سوريا - صحة
قانون يعاقب بالحبس على أفعال لم يُعرّفها: عن سوق التجميل في سوريا
بين دورات التجميل والممارسة الطبية أين تنتهي صلاحيات العاملين؟
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٩:٠٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
أكدت وزارة الصحة أن شهادات دورات التجميل لا تُخوّل مزاولة المهن الطبية، لكن لا تعميم الوزارة ولا القرار الذي نظم مهنة التجميل في سوريا عام 2024 حدّدا أي الإجراءات التجميلية تُعدّ عملاً طبيّاً، ولا ما يحقّ لمن يعمل داخل المراكز المرخّصة أن يفعله، في وقت يُعاقب فيه القانون بالحبس على مزاولة أعمال لم يُعرّفها.
في الرابع عشر من تشرين الأول، خرجت وزارة الصحة بتعميم يُؤكّد أنّ الدبلومات المهنية وشهادات الدورات التدريبيّة في التجميل والتغذية لا تُخوّل أصحابها مزاولة المهن الطبية أو الصحيّة، ولا افتتاح عيادات ومراكز تخصصية، مستندةً إلى المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 1970 وقانون العقوبات. بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنّ الوزارة تُنظّم قطاعاً بات يعجّ بالمراكز والعاملين.
غير أن هذا التعميم لم يُقدّم الإجابة الأكثر إلحاحاً؛ فهو يُحدّد من هو الممنوع، لكنه يسكت عن تحديد ماهية الممنوع نفسه. فهل تُعدّ جلسة النضارة بالإبرة عملاً طبيّاً؟ وهل إزالة الشعر بالليزر أو تقنيات حقن البشرة من الأفعال المحصورة بالأطباء، أم أنها في منطقة بلا تعريف تشريعي؟ الزبونة، والعاملة الحائرة في رزقها، والمراقب الميداني، جميعهم يتحركون بلا إجابة مكتوبة. وفي تقديري، اختارت الوزارة الطريق الأسهل: أن تُلاحق الشهادة بدل أن تعرّف الفعل.
وقد تحوّل التجميل خلال السنوات الأخيرة إلى سوقٍ واسعة، تعمل فيها مراكز بتراخيص جلديّة، وأخرى بتراخيص سنّية أو طبيّة عامّة لا تشمل التجميل أصلاً، إلى جانب صالونات تُقدّم خدمات شبه طبيّة، ومراكز داخل أندية رياضية خاصة.
وحين نعود إلى المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 1970، نجد أصل هذا الإبهام. فالمرسوم يُعرّف الطبيب بشهادته في مادّته الأولى، ويمنع مزاولة المهنة من دون ترخيص في مادته الثانية، لكنّه لا يُعرّف الأعمال الطبيّة بأفعالها، خلافاً لقوانين عربية قريبة منه زمنياً، كالقانون الليبي لعام 1957 والعُماني لعام 1973، اللذين عدّا من مزاولة الطب إبداء المشورة الطبية ووصف الأدوية وعلاج المريض بأي طريقةٍ كانت.
والمفارقة أنّ المرسوم الذي لا يُعرّف الفعل يُعاقب عليه بشدة. فالمادّة 49 تفرض الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، فضلاً عن الغرامة والإغلاق ومصادرة الأدوات، على كل من يُزاول " الأعمال المذكورة" في المرسوم من دون أن تتوفر فيه الشروط القانونية.
والمرسوم نفسه يمنح وزير الصحة أدوات لسدّ هذه الثغرة. فالمادة الثانية تنصّ على أنّ أعمال الفئات الفنيّة تُحدد بقرار من وزير الصحّة، والمادة 12 تحصر عمل الطبيب الاختصاصي في اختصاصه، وتُخوّل الوزير أن يُحدد بقرارٍ تنظيميّ الأعمال الفنية القريبة من اختصاصه التي يجوز له مزاولتها.
وتتفاقم هذه العشوائية حين نكتشف تضارب الجهات الرسمية؛ فبينما أُعلِن مطلع عام 2023 عن قرار لوزارة الصحة يحصر التجميل باختصاصات طبية محددة، يُوضّح رئيس قسم جراحة الفم والوجه والفكين في جامعة دمشق أن تدريب المقيمين في الاختصاص يشمل حقن البوتوكس والفيلر.
ويظهر هذا الخلل بأوضح صوره داخل المراكز المرخصة نفسها. فالترخيص يصدر باسم طبيب، لكن من يحقن الإبرة أو يمسك الجهاز قد يكون شخصاً آخر، كمجاز في التجميل لا يُحدد له القرار حدود عمله، أو طبيب لم يُنهِ اختصاصه بعد، أو صيدلاني، أو فنيّ أنهى دورة تدريبية لشهرين أو ثلاثة.
واللافت أن المشرع في عام 1970 واجه هذه المسألة في مهنة أخرى وحسمها؛ فقد ألزم طبيب الأسنان بممارسة مهنته في عيادته بنفسه، وأجاز له الاستعانة بعامل في صناعة الأسنان، شرط ألا يكون لهذا العامل أي اتصال بالمرضى أو المراجعين. أما في مراكز التجميل، فالواقع يُظهر أنّ المساعد قد يكون الوحيد الذي يلمس المريض.
ويزيد تسارع السوق من حدّة المشكلة؛ فالتنظيم القائم على الشهادة يفترض أنّ الأفعال ثابتة، لكن السوق تتغير باستمرار. وهذا ما تواجهه دول أخرى أيضاً، ففي تموز 2026 أصدرت وزارة الصحة العامة في قطر تعميماً يمنع حقن منتجات "الإكسوسوم" لأغراض علاجية أو تجميلية، بعد أن رصدت الترويج لها، وحصرتها بالاستخدام الخارجي فقط.
وتُظهِر تجارب دول عربية قريبة أن الحل لم يكن في المنع، بل في تصنيف الإجراءات بحسب طبيعتها وخطورتها. فلبنان يُخضع التجميل العادي منذ عام 1962 لإذن مزاولة من وزارة الصحة، بينما ينظّم قانون صدر عام 2017 مراكز التجميل الطبي، ويجيز لوزير الصحة أن يضيف إلى قائمة أعمالها ما يستجدّ من تقنيات.
هذا التعاطي الإداري الذي يكتفي بالمنع، من دون إطار بديل لمن لا يحمل شهادة جامعية، يغفل البعد الإنساني؛ فكثيرات من النساء وجدن في دورات التجميل مصدر رزق، وعندما تمنعهن التعاميم من هذا العمل، من دون توضيح المسموح والممنوع، يُدفَع النشاط نحو الخفاء، حيث تغيب الرقابة.
ولا يقف أثر هذا الغياب عند حدود الملاحقة الإدارية، بل يصل إلى المتضررين أنفسهم. فالقواعد العامة في المسؤولية المدنية تُتيح لمن أصابه ضرر أن يُطالب بالتعويض، لكن إثبات الخطأ يصعُب حين لا يوجد معيار مكتوب لما يتطلبه الإجراء، ولا سجل يوثق ما جرى، ولا تأمين مهني يُغطي من أجراه. فتتوزع المسؤولية بين مركزٍ لا تُعرف حدود ترخيصه، وجهة تنظيمية لم تحدد القواعد، وعامل لا يعرف المسموح من الممنوع في مجال عمله.
قد لا تحتاج الوزارة إلى أكثر من قرار واحد، يعرّف العمل الطبي في مجال التجميل، ويحدد من يباشره وتحت أي إشراف، فيعرف المجاز في التجميل، بعد أكثر من عامين على الاعتراف به، حدود ما يجوز له، ويعرف من يقصد مركز تجميل ما الذي يُحقن في جسده ومن يتولى ذلك. أما إن تأخر هذا القرار، فستبقى السوق أسبق من النص، وستبقى الرقابة تلاحق الشهادات وتترك الأفعال بلا تعريف.
في الرابع عشر من تشرين الأول، خرجت وزارة الصحة بتعميم يُؤكّد أنّ الدبلومات المهنية وشهادات الدورات التدريبيّة في التجميل والتغذية لا تُخوّل أصحابها مزاولة المهن الطبية أو الصحيّة، ولا افتتاح عيادات ومراكز تخصصية، مستندةً إلى المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 1970 وقانون العقوبات. بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنّ الوزارة تُنظّم قطاعاً بات يعجّ بالمراكز والعاملين.
غير أن هذا التعميم لم يُقدّم الإجابة الأكثر إلحاحاً؛ فهو يُحدّد من هو الممنوع، لكنه يسكت عن تحديد ماهية الممنوع نفسه. فهل تُعدّ جلسة النضارة بالإبرة عملاً طبيّاً؟ وهل إزالة الشعر بالليزر أو تقنيات حقن البشرة من الأفعال المحصورة بالأطباء، أم أنها في منطقة بلا تعريف تشريعي؟ الزبونة، والعاملة الحائرة في رزقها، والمراقب الميداني، جميعهم يتحركون بلا إجابة مكتوبة. وفي تقديري، اختارت الوزارة الطريق الأسهل: أن تُلاحق الشهادة بدل أن تعرّف الفعل.
وقد تحوّل التجميل خلال السنوات الأخيرة إلى سوقٍ واسعة، تعمل فيها مراكز بتراخيص جلديّة، وأخرى بتراخيص سنّية أو طبيّة عامّة لا تشمل التجميل أصلاً، إلى جانب صالونات تُقدّم خدمات شبه طبيّة، ومراكز داخل أندية رياضية خاصة.
ويتطور مجال عمل هذه السوق ومنتجاتها أسرع من تطور القواعد الناظمة لعملها؛ فتتوالى المنتجات الجديدة من إبر وغيرها، وتُسوّق على وسائل التواصل الاجتماعي أحياناً باسم نجمة أو بوعد بنضارة فورية. تدخّل الوزارة جاء غالباً على شكل حملات إغلاق وتعاميم تنظيمية، لملاحقة ما يخرج عن الترخيص، دون أن تُحدد أصلاً ما الذي يحتاج إلى ترخيص في هذه السوق التي تتجدد بشكل متسارع.
وحين نعود إلى المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 1970، نجد أصل هذا الإبهام. فالمرسوم يُعرّف الطبيب بشهادته في مادّته الأولى، ويمنع مزاولة المهنة من دون ترخيص في مادته الثانية، لكنّه لا يُعرّف الأعمال الطبيّة بأفعالها، خلافاً لقوانين عربية قريبة منه زمنياً، كالقانون الليبي لعام 1957 والعُماني لعام 1973، اللذين عدّا من مزاولة الطب إبداء المشورة الطبية ووصف الأدوية وعلاج المريض بأي طريقةٍ كانت.
وما حدده المرسوم من أفعال قليل ومتفرق؛ فالمادة 15 تحصر بالأطباء القثطرة والبزل والبضع والخزع والبتر بقصد الحصول على مادة للفحص أو التحاليل، والمادة 47 تمنع القابلة من ممارسة أي عمل طبي إلا ما يسمح به الطبيب "من حقن ومصولات" وهي إشارة ضمنية إلى أن الحقن عمل طبي، لم يصغها المرسوم قاعدة عامة.
أما ما يحق لكل طبيب اختصاصي أن يفعله، فتركه المرسوم لقرارات تنظيمية تربط الأعمال باختصاصات الأطباء، منها قرار صدر في العام نفسه.
والمفارقة أنّ المرسوم الذي لا يُعرّف الفعل يُعاقب عليه بشدة. فالمادّة 49 تفرض الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، فضلاً عن الغرامة والإغلاق ومصادرة الأدوات، على كل من يُزاول " الأعمال المذكورة" في المرسوم من دون أن تتوفر فيه الشروط القانونية.
العقوبة مقيدة للحرية، والفعل غير مُعرّف. والنتيجة تأرجح بين تجريم مفرط يتحول فيه أي إجراء إلى "مزاولة طب" تبعاً لتقدير الجهة الرقابية، وإفلات من العقوبة الجزائية يُكتفى فيه بالإغلاق، ولا تتوفر إحصاءات منشورة عن عدد الحالات التي وصلت إلى القضاء.
وقد أقرّ واضعو المرسوم في أسبابه الموجبة بأنّ العقوبات السابقة لم تكن رادعة، وأنّ المخالفين كانوا يكررون أفعالهم لأن العقوبات كانت طفيفة؛ لكنّ التضخم جعل الغرامات رمزية، وبقي الحبس مُعلّقاً على تكييف لم يحسمه القانون.
والمرسوم نفسه يمنح وزير الصحة أدوات لسدّ هذه الثغرة. فالمادة الثانية تنصّ على أنّ أعمال الفئات الفنيّة تُحدد بقرار من وزير الصحّة، والمادة 12 تحصر عمل الطبيب الاختصاصي في اختصاصه، وتُخوّل الوزير أن يُحدد بقرارٍ تنظيميّ الأعمال الفنية القريبة من اختصاصه التي يجوز له مزاولتها.
وقد تحركت الوزارة في هذا الاتجاه، حين صدر القرار التنظيمي رقم 3/ت لعام 2024 لتنظيم مزاولة مهنة التجميل. عرّف القرار "المجاز في التجميل" بأنّه حامل شهادة جامعية في هذا الاختصاص، ومنع الخريجين من فتح عيادات أو مراكز، وأجاز لهم العمل فقط في العيادات والمراكز والمشافي كفني مساعد تحت إشراف طبيبٍ اختصاصيّ في الأمراض الجلدية أو الجراحة التجميلية والترميمية، وأحال من يُزاول المهنة خلافاً لأحكامه إلى عقوبات المواد 49 و52 و53 من المرسوم.
غير أنّ القرار، كالمرسوم الذي سبقه بأكثر من نصف قرن، عرّف من يُمارس المهنة ولم يُعرّف المهنة نفسها؛ فلا يذكر إجراءً واحداً يحقّ للمجاز أن يقوم به، ولا إجراءً يقتصر على الطبيب المشرف. فصار في سوريا مهنة تجميل مُعترف بها، يُعاقب من يزاولها دون ترخيص بالحبس، ولا يجد أصحابها المرخصون في النص حدود عملهم.
ويبقى سؤال قانوني مفتوح: هل يملك قرار تنظيمي أن يمدّ عقوبة الحبس الواردة في مرسومٍ تشريعي إلى مهنةٍ لم يذكرها المرسوم باسمها؟
وتتفاقم هذه العشوائية حين نكتشف تضارب الجهات الرسمية؛ فبينما أُعلِن مطلع عام 2023 عن قرار لوزارة الصحة يحصر التجميل باختصاصات طبية محددة، يُوضّح رئيس قسم جراحة الفم والوجه والفكين في جامعة دمشق أن تدريب المقيمين في الاختصاص يشمل حقن البوتوكس والفيلر.
وصرّح مدير الشؤون الصحيّة في محافظة دمشق في العام نفسه بأنّ العاملين في مراكز التجميل المرخّصة لا يُشتَرَط أن يكونوا جميعاً أطباء، لأنّ ثمّة أعمالاً يمكن أن يقوم بها غير الأطباء كمساعد الصيدلي، من دون أن يُحدد هذه الأعمال. هكذا نجد أنفسنا أمام جهات رسمية تقدم إجابات مختلفة لعملٍ واحد، ولم يأت التعميم الأخير بما يرفع هذا التضارب.
ويظهر هذا الخلل بأوضح صوره داخل المراكز المرخصة نفسها. فالترخيص يصدر باسم طبيب، لكن من يحقن الإبرة أو يمسك الجهاز قد يكون شخصاً آخر، كمجاز في التجميل لا يُحدد له القرار حدود عمله، أو طبيب لم يُنهِ اختصاصه بعد، أو صيدلاني، أو فنيّ أنهى دورة تدريبية لشهرين أو ثلاثة.
ولا يسأل القانون أيّاً منهم عمّا يفعله، بل عن الشهادة التي يحملها. فالطبيب المُقيم يُعدّ ممارساً لغير اختصاصه، وقد تُعالَج مخالفته مسلكيّاً بغرامة أو منع مؤقت من المزاولة؛ والصيدلاني الممارس يحظر عليه المرسوم الأعمال الطبية، ويعاقبه بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة أو بالغرامة؛ أما الفني فيحيله القرار 3/ت نفسه إلى المادة 49 وحبسه من سنة إلى ثلاث سنوات. الإبرة واحدة والعقوبة تتدرج بحسب المؤهل لا بحسب الخطر.
واللافت أن المشرع في عام 1970 واجه هذه المسألة في مهنة أخرى وحسمها؛ فقد ألزم طبيب الأسنان بممارسة مهنته في عيادته بنفسه، وأجاز له الاستعانة بعامل في صناعة الأسنان، شرط ألا يكون لهذا العامل أي اتصال بالمرضى أو المراجعين. أما في مراكز التجميل، فالواقع يُظهر أنّ المساعد قد يكون الوحيد الذي يلمس المريض.
ويزيد تسارع السوق من حدّة المشكلة؛ فالتنظيم القائم على الشهادة يفترض أنّ الأفعال ثابتة، لكن السوق تتغير باستمرار. وهذا ما تواجهه دول أخرى أيضاً، ففي تموز 2026 أصدرت وزارة الصحة العامة في قطر تعميماً يمنع حقن منتجات "الإكسوسوم" لأغراض علاجية أو تجميلية، بعد أن رصدت الترويج لها، وحصرتها بالاستخدام الخارجي فقط.
جاء الجواب هناك من باب المنتَج لا من باب الشهادة، فحدد ماهية المادة ومدى جواز حقنها أصلاً. وفي سوريا، أصدرت وزارة الصحة في آذار 2026 أسساً لتسجيل المنتجات الطبية والصيدلانية الأجنبية، لكنّ السؤال يبقى معلقاً أمام الزبون الذي يتلقى "الإبرة الجديدة": هل هي مسجلة؟ وهل تُعد دواءً أم مستحضر تجميل؟
وتُظهِر تجارب دول عربية قريبة أن الحل لم يكن في المنع، بل في تصنيف الإجراءات بحسب طبيعتها وخطورتها. فلبنان يُخضع التجميل العادي منذ عام 1962 لإذن مزاولة من وزارة الصحة، بينما ينظّم قانون صدر عام 2017 مراكز التجميل الطبي، ويجيز لوزير الصحة أن يضيف إلى قائمة أعمالها ما يستجدّ من تقنيات.
أما في سوريا، فتعمل الصالونات بوصفها حِرفاً خدمية تنتسب إلى جمعيات حرفية، وتُرخَّص المراكز الطبية من وزارة الصحة، من دون نص معلَن يرسم الحد بينهما. وفي الكويت، اعتمد قرار وزاري صدر في أواخر الصيف الماضي قوائم محدّثة للتدخلات التجميلية المسموحة لكل اختصاص، وفي الأردن يمنع نظام صدر عام 2025 تقنيي التجميل صراحةً من استخدام أجهزة الحقن. وما يجمع هذه التجارب أن التنظيم يبدأ من الإجراء، لا من الشهادة أو المكان.
هذا التعاطي الإداري الذي يكتفي بالمنع، من دون إطار بديل لمن لا يحمل شهادة جامعية، يغفل البعد الإنساني؛ فكثيرات من النساء وجدن في دورات التجميل مصدر رزق، وعندما تمنعهن التعاميم من هذا العمل، من دون توضيح المسموح والممنوع، يُدفَع النشاط نحو الخفاء، حيث تغيب الرقابة.
ولا يقف أثر هذا الغياب عند حدود الملاحقة الإدارية، بل يصل إلى المتضررين أنفسهم. فالقواعد العامة في المسؤولية المدنية تُتيح لمن أصابه ضرر أن يُطالب بالتعويض، لكن إثبات الخطأ يصعُب حين لا يوجد معيار مكتوب لما يتطلبه الإجراء، ولا سجل يوثق ما جرى، ولا تأمين مهني يُغطي من أجراه. فتتوزع المسؤولية بين مركزٍ لا تُعرف حدود ترخيصه، وجهة تنظيمية لم تحدد القواعد، وعامل لا يعرف المسموح من الممنوع في مجال عمله.
قد لا تحتاج الوزارة إلى أكثر من قرار واحد، يعرّف العمل الطبي في مجال التجميل، ويحدد من يباشره وتحت أي إشراف، فيعرف المجاز في التجميل، بعد أكثر من عامين على الاعتراف به، حدود ما يجوز له، ويعرف من يقصد مركز تجميل ما الذي يُحقن في جسده ومن يتولى ذلك. أما إن تأخر هذا القرار، فستبقى السوق أسبق من النص، وستبقى الرقابة تلاحق الشهادات وتترك الأفعال بلا تعريف.


