سوريا - اقتصاد
ثلاثة مصارف سورية تكسر قيود السيولة بتمويل مجمع لأول مرة
من نفق المجتهد–باب مصلى إلى رحلة قاسيون.. هل يفتح التمويل المجمع باباً جديداً أمام تمويل مشاريع التنمية في سوريا؟
ا
العين السورية
نشر في: ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٧:٢٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في خطوة غير مسبوقة داخل القطاع المالي السوري، أطلقت ثلاثة مصارف أول تمويل مصرفي مجمع بصيغة إسلامية لتمويل مشروعين في دمشق.
ما يجعل الخطوة هو توقيتها وظروف القطاع الذي ينفذها. فالمصارف السورية تواجه سقوفاً ائتمانية ضيقة قياساً بأموالها الذاتية، ومحدودية في السيولة، وقيوداً على حجم التمويل الذي يمكن لأي مصرف منفرد أن يمنحه لمشروع واحد أو لمجموعة مترابطة. في هذا السياق، جاء التمويل المشترك كمحاولة لتجاوز تلك القيود عبر تجميع الموارد وتوزيع المخاطر.
هل يمكن لهذا النموذج أن يتحول إلى أداة مستدامة لتمويل التنمية، تقلل الاعتماد على الموازنة العامة دون أن تنقل المخاطر إلى القطاع المصرفي؟ هذا هو السؤال الذي يحاول التقرير الإجابة عنه.
ماذا حدث تحديداً؟
أعلنت وزارة المالية إطلاق تمويل مصرفي مجمع مشترك يضم بنك البركة سورية ومصرف قطر الوطني سورية والمصرف التجاري السوري. الهدف تمويل نفق المجتهد – باب مصلى واستكمال المرحلة الأخيرة من مشروع رحلة قاسيون. وصف وزير المالية محمد يسر برنية الاتفاق بأنه «الأول من نوعه في سورية»، ويجسد مرحلة جديدة من الشراكة بين الحكومة والقطاعين المصرفي العام والخاص.
أكد الوزير أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام تمويل مشاريع تنموية واستثمارية أكبر للقطاع العام والمؤسسات الاقتصادية، من خلال اللجوء إلى تسهيلات مصرفية، وتقليل الاعتماد على الموازنة العامة كمصدر وحيد للتمويل.
يأتي التمويل ضمن توجه رسمي معلن نحو توسيع أدوات التمويل وتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والمصرفي.
لماذا اللجوء إلى التمويل المجمع؟
القرض المصرفي المجمع، أو التمويل المصرفي المشترك، هو ترتيب يشارك فيه أكثر من مصرف في تقديم تمويل كبير لمقترض واحد، فيتقاسمون المبلغ والمخاطر والعوائد بحسب مساهمة كل منهم، بدلاً من أن يتحمل مصرف واحد كامل العبء. يظهر هذا النموذج عادة عندما يتجاوز حجم المشروع قدرة أي مصرف منفرد بسبب محدودية السيولة أو سقوف التركزات الائتمانية أو متطلبات كفاية رأس المال، فيعمل كآلية لتجميع الموارد وتوزيع المخاطر في آن واحد. وفي الصيغة الإسلامية منه، تُستبدل آليات القرض التقليدي بصيغ متوافقة مع الشريعة مثل المشاركة أو المرابحة أو الإجارة، مع بقاء فكرة التوزيع الجماعي للسيولة والمخاطر قائمة.
يقدم الخبير المصرفي عبد القادر الدويك في حديثه مع "العين السورية" تفسيراً عملياً لسبب اختيار هذا النموذج في الحالة السورية. يرى أن قروض التجمعات المصرفية تضيف قيمة استراتيجية في ظل التحديات الراهنة التي يواجهها القطاع المصرفي المحلي، أبرزها سقوف التركزات الائتمانية مقارنة بالأموال الذاتية لكل مصرف، ومحدودية السيولة، والقيود المفروضة على السقوف الائتمانية للمصارف المنفردة، في مقابل الحاجة إلى تمويل مشاريع إعادة الإعمار والبنى التحتية.
يحدد الدويك ثلاث مزايا مباشرة للتمويل المجمع مقارنة بالتمويل من مصرف واحد: تجميع سيولة عالية من عدة مصارف في عملية واحدة مما يساعد على تنفيذ مشاريع استراتيجية لم تكن قابلة للتنفيذ بسبب نقص التمويل، وتوزيع مخاطر الائتمان بين المصارف المشاركة بحسب مساهمة كل منها بما يدعم الاستقرار المصرفي ويحمي أموال المودعين، وملاءمة حجم التمويل الكبير مع متطلبات المشاريع التنموية حيث يوزع المبلغ بما يتناسب مع السقف المحدد لدى كل مصرف ومعايير كفاية رأس المال.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي رازي محي الدين في تصريح لــ"لعين السورية" أن التمويل المصرفي المجمع يمكن أن يشكل أداة مهمة لتمويل التنمية وتخفيف الضغط عن الموازنة، لكنه يحذر من اعتباره بديلاً كاملاً عنها. يفضل النظر إليه كأداة مكملة إلى جانب الشراكة مع القطاع الخاص والتمويل الاستثماري من الموازنة وأدوات سوق رأس المال.
يشدد محي الدين على شرط أساسي: أن يستند كل تمويل إلى دراسة جدوى دقيقة وتدفقات نقدية واضحة وآلية سداد قابلة للاستدامة. ويشير إلى أن هذا النموذج يتيح للدولة تنفيذ مشاريعها دون اللجوء بالضرورة إلى التمويل بالعجز أو الاقتراض الخارجي، ودون التنازل عن ملكية المشروع لصالح مستثمر خاص.
أما قابلية التعميم على قطاعات مثل النقل والطاقة والصناعة، فيربطها محي الدين بتطور البيئة المصرفية والاستثمارية، ووجود منظومة متكاملة تشمل التمويل المجمع والتمويل الإسلامي والصكوك والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع إدارة واضحة للمخاطر.
ويذكر محي الدين أن شركة روابط لحلول الأعمال أعدت دراسة الجدوى الاقتصادية لمشروع رحلة قاسيون، والتي اعتمدت ضمن عملية التمويل. يرى في ذلك مؤشراً على أن الشركات الاستشارية السورية المحلية تمتلك الكفاءة لإعداد دراسات لمشاريع كبيرة وفق منهجيات مهنية.
حدود النموذج والمخاطر المحتملة
النص المتاح لا يقدم أرقاماً عن حجم التمويل أو نسبة مساهمة كل مصرف أو حجم السيولة المتاحة في القطاع. كما لا يوضح ما إذا كانت للمشروعين إيرادات كافية لسداد الالتزامات أم أن السداد سيعتمد على مصادر أخرى. هذا الغياب يجعل من الصعب تقييم المخاطر الائتمانية بدقة في الوقت الحالي.
يحذر محي الدين ضمناً من انتقال الدولة أو المؤسسات العامة من التمويل المباشر إلى الاقتراض المصرفي إذا لم تتوفر إيرادات كافية. في هذه الحالة قد تتحول المخاطر من الموازنة العامة إلى الميزانيات العمومية للمصارف، خاصة إذا تكررت التجربة على نطاق واسع دون إصلاحات مسبقة في البيئة المصرفية والاستثمارية.
من جهة أخرى، يؤكد الدويك أن توزيع المخاطر بحسب مساهمة كل مصرف يساعد على حماية أموال المودعين، شريطة الالتزام بمعايير كفاية رأس المال والسقوف الائتمانية.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد السوري؟
يمثل الاتفاق محاولة عملية لتحويل القطاع المصرفي من دور تقليدي محدود إلى شريك في تمويل التنمية. إذا نجحت التجربة في تنفيذ المشروعين وفق الجدول الزمني والدراسة المعتمدة، فقد تشجع مصارف أخرى على المشاركة في تمويلات مجمعة لاحقة.
لكن النجاح لا يقاس بإتمام الصفقة الأولى فقط. المؤشرات التي يستحق مراقبتها لاحقاً تشمل: قدرة المصارف على تجميع سيولة إضافية لمشاريع أكبر، ومدى التزام المشاريع بالتدفقات النقدية المتوقعة، واستقرار مؤشرات كفاية رأس المال لدى المصارف المشاركة، ومدى تطور أدوات أخرى مثل الصكوك.
في المدى القريب، يبقى التمويل المجمع أداة مكملة لا تحل محل الموازنة العامة، ولا تلغي الحاجة إلى إصلاحات أوسع في البيئة الاستثمارية والائتمانية. أما في المدى الأبعد، فإن تكرار النموذج وتوسيعه سيعتمد على مدى قدرة القطاع على إدارة المخاطر بشكل جماعي، وعلى توفر دراسات جدوى موثوقة وآليات سداد واضحة.


