للتر للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، و150 ليرة للنقل والاستخدامات الإنتاجية والخدمية، و175 ليرة للمازوت القياسي.
أزمة مزدوجة: بانياس والأسواق العالمية
قال وزير الطاقة إن القرار جاء في وقت ارتفعت فيه أسعار المشتقات النفطية عالمياً، إلى جانب تكاليف الشحن والتأمين، مشيراً إلى أن سعر طن المازوت وصل إلى نحو 1599 دولاراً.
وتزامن ذلك مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة تهدف إلى رفع طاقتها التكريرية المستهدفة إلى نحو 130 ألف برميل يومياً.
لكن توقف المصفاة يزيد الحاجة مؤقتاً إلى استيراد مشتقات جاهزة، في وقت ترتفع فيه كلفة هذه المنتجات عالمياً. لذلك فإن أزمة الوقود السورية لا ترتبط بسعر النفط الخام وحده، بل أيضاً بالطاقة التكريرية وتكاليف النقل والتأمين والاستيراد.
الإنتاج المحلي يغطي ثلث الاحتياجات فقط
بحسب وزارة الطاقة، يبلغ إنتاج سوريا الحالي نحو 108 آلاف برميل من الخام يومياً، بينما يتراوح الاحتياج بين 300 و350 ألف برميل يومياً.
وهذا يعني أن الإنتاج المحلي يغطي نحو 31% إلى 36% فقط من الاحتياجات، لتبقى فجوة حسابية تتراوح بين 192 ألفاً و242 ألف برميل يومياً.
ولا يعني ذلك أن هذه الكمية تمثل مباشرة نقص المازوت، لأن إنتاج المشتقات يعتمد على نوع الخام وطاقة المصافي ومزيج المنتجات الناتج عن التكرير. لكنه يكشف حجم الفجوة البنيوية التي تواجهها سوق الطاقة.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد في حديثه مع "العين السورية" أن المشكلة لا تتعلق بالأسعار العالمية وحدها، بل تتداخل فيها ثلاثة عوامل: ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، والواقع المعيشي الصعب، وتراجع القطاع النفطي ومصافي التكرير بعد سنوات الحرب.
ويقدر محمد أن سوريا تستورد نحو 81% من احتياجاتها من المازوت و74% من البنزين، ما يجعل السوق المحلية شديدة الحساسية لأي ارتفاع في أسعار المنتجات المكررة أو الشحن والتأمين.
❝نجاح التسعيرة الثلاثية يتوقف على ضبط وصول المازوت المدعوم إلى مستحقيه...❞
ثلاثة أسعار.. ودعم بثلاثة مستويات
يحاول النظام الجديد توجيه الدعم بحسب الاستخدام، فالمازوت بسعر 115 ليرة مخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، بينما سيباع النوع الثاني بـ150 ليرة للنقل والاستخدامات الإنتاجية والخدمية، في حين يبقى المازوت القياسي عند 175 ليرة.
وقال القبلاوي إن المازوت المدعوم سيوزع عبر محطات محددة، بينما سيتوفر نوع الـ150 ليرة في نحو 80 إلى 85% من المحطات، والمازوت القياسي في معظم المحطات.
ويرى الدكتور علي محمد أن الفكرة تمنح الحكومة مرونة أكبر في توزيع الدعم، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحديد المستفيدين ومراقبة الكميات وآليات التوزيع، خصوصاً في قطاعي التدفئة والزراعة.
وتتسع أهمية هذا التحدي مع اختلاف الأسعار بين الشرائح، إذ يبلغ الفارق بين السعر الأدنى والأعلى 60 ليرة للتر، أي أكثر من 50% من السعر الأدنى. وهذا يجعل آلية تحديد المستفيدين والرقابة على الكميات عنصراً أساسياً في نجاح السياسة الجديدة.
ربط الكميات المتاحة بالفئات المستهدفة
أعلنت وزارة الطاقة إعادة تشغيل وحدات تكريرية محلية بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من الخام، على أن يخصص إنتاجها من المازوت للشريحة المدعومة.
لكن الـ35 ألف برميل تمثل قدرة لمعالجة الخام، وليس كمية مازوت جاهزة.
وبحسب القبلاوي، ستنتج هذه الوحدات نحو 5200 برميل يومياً من المازوت المدعوم، وهي كمية محدودة مقارنة بحجم الطلب الوطني.
ويرى محمد أن نجاح هذه الآلية يحتاج أيضاً إلى توضيح فني بشأن مواصفات المنتجات وكميات الإنتاج الفعلية، ومدى توافقها مع حجم الطلب على المازوت المدعوم.
وهنا تظهر إحدى النقاط الأساسية في السياسة الجديدة: فالدعم لا يعتمد فقط على تحديد سعر منخفض، بل على قدرة الحكومة على ربط الكميات المتاحة بالفئات المستهدفة، خصوصاً في ظل محدودية الإنتاج المحلي.
اقرأ أيضا: المحروقات تعيد تسعير حياة السوريين.. كيف تدير الحكومة الصدمة؟
الدعم لم ينتهِ.. بل تغير شكله
قال وزير الطاقة إن تكلفة لتر المازوت تبلغ نحو 206 ليرات.
وبالتالي يبلغ الدعم الحسابي نحو 91 ليرة للتر عند سعر 115 ليرة، و56 ليرة عند سعر 150، و31 ليرة حتى عند السعر الأعلى البالغ 175 ليرة.
ويشير محمد إلى أن هذه النقطة أساسية، لأن القرار لم يلغِ الدعم، بل أعاد توزيعه على شرائح مختلفة. وبالتالي فإن العبء النهائي على الموازنة سيتوقف على حجم الكميات التي ستباع في كل شريحة.
وتزداد الضغوط مع إعلان الوزارة أن ديون شركة الكهرباء لصالح الشركة السورية للبترول بلغت نحو 1.65 مليار دولار، نتيجة شراء الغاز للتوليد وضعف تحصيل الفواتير والدعم المرتفع للكهرباء.
ضبط السوق السوداء.. الاختبار الأصعب
تعدد أسعار المازوت يفتح في المقابل تحدياً رقابياً، إذ إن الفارق بين السعر المدعوم والسعر الأعلى قد يشجع على تسرب المادة المدعومة إلى قنوات غير رسمية إذا لم تكن آليات التوزيع والتتبع محكمة.
ويرى الدكتور علي محمد أن نجاح آلية التسعير الجديدة لا يتوقف على تحديد الأسعار، بل على قدرة الجهات المعنية على ضبط وصول كل شريحة إلى السعر المخصص لها، خصوصاً أن المازوت المدعوم سيخصص للتدفئة والزراعة وفئات محددة، بينما ستطرح الشرائح الأخرى عبر نطاق أوسع من محطات الوقود.
وتزداد أهمية الرقابة مع تخصيص إنتاج وحدات تكريرية بطاقة معالجة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً للشريحة المدعومة، فيما تقدر الكمية الناتجة من المازوت المدعوم بنحو 5200 برميل يومياً، وفق تصريحات القبلاوي.
وأي تسرب لهذه الكميات إلى السوق غير الرسمية قد يحول الدعم من أداة لحماية الأسر والقطاع الزراعي إلى مصدر ربح للمضاربين. لذلك تحتاج التسعيرة الجديدة إلى نظام واضح لتحديد المستفيدين، وربط التوزيع بالكميات الفعلية المستحقة، ومراقبة حركة الوقود من المصدر إلى محطة التوزيع والمستهلك النهائي.
الدعم لم ينتهِ.. بل تغير شكله
قال وزير الطاقة إن تكلفة لتر المازوت تبلغ نحو 206 ليرات.
وبالتالي يبلغ الدعم الحسابي نحو 91 ليرة للتر عند سعر 115 ليرة، و56 ليرة عند سعر 150، و31 ليرة حتى عند السعر الأعلى البالغ 175 ليرة.
ويشير محمد إلى أن هذه النقطة أساسية، لأن القرار لم يلغِ الدعم، بل أعاد توزيعه على شرائح مختلفة. وبالتالي فإن العبء النهائي على الموازنة سيتوقف على حجم الكميات التي ستباع في كل شريحة.
وتزداد الضغوط مع إعلان الوزارة أن ديون شركة الكهرباء لصالح الشركة السورية للبترول بلغت نحو 1.65 مليار دولار، نتيجة شراء الغاز للتوليد وضعف تحصيل الفواتير والدعم المرتفع للكهرباء.
ضبط السوق السوداء.. الاختبار الأصعب
تعدد أسعار المازوت يفتح في المقابل تحدياً رقابياً، إذ إن الفارق بين السعر المدعوم والسعر الأعلى قد يشجع على تسرب المادة المدعومة إلى قنوات غير رسمية إذا لم تكن آليات التوزيع والتتبع محكمة.
ويرى الدكتور علي محمد أن نجاح آلية التسعير الجديدة لا يتوقف على تحديد الأسعار، بل على قدرة الجهات المعنية على ضبط وصول كل شريحة إلى السعر المخصص لها، خصوصاً أن المازوت المدعوم سيخصص للتدفئة والزراعة وفئات محددة، بينما ستطرح الشرائح الأخرى عبر نطاق أوسع من محطات الوقود.
وتزداد أهمية الرقابة مع تخصيص إنتاج وحدات تكريرية بطاقة معالجة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً للشريحة المدعومة، فيما تقدر الكمية الناتجة من المازوت المدعوم بنحو 5200 برميل يومياً، وفق تصريحات القبلاوي.
وأي تسرب لهذه الكميات إلى السوق غير الرسمية قد يحول الدعم من أداة لحماية الأسر والقطاع الزراعي إلى مصدر ربح للمضاربين. لذلك تحتاج التسعيرة الجديدة إلى نظام واضح لتحديد المستفيدين، وربط التوزيع بالكميات الفعلية المستحقة، ومراقبة حركة الوقود من المصدر إلى محطة التوزيع والمستهلك النهائي.
اقرأ أيضاً: ارتفع سعر الوقود.. فماذا سيدفع السوريون أيضاً؟
هل تحل بانياس المشكلة؟
تراهن الحكومة على إعادة تأهيل الآبار، وحفر آبار جديدة، وتأهيل آبار الغاز، إلى جانب عودة مصفاة بانياس وإنشاء مصافٍ جديدة مستقبلاً.
لكن هذه الخطط تحتاج إلى وقت. وتقول الوزارة إن بعض الآبار يحتاج إلى 4–16 شهراً لإعادة التأهيل.
وعند تشغيل بانياس وحمص، ستصل الطاقة التكريرية المحلية إلى نحو 180 ألف برميل يومياً، وهي أقل من احتياجات سوريا المقدرة بين 300 و350 ألف برميل يومياً، ما يعني استمرار الحاجة إلى الاستيراد.
لذلك، فإن نجاح نظام الأسعار الثلاثة لن يقاس بسعر المازوت وحده، بل بقدرة سوريا على تقليص فجوة الإنتاج، وإعادة المصافي إلى العمل، وخفض فاتورة استيراد المشتقات.
فإذا تحسنت هذه المؤشرات، يمكن أن يتحول التسعير المتدرج من حل مؤقت إلى سياسة دعم أكثر استهدافاً. أما إذا بقي الاعتماد على الاستيراد مرتفعاً، فستظل الأسعار الثلاثة وسيلة لإدارة نقص الوقود وتوزيع كلفته، لا معالجة أصل أزمة الطاقة السورية.
هل تحل بانياس المشكلة؟
تراهن الحكومة على إعادة تأهيل الآبار، وحفر آبار جديدة، وتأهيل آبار الغاز، إلى جانب عودة مصفاة بانياس وإنشاء مصافٍ جديدة مستقبلاً.
لكن هذه الخطط تحتاج إلى وقت. وتقول الوزارة إن بعض الآبار يحتاج إلى 4–16 شهراً لإعادة التأهيل.
وعند تشغيل بانياس وحمص، ستصل الطاقة التكريرية المحلية إلى نحو 180 ألف برميل يومياً، وهي أقل من احتياجات سوريا المقدرة بين 300 و350 ألف برميل يومياً، ما يعني استمرار الحاجة إلى الاستيراد.
لذلك، فإن نجاح نظام الأسعار الثلاثة لن يقاس بسعر المازوت وحده، بل بقدرة سوريا على تقليص فجوة الإنتاج، وإعادة المصافي إلى العمل، وخفض فاتورة استيراد المشتقات.
فإذا تحسنت هذه المؤشرات، يمكن أن يتحول التسعير المتدرج من حل مؤقت إلى سياسة دعم أكثر استهدافاً. أما إذا بقي الاعتماد على الاستيراد مرتفعاً، فستظل الأسعار الثلاثة وسيلة لإدارة نقص الوقود وتوزيع كلفته، لا معالجة أصل أزمة الطاقة السورية.


