سوريا - ثقافة
خالـد تاجـا.. أنطوني كوين العرب.. وعبقرية الأداء
ا
العين السورية
نشر في: ١٢ أبريل ٢٠٢٦، ١١:٤٣عدل في: ١٢ أبريل ٢٠٢٦، ١١:٤٣
3 دقيقة
0

في مثل هذا الشهر من عام 2012، رحل عن عالمنا الفنان الكبير خالد تاجا، بعد حياة مهنية طويلة، مليئة بمحطات متمايزة وعبقرية فريدة من نوعها، يصعب اختزالها في سطور ومقالات، وبعد وقوفه الصريح والشجاع مع الثورة السورية، ومشاركته في الاحتجاجات ضد النظام المجرم، وأجهزته الأمنية والعسكرية، ومشاركاته المستمرة في تشييع الشهداء، وحضور العزاء بهم في المناطق الثائرة.
اختلفت الروايات حول أسباب وفاته، وأكدت بعض المستندات والمعطيات أنها تعود للتعذيب الشديد الذي تعرض له في الفرع /284/ التابع للأمن العسكري، وهذا ما صرح به بالصوت والصورة أحد عناصر أمن النظام عام 2013 ، بعد أن وقع في قبضة الجيش السوري الحر، معلناً أنه رآه هناك يتعرض للإهانة وأقسى أنواع التعذيب. وقالت بعض المصادر أنه توفي في العاصمة الأردنية في أحد المشافي، وأن الأطباء الذين أشرفوا على علاجه أفادوا بوجود كدمات وعلامات تعذيب على جسده، بينما أكدت مصادر أخرى بأن المرض هو السبب في وفاته.
كان الفنان الراحل معارضاً للنظام البائد، وأعلن رفضه الدائم للقمع ومصادرة الحريات وسيطرة القبضة الأمنية على البلاد: "نحن شعوب ممنوع أن نطالب بحقوقنا. بصير اسمنا إرهابين. السجون الموجودة بعالمنا بتخوف. البارودة بتخوف. النظام لا يرحم. ويجب أن نفكر بإنقاذ هذا الوطن".
جهّز قبره قبل رحيله بفترة طويلة، وسماه "المنزل الأخير" وكتب على شاهدته: "مسيرتي حلم من الجنون. كومضة شهاب زرع النور بقلب من رآها. لحظة ثم مضت". وعند تشييعه تمركزت قوات الأمن عند مسجد الزهراء بحي المرة الدمشقي، حيث صُلّي عليه، وانتشرت مجموعات من "الشبيحة" على طول الطريق من الجامع إلى المقبرة خوفاً من حدوث مظاهرة عارمة.
سمّاه الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش "أنطوني كوين العرب"، وصُنّف ضمن أفضل خمسين ممثلاً في العالم حسب مجلة التايم الأمريكية، لكنه قال آنذاك: "هذا شرف كبير لي أن أحمل تشبيهاً بأنطوني كوين. على الرغم من أنه لا أحد يشبهه. ولا أحد يشبهني. فكل واحد له عالمه".
وُلد الراحل في حي ركن الدين بدمشق، في 6 نوفمير 1939، وعندما بلغ الثامنة من عمره اكتشف ولعه بالرسم وأُغرم بفن خيال الظل، وفي العاشرة منه بدأ يتردد على مسارح دمشق. انتقل عام 1956 إلى فرقة "المسرح الحر" مع توفيق العطري أحد رواد المسرح السوري، والتي ضمت نخبة من الفنانين الكبار، أمثال: حكمت محسن- أنور البابا وصبري عيّاد، ورأسها الفنان عبد اللطيف فتحي، وقدم عدداً من الأدوار على الخشبة، ثم انتقل بعدها إلى الكتابة والإخراج المسرحيين، ومن أعماله بهذا المجال: (بالناقص زلمة- خدّام الأكابر) التي شارك في بطولتها أيضاً، وألّف مسرحية "المجنون" التي لم تُبصر النور بسبب عجزه عن تمويلها.
كان يؤمن بهذا الفن، ويقول دائماً: "أنا أؤمن أن المكان الطبيعي للمثل هو المسرح، لأنه يحقق اتصالاً وجدانياً مباشراً بين المتلقي والفنان"، وشارك في بطولة أعمال مسرحية هامة مثل: (مرتي قمر صناعي- غوليمانوف- في آخر الليل- انتظار عبد الفتاح- الطلقة الأخيرة وبيت للإيجار)، و الأخيرة عمل كلاسيكي كوميدي – اجتماعي، تأليف: حكمت محسن. تُعتبر من أبرز نصوص المسرح الشعبي السوري الناقد، ألقت الضوء على حياة الناس ومعاناتهم اليومية، وجسّد فيها شخصية تاجر دمشقي يعيش صراعات طريفة مع زوجتيه. عُرف بأدائه المبهر وعفويته الصادقة وحضوره الآسر وصوته الذي لا يشبهه صوت على خشبة المسرح، وبلغ رصيده بهذا المجال أكثر من عشرين مسرحية عربية وعالمية، وبقي حتى يوم رحيله الحزين يطمح إلى تقديم بعض شخصيات شكسبير الخالدة كهاملت أو الملك لير، كما صرح مراراً.
شارك في بطولة أكثر من 17 فيلماً سينمائياً للقطاع العام، و23 فيلماً للقطاع الخاص، وهو رقم فارق في السينما السورية قياساً إلى قلة الإنتاج فيها، والبداية كانت بفيلم "سائق الشاحنة" 1966، الذي أخرجه اليوغسلافي "يوشكونو فوفيتش" وهو أول فيلم روائي طويل أنتجته المؤسسة العامة للسينما، جسّد فيه شخصية شاب ريفي مكافح، يترك القرية ليعمل سائق شاحنة وليواجه صراعات كبيرة بين سائقي الشاحنات المطالبين بزيادة أجورهم من جهة، ورب العمل الجشع البخيل من جهة أخرى. شارك أيضاً في فيلم "الفهد" سيناريو وإخراج: نبيل المالح، وهو من أبرز أفلام السينما السورية، قدم فيه أداءً مميزاً بحرفية عالية، وجسّد دور الرجل الداعم للفلاح الذي يثور ضد الإقطاع والدرك. وفي فيلم "رجال تحت الشمس" الذي يحكي عن القضية الفلسطينية واستباحة الأرض وتهجير وبطولات الشعب الفلسطيني. وفيلم "المهد" الروائي التاريخي الطويل، إخراج: محمد ملص، تناول حقبة ما قبل الإسلام مسلطاً الضوء على مواجهة قبائل عربية لجيش (أبرهة الحبشي) والصراع بينهما.
برع الفنان الكبير خالد تاجا في الأعمال الدرامية التلفزيونية بأنواعها كافة، واشتُهر بتماهيه مع الدور، والحرص على تقديم أفضل ما لديه، بتلقائية مدهشة، أجاد بالأدوار التاريخية وقدم في مسلسل "التغريبة الفلسطينية" مع الراحل حاتم علي أداء عبقرياً لا يُنسى، نقل معاناة الشتات ومآسي الشعب الفلسطيني منذ الثلاثينات من القرن الماضي مروراً بالعديد من الأحداث الهامة حتى النكسة 1967، مجسّداً شخصية الفلاح الفلسطيني "صالح أبو أحمد" وتمسكه بأرضه ورفضه الخضوع للمحتل، وقد حصل عن هذا الدور على درع تكريمي وجائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون 2005. وفي مسلسل "الزير سالم" قدم أداء وُصف بالأسطوري، حيث جسّد شخصية "الحارث بن عباد" الرجل الحكيم والشيخ الوقور والفارس المهيب الذي يرفض الحرب والثأر، ثم يتحول إلى فارس يسعى للانتقام بعد مقتل ابنه على يد الزير سالم، ويُعتبر هذا الدور أحد أعمق وأقوى أدواره التاريخية وأكثرها ترسخاً في الوجدان العربي، قدمه بكاريزما عالية، وأداءٍ اعتُبر علامة فارقة في الدراما العربية.
نجح نجاحاً باهراً في تمثيل الشخصيات المركبة، وشخصيات الشر والقسوة، وأثار التعاطف والحزن في أدوار الطيبة والضعف، وأسعد المشاهدين في أدواره الكوميدية، وأقنعهم وخاطب عقولهم في الأدوار الاجتماعية، وسرق الأضواء في جميع الأعمال التي شارك بها بحضوره الطاغي وشغفه اللامحدود الذي بدأ مع مسلسل "خريف الأيام"، وانتهى مع "الزعيم" 2011. أعماله قاربت المائة عمل درامي، من أبرزها: ملوك الطوائف- صقر قريش- ربيع قرطبة- الفصول الأربعة- غزلان في غابة الذئاب- قاع المدينة- لعنة الطين- أيام شامية- يوميات مدير عام- نهاية رجل شجاع- زمن العار- أيام الولدنة وأخوة التراب. كان دائماً يقول: "أنا لا أحب أبداً الممثل النمطي. أنا انسان قبل كل شيء. لا أنتمي إلا للإنسان. أياً كان لونه أو عرقه".
على سفح قاسيون دُفن بمقبرة الزينبية، وقد فاته أن يشهد سقوط أعتى الأنظمة إجراماً وقمعاً في العصر الحديث كما كان يحلم دائماً، ولكن صوته ما زال يصدح في دمشق التي أحبها وحزن لحزن أهلها وفرح لفرحهم، وهو يقول: "نحنا خلينا نشتغل بالداخل. عدونا موجود بداخلنا. يجب أن لا نفكر بالانتماءات الحزبية. ليكن هم إنقاذ هذا الوطن الكبير الغني الهم الوحيد عند الجميع"


