سوريا - اقتصاد
"جي بي مورغان" يسهّل تجارة النفط السورية ويفتح باباً لاستعادة الثقة المصرفية
علي محمد: تأكيد الاعتمادات المستندية خطوة نحو تخفيف مخاطر التعامل المصرفي مع سوريا.. والزنبركجي: توسيع العلاقات المصرفية يتطلب إصلاحات رقابية ومالية متكاملة
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٤:٥٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
يشكّل دخول بنك «جي بي مورغان» الأمريكي على خط ترتيب اعتماد مستندي مرتبط باستيراد المشتقات النفطية إلى سوريا تطوراً يستحق التوقف عنده، ليس فقط لارتباطه بقطاع حيوي يعتمد عليه الاقتصاد السوري، بل لما يحمله من دلالات تتصل بإمكانية استعادة قنوات التعامل مع النظام المصرفي الدولي، بعد سنوات من القيود التي رفعت كلفة المعاملات التجارية ودفعت المستوردين إلى الاعتماد على ترتيبات مالية أكثر تعقيدًا.
وتتجاوز أهمية الخطوة حدود الصفقة المرتبطة باستيراد المشتقات النفطية، لتطرح تساؤلات حول مدى قدرة المصارف السورية على استعادة ثقة المؤسسات المالية العالمية، وإمكانية الانتقال من الاعتماد على قنوات وسيطة لتأمين المدفوعات التجارية إلى بناء علاقات مصرفية أكثر انتظامًا ومباشرة.
لكن هل يمثل هذا التطور بداية فعلية لانفتاح مصرفي أوسع، أم يظل محصوراً في معاملة تجارية محددة تحكمها اعتبارات قانونية وتنظيمية خاصة؟
تأكيد الاعتمادات المستندية.. خطوة نحو استعادة الثقة
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور "علي محمد" أن:
ويشير هذا التطور إلى إمكانية تخفيف بعض العقبات التي تواجه عمليات الاستيراد، ولا سيما الصعوبات المرتبطة بتأمين المدفوعات وتوفير الضمانات المصرفية اللازمة لإتمام الصفقات التجارية.
ويُعد الاعتماد المستندي إحدى الأدوات المستخدمة في تمويل التجارة الدولية، إذ يتيح تنظيم العلاقة بين المستورد والمصدّر، ويوفر ضمانات مرتبطة بتنفيذ شروط الدفع وتقديم المستندات المطلوبة.
يشكّل دخول بنك «جي بي مورغان» الأمريكي على خط ترتيب اعتماد مستندي مرتبط باستيراد المشتقات النفطية إلى سوريا تطوراً يستحق التوقف عنده، ليس فقط لارتباطه بقطاع حيوي يعتمد عليه الاقتصاد السوري، بل لما يحمله من دلالات تتصل بإمكانية استعادة قنوات التعامل مع النظام المصرفي الدولي، بعد سنوات من القيود التي رفعت كلفة المعاملات التجارية ودفعت المستوردين إلى الاعتماد على ترتيبات مالية أكثر تعقيدًا.
وتتجاوز أهمية الخطوة حدود الصفقة المرتبطة باستيراد المشتقات النفطية، لتطرح تساؤلات حول مدى قدرة المصارف السورية على استعادة ثقة المؤسسات المالية العالمية، وإمكانية الانتقال من الاعتماد على قنوات وسيطة لتأمين المدفوعات التجارية إلى بناء علاقات مصرفية أكثر انتظامًا ومباشرة.
لكن هل يمثل هذا التطور بداية فعلية لانفتاح مصرفي أوسع، أم يظل محصوراً في معاملة تجارية محددة تحكمها اعتبارات قانونية وتنظيمية خاصة؟
تأكيد الاعتمادات المستندية.. خطوة نحو استعادة الثقة
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور "علي محمد" أن:
❝دخول بنك «جي بي مورغان» على خط ترتيب الاعتماد المستندي المرتبط باستيراد المشتقات النفطية إلى سوريا يحمل دلالات إيجابية على مستوى التعاملات المالية الدولية، إذ يمكن أن يعكس استعداد مؤسسة مصرفية عالمية للمشاركة في ترتيب معاملة تجارية سورية ضمن أطر محددة لإدارة المخاطر والامتثال.❞
ويشير هذا التطور إلى إمكانية تخفيف بعض العقبات التي تواجه عمليات الاستيراد، ولا سيما الصعوبات المرتبطة بتأمين المدفوعات وتوفير الضمانات المصرفية اللازمة لإتمام الصفقات التجارية.
ويُعد الاعتماد المستندي إحدى الأدوات المستخدمة في تمويل التجارة الدولية، إذ يتيح تنظيم العلاقة بين المستورد والمصدّر، ويوفر ضمانات مرتبطة بتنفيذ شروط الدفع وتقديم المستندات المطلوبة.
وعندما تدخل مؤسسة مصرفية دولية في تأكيد الاعتماد أو ترتيبه، فقد يسهم ذلك في تعزيز ثقة الأطراف المشاركة في المعاملة، وفقاً لشروط العملية وطبيعة الالتزامات التي يقبلها كل طرف.
وتكمن أهمية هذه الخطوة، وفقاً لقراءة الدكتور علي محمد، في أنها قد تمهّد لتوسيع استخدام الأدوات المصرفية المنظمة في التجارة الخارجية، بدلًا من الاقتصار على وسائل الدفع التقليدية أو المرور عبر وسطاء متعددين، وهي ترتيبات قد ترفع التكاليف وتزيد تعقيد المعاملات.
ولا تقتصر الدلالة الاقتصادية على قيمة الشحنة النفطية ذاتها، بل تتصل بإمكانية تكرار التجربة وتوسيع نطاقها مستقبلاً، بما يساعد على تأمين احتياجات السوق وتقليل العقبات التي تواجه المستوردين في تنفيذ التزاماتهم التجارية.
ومع ذلك، فإن نجاح معاملة واحدة لا يكفي وحده للحكم على حدوث تحول شامل في العلاقات المصرفية السورية، بل ينبغي النظر إليه باعتباره خطوة أولية تحتاج إلى التراكم والاستمرارية حتى تتحول إلى مسار أوسع.
بين تأكيد الاعتماد وعودة المصارف السورية إلى النظام الدولي
من جانبه، يشدد المتخصص في التخطيط الاقتصادي وتأسيس الشركات القابضة "مهند الزنبركجي" على ضرورة التمييز بين تأكيد الاعتمادات المستندية وإعادة فتح العلاقات المصرفية بصورة كاملة.
ويوضح أن مشاركة بنك دولي في عملية تجارية محددة لا تعني بالضرورة عودة جميع المصارف السورية إلى التعامل المباشر مع البنوك العالمية، كما لا تعني زوال القيود القانونية والتنظيمية التي قد تواجه التحويلات من سوريا وإليها.
ويشير الزنبركجي إلى أن:
ويعني ذلك أن تقييم التطور لا ينبغي أن يستند إلى اسم البنك الدولي المشارك وحده، بل إلى طبيعة دوره الفعلي في العملية، ومدى إمكانية تكرارها، وما إذا كانت ستفتح المجال أمام معاملات تجارية أخرى ضمن شروط واضحة وقابلة للاستمرار.
فالتعامل المصرفي الدولي يخضع لضوابط تتعلق بالامتثال وإدارة المخاطر والتحقق من هوية العملاء والمستفيدين النهائيين ومصادر الأموال، فضلاً عن الالتزام بالعقوبات والقيود القانونية ذات الصلة. ولذلك، فإن إتمام معاملة محددة لا يعني تلقائيًا معالجة العقبات التي تواجه القطاع المصرفي السوري بصورة شاملة.
هل تنخفض تكلفة استيراد المشتقات النفطية؟
على المستوى الاقتصادي، يوضح الزنبركجي أن هذه الخطوة يمكن أن تنعكس على تكلفة استيراد المشتقات النفطية إذا أسهمت في توسيع قاعدة الموردين وزيادة المنافسة بينهم، أو خفض العلاوات السعرية التي قد يفرضها بعض الموردين مقابل مخاطر الدفع والتسوية.
كما يمكن أن تساعد في تحسين شروط التعاقد، وتسهيل تنظيم عمليات الشحن والتوريد، والحد من الحاجة إلى الاعتماد على وسطاء متعددين في بعض المعاملات.
لكن انخفاض تكلفة الاستيراد ليس نتيجة تلقائية لتأكيد الاعتمادات المستندية، إذ يرتبط أيضاً بتكلفة التمويل والعمولات المصرفية والتأمين والشحن، وأسعار النفط العالمية وسعر الصرف، فضلاً عن قدرة المستوردين على التفاوض والحصول على شروط تجارية أفضل.
وبالتالي، فإن قياس الأثر الفعلي لهذه الخطوة يتطلب متابعة انعكاسها على شروط التوريد وكلفة التمويل والعمولات ومدة تسوية المدفوعات، لا الاكتفاء بالإعلان عن مشاركة بنك دولي في ترتيب الاعتماد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قطاع المشتقات النفطية، لارتباطه بتكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وما يمكن أن يتركه تحسن شروط الاستيراد من آثار غير مباشرة على الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
غير أن انتقال أي انخفاض في تكاليف الاستيراد إلى المستهلك النهائي يظل مرتبطاً بعوامل إضافية، منها آليات التسعير المحلية وتكاليف التوزيع والضرائب والرسوم، فضلاً عن طبيعة السوق ومستوى المنافسة فيها.
استعادة الثقة تحتاج إلى سجل مصرفي مستدام
على مستوى القطاع المصرفي السوري، يرى الزنبركجي أن الأهمية الاستراتيجية لهذا التطور تتمثل في إمكانية الاستفادة من التجربة بوصفها نموذجاً أولياً لتوسيع التعاملات المالية الدولية تدريجيًا.
فاستعادة الثقة تتحقق من خلال سجل متراكم من المعاملات الناجحة والمنتظمة، وقدرة المصارف على الوفاء بالتزاماتها، وتطبيق معايير واضحة للحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر.
وكلما تمكنت المؤسسات السورية من إثبات قدرتها على تنفيذ المدفوعات التجارية بشفافية وفي مواعيدها، ازدادت فرص بناء علاقات مراسلة مصرفية أوسع، وتطوير خدمات تمويل التجارة والتحويلات الدولية وخطابات الضمان وغيرها من الأدوات التي تحتاج إليها الشركات والمستثمرون.
لكن توسيع قبول الاعتمادات الصادرة عن المصارف السورية يحتاج إلى مجموعة من الشروط المتكاملة، في مقدمتها تعزيز استقلالية الرقابة المصرفية وفاعليتها، وتطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطبيق إجراءات دقيقة للتحقق من هوية العملاء والمستفيدين النهائيين ومصادر الأموال.
وتشمل المتطلبات أيضاً تحسين معايير الإفصاح المالي والتدقيق الخارجي وإدارة مخاطر الائتمان والسيولة والامتثال للقيود القانونية ذات الصلة.
كما تحتاج المصارف السورية إلى تطوير أنظمتها التقنية والتشغيلية، وتحسين جودة بياناتها المالية، ورفع كفاءة موظفيها في مجال تمويل التجارة الدولية، وبناء قدرات مؤسسية تمكّنها من التعامل مع متطلبات البنوك المراسلة وفق المعايير الدولية.
فالمصارف العالمية لا تنظر إلى حجم الصفقة وحده عند اتخاذ قرار التعامل مع بنك آخر، بل تقيّم البيئة الرقابية التي يعمل فيها، ومدى قدرته على تحديد المخاطر ومراقبتها، وشفافية عملياته، واستقرار أوضاعه المالية، وكفاءة إجراءات الامتثال لديه.
كذلك، فإن استعادة العلاقات المصرفية المباشرة تتطلب معالجة العقبات القانونية والتنظيمية القائمة، إذ لا تستطيع أي مؤسسة مالية تجاوز القيود الملزمة لها لمجرد توافر فرصة تجارية مربحة.
من القنوات الوسيطة إلى التعامل المباشر ما الذي يتغير؟
من شأن النجاح في استيفاء هذه المتطلبات أن يفتح المجال أمام المصارف السورية للانتقال تدريجيًا من الاعتماد على قنوات وسيطة ومكلفة إلى تنفيذ جزء أكبر من عمليات تمويل التجارة بصورة مباشرة.
ويمكن أن يسهم ذلك، عند تحقق شروطه، في خفض بعض العمولات والتكاليف المرتبطة بتعدد الوسطاء، وتسريع تسوية المدفوعات، ومنح المستوردين والمصدرين مرونة أكبر في إدارة السيولة والالتزامات التجارية.
كما قد يدعم الشركات السورية الراغبة في إعادة بناء سلاسل التوريد أو استيراد المواد الأولية والتجهيزات الصناعية، بما ينعكس إيجابًا على الإنتاج وفرص الاستثمار والتشغيل.
إلا أن الزنبركجي يشير إلى أن الانتقال إلى هذه المرحلة لن يكون فورياً أو متساوياً بين جميع المصارف، إذ من المرجح أن يبدأ من المؤسسات الأكثر قدرة على الالتزام بالمعايير الدولية، ومن المعاملات والقطاعات التي تتوافر فيها شفافية أعلى ومخاطر يمكن تقييمها وإدارتها.
وقد يتطلب الأمر فترة من الاختبار والتقييم المستمر قبل أن تتوسع البنوك العالمية في قبول الاعتمادات الصادرة عن المصارف السورية، كما ستبقى تكلفة التمويل مرتبطة بمدى استقرار البيئة الاقتصادية والنقدية، ومستوى المخاطر السيادية والتجارية، وقدرة المصارف على توفير الضمانات المطلوبة.
وهذا يعني أن الاستفادة من التطور الحالي لن تتوقف على إتمام الصفقة، بل على قدرة المؤسسات المعنية على تحويلها إلى تجربة قابلة للتكرار، ضمن منظومة مصرفية أكثر كفاءة وشفافية.
فرصة اقتصادية.. لكن التعافي المصرفي لم يُحسم بعد
يضع التطور المرتبط بمشاركة «جي بي مورغان» في ترتيب الاعتماد المستندي أمام القطاع المصرفي السوري فرصة لاختبار إمكانية توسيع قنوات تمويل التجارة الدولية، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلًا على استعادة العلاقات المصرفية بصورة كاملة.
فالأثر الحقيقي للخطوة يتوقف على قدرتها على تسهيل المعاملات التجارية، وتحسين شروط التمويل والتوريد، وتقليل الاعتماد على الوسطاء، وفتح المجال أمام تكرار العمليات ضمن بيئة قانونية ورقابية واضحة.
وفي المقابل، تتطلب استعادة الثقة الدولية إصلاحات مصرفية ومؤسسية أوسع، تشمل الامتثال والشفافية والحوكمة وإدارة المخاطر، إلى جانب معالجة القيود القانونية والتنظيمية التي تؤثر في التعاملات المالية.
وبين المؤشر الإيجابي والتحول الشامل، تبقى المرحلة المقبلة هي الاختبار الأهم: هل ستتحول هذه التجربة إلى قناة مستدامة لتسهيل التجارة الخارجية، أم ستظل معاملة محددة لا تكفي وحدها لتغيير واقع المصارف السورية؟
ستتضح الإجابة من خلال تكرار العمليات، واتساع نطاق المؤسسات المشاركة فيها، وتحسن شروط تمويل التجارة، ومدى قدرة المصارف السورية على بناء علاقات مستقرة مع المؤسسات المالية الدولية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة، وفقاً لقراءة الدكتور علي محمد، في أنها قد تمهّد لتوسيع استخدام الأدوات المصرفية المنظمة في التجارة الخارجية، بدلًا من الاقتصار على وسائل الدفع التقليدية أو المرور عبر وسطاء متعددين، وهي ترتيبات قد ترفع التكاليف وتزيد تعقيد المعاملات.
ولا تقتصر الدلالة الاقتصادية على قيمة الشحنة النفطية ذاتها، بل تتصل بإمكانية تكرار التجربة وتوسيع نطاقها مستقبلاً، بما يساعد على تأمين احتياجات السوق وتقليل العقبات التي تواجه المستوردين في تنفيذ التزاماتهم التجارية.
ومع ذلك، فإن نجاح معاملة واحدة لا يكفي وحده للحكم على حدوث تحول شامل في العلاقات المصرفية السورية، بل ينبغي النظر إليه باعتباره خطوة أولية تحتاج إلى التراكم والاستمرارية حتى تتحول إلى مسار أوسع.
بين تأكيد الاعتماد وعودة المصارف السورية إلى النظام الدولي
من جانبه، يشدد المتخصص في التخطيط الاقتصادي وتأسيس الشركات القابضة "مهند الزنبركجي" على ضرورة التمييز بين تأكيد الاعتمادات المستندية وإعادة فتح العلاقات المصرفية بصورة كاملة.
ويوضح أن مشاركة بنك دولي في عملية تجارية محددة لا تعني بالضرورة عودة جميع المصارف السورية إلى التعامل المباشر مع البنوك العالمية، كما لا تعني زوال القيود القانونية والتنظيمية التي قد تواجه التحويلات من سوريا وإليها.
ويشير الزنبركجي إلى أن:
❝نجاح هذه التجربة يمكن أن يشكل مؤشراً إيجابياً على إمكانية بناء قنوات مالية أكثر انتظاماً، شريطة تنفيذ العمليات ضمن الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وتوافر الشفافية المطلوبة بشأن مصادر الأموال والأطراف المستفيدة وطبيعة المعاملات.
❞
ويعني ذلك أن تقييم التطور لا ينبغي أن يستند إلى اسم البنك الدولي المشارك وحده، بل إلى طبيعة دوره الفعلي في العملية، ومدى إمكانية تكرارها، وما إذا كانت ستفتح المجال أمام معاملات تجارية أخرى ضمن شروط واضحة وقابلة للاستمرار.
فالتعامل المصرفي الدولي يخضع لضوابط تتعلق بالامتثال وإدارة المخاطر والتحقق من هوية العملاء والمستفيدين النهائيين ومصادر الأموال، فضلاً عن الالتزام بالعقوبات والقيود القانونية ذات الصلة. ولذلك، فإن إتمام معاملة محددة لا يعني تلقائيًا معالجة العقبات التي تواجه القطاع المصرفي السوري بصورة شاملة.
هل تنخفض تكلفة استيراد المشتقات النفطية؟
على المستوى الاقتصادي، يوضح الزنبركجي أن هذه الخطوة يمكن أن تنعكس على تكلفة استيراد المشتقات النفطية إذا أسهمت في توسيع قاعدة الموردين وزيادة المنافسة بينهم، أو خفض العلاوات السعرية التي قد يفرضها بعض الموردين مقابل مخاطر الدفع والتسوية.
كما يمكن أن تساعد في تحسين شروط التعاقد، وتسهيل تنظيم عمليات الشحن والتوريد، والحد من الحاجة إلى الاعتماد على وسطاء متعددين في بعض المعاملات.
لكن انخفاض تكلفة الاستيراد ليس نتيجة تلقائية لتأكيد الاعتمادات المستندية، إذ يرتبط أيضاً بتكلفة التمويل والعمولات المصرفية والتأمين والشحن، وأسعار النفط العالمية وسعر الصرف، فضلاً عن قدرة المستوردين على التفاوض والحصول على شروط تجارية أفضل.
وبالتالي، فإن قياس الأثر الفعلي لهذه الخطوة يتطلب متابعة انعكاسها على شروط التوريد وكلفة التمويل والعمولات ومدة تسوية المدفوعات، لا الاكتفاء بالإعلان عن مشاركة بنك دولي في ترتيب الاعتماد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قطاع المشتقات النفطية، لارتباطه بتكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وما يمكن أن يتركه تحسن شروط الاستيراد من آثار غير مباشرة على الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
غير أن انتقال أي انخفاض في تكاليف الاستيراد إلى المستهلك النهائي يظل مرتبطاً بعوامل إضافية، منها آليات التسعير المحلية وتكاليف التوزيع والضرائب والرسوم، فضلاً عن طبيعة السوق ومستوى المنافسة فيها.
استعادة الثقة تحتاج إلى سجل مصرفي مستدام
على مستوى القطاع المصرفي السوري، يرى الزنبركجي أن الأهمية الاستراتيجية لهذا التطور تتمثل في إمكانية الاستفادة من التجربة بوصفها نموذجاً أولياً لتوسيع التعاملات المالية الدولية تدريجيًا.
فاستعادة الثقة تتحقق من خلال سجل متراكم من المعاملات الناجحة والمنتظمة، وقدرة المصارف على الوفاء بالتزاماتها، وتطبيق معايير واضحة للحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر.
وكلما تمكنت المؤسسات السورية من إثبات قدرتها على تنفيذ المدفوعات التجارية بشفافية وفي مواعيدها، ازدادت فرص بناء علاقات مراسلة مصرفية أوسع، وتطوير خدمات تمويل التجارة والتحويلات الدولية وخطابات الضمان وغيرها من الأدوات التي تحتاج إليها الشركات والمستثمرون.
لكن توسيع قبول الاعتمادات الصادرة عن المصارف السورية يحتاج إلى مجموعة من الشروط المتكاملة، في مقدمتها تعزيز استقلالية الرقابة المصرفية وفاعليتها، وتطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطبيق إجراءات دقيقة للتحقق من هوية العملاء والمستفيدين النهائيين ومصادر الأموال.
وتشمل المتطلبات أيضاً تحسين معايير الإفصاح المالي والتدقيق الخارجي وإدارة مخاطر الائتمان والسيولة والامتثال للقيود القانونية ذات الصلة.
كما تحتاج المصارف السورية إلى تطوير أنظمتها التقنية والتشغيلية، وتحسين جودة بياناتها المالية، ورفع كفاءة موظفيها في مجال تمويل التجارة الدولية، وبناء قدرات مؤسسية تمكّنها من التعامل مع متطلبات البنوك المراسلة وفق المعايير الدولية.
فالمصارف العالمية لا تنظر إلى حجم الصفقة وحده عند اتخاذ قرار التعامل مع بنك آخر، بل تقيّم البيئة الرقابية التي يعمل فيها، ومدى قدرته على تحديد المخاطر ومراقبتها، وشفافية عملياته، واستقرار أوضاعه المالية، وكفاءة إجراءات الامتثال لديه.
كذلك، فإن استعادة العلاقات المصرفية المباشرة تتطلب معالجة العقبات القانونية والتنظيمية القائمة، إذ لا تستطيع أي مؤسسة مالية تجاوز القيود الملزمة لها لمجرد توافر فرصة تجارية مربحة.
من القنوات الوسيطة إلى التعامل المباشر ما الذي يتغير؟
من شأن النجاح في استيفاء هذه المتطلبات أن يفتح المجال أمام المصارف السورية للانتقال تدريجيًا من الاعتماد على قنوات وسيطة ومكلفة إلى تنفيذ جزء أكبر من عمليات تمويل التجارة بصورة مباشرة.
ويمكن أن يسهم ذلك، عند تحقق شروطه، في خفض بعض العمولات والتكاليف المرتبطة بتعدد الوسطاء، وتسريع تسوية المدفوعات، ومنح المستوردين والمصدرين مرونة أكبر في إدارة السيولة والالتزامات التجارية.
كما قد يدعم الشركات السورية الراغبة في إعادة بناء سلاسل التوريد أو استيراد المواد الأولية والتجهيزات الصناعية، بما ينعكس إيجابًا على الإنتاج وفرص الاستثمار والتشغيل.
إلا أن الزنبركجي يشير إلى أن الانتقال إلى هذه المرحلة لن يكون فورياً أو متساوياً بين جميع المصارف، إذ من المرجح أن يبدأ من المؤسسات الأكثر قدرة على الالتزام بالمعايير الدولية، ومن المعاملات والقطاعات التي تتوافر فيها شفافية أعلى ومخاطر يمكن تقييمها وإدارتها.
وقد يتطلب الأمر فترة من الاختبار والتقييم المستمر قبل أن تتوسع البنوك العالمية في قبول الاعتمادات الصادرة عن المصارف السورية، كما ستبقى تكلفة التمويل مرتبطة بمدى استقرار البيئة الاقتصادية والنقدية، ومستوى المخاطر السيادية والتجارية، وقدرة المصارف على توفير الضمانات المطلوبة.
وهذا يعني أن الاستفادة من التطور الحالي لن تتوقف على إتمام الصفقة، بل على قدرة المؤسسات المعنية على تحويلها إلى تجربة قابلة للتكرار، ضمن منظومة مصرفية أكثر كفاءة وشفافية.
فرصة اقتصادية.. لكن التعافي المصرفي لم يُحسم بعد
يضع التطور المرتبط بمشاركة «جي بي مورغان» في ترتيب الاعتماد المستندي أمام القطاع المصرفي السوري فرصة لاختبار إمكانية توسيع قنوات تمويل التجارة الدولية، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلًا على استعادة العلاقات المصرفية بصورة كاملة.
فالأثر الحقيقي للخطوة يتوقف على قدرتها على تسهيل المعاملات التجارية، وتحسين شروط التمويل والتوريد، وتقليل الاعتماد على الوسطاء، وفتح المجال أمام تكرار العمليات ضمن بيئة قانونية ورقابية واضحة.
وفي المقابل، تتطلب استعادة الثقة الدولية إصلاحات مصرفية ومؤسسية أوسع، تشمل الامتثال والشفافية والحوكمة وإدارة المخاطر، إلى جانب معالجة القيود القانونية والتنظيمية التي تؤثر في التعاملات المالية.
وبين المؤشر الإيجابي والتحول الشامل، تبقى المرحلة المقبلة هي الاختبار الأهم: هل ستتحول هذه التجربة إلى قناة مستدامة لتسهيل التجارة الخارجية، أم ستظل معاملة محددة لا تكفي وحدها لتغيير واقع المصارف السورية؟
ستتضح الإجابة من خلال تكرار العمليات، واتساع نطاق المؤسسات المشاركة فيها، وتحسن شروط تمويل التجارة، ومدى قدرة المصارف السورية على بناء علاقات مستقرة مع المؤسسات المالية الدولية.


