سوريا - اقتصاد
درعا تبشّر بوفرة في إنتاج ما افتقده العالم .. القمح السوري بخصوصيته الفريدة
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٥ يونيو ٢٠٢٦، ١٢:١١
3 دقيقة

لا يبدو موسم القمح في درعا موسماً تقليدياً. فثمة ميزات نسبية – بل مطلقة – للقمح المنتج في أراضي محافظة معروفة بخصوبة أرضها، وتربتها البركانية التي لا تحتاج أسمدة كيماوية ولا مبيدات، ما يتكفّل بإنتاج أصنافاً باتت نادرة في هذا العالم " القمح السوري القاسي الخالي من الأثر الكيماوي المتبقي".
ففي محافظة عرفت تاريخياً بأنها واحدة من أهم خزانات القمح في سوريا لا يبدو المشهد اليوم مجرد حصاد لمحصول زراعي بل استعادة لجزء من الثقة بالأرض التي عادت تمنح أهلها ما راهنوا عليه منذ أولى زخات المطر. وبين الحقول الممتدة في أرجاء حوران يتجدد الحديث عن موسم مختلف، موسمٍ تتقدم فيه الأرض بخطى أكثر ثباتاً ويستعيد فيه القمح شيئاً من حضوره الذي ارتبط على الدوام باسم درعا وخصوبة تربتها ومكانتها الزراعية العريقة.

في بلدة انخل يقف المزارع فيصل يعقوب الناصر أمام حقوله المزروعة بالقمح مستبشراً بحصاد ذهبٍ وفير، متابعاً تفاصيل الحصاد في نحو ستة وتسعين دونماً من الأراضي التي أمضى أشهراً طويلة في رعايتها. ويقول لـ"العين السورية": إن الموسم الحالي يختلف بوضوح عن الموسم الماضي ليس فقط من حيث كمية الإنتاج بل من حيث الحالة العامة للمحصول، إذ بدت السنابل أكثر امتلاءً والنبات أكثر قوة واستقراراً وهو ما انعكس بصورة مباشرة على المردود المتوقع لهذا العام.
ولا يخفي الناصر قلقه من استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة والبذار والمحروقات ، مؤكداً أن الفلاح يحتاج اليوم إلى دعم أكبر يوازي حجم الجهد الذي يبذله وإلى تسعيرة عادلة للقمح تضمن له الاستمرار في الإنتاج، خاصة أن الزراعة لم تعد تعتمد على جهد الفلاح وحده بل أصبحت مرتبطة بكلف مرتفعة تتزايد عاماً بعد آخر.
ومن بلدة محجة يأخذنا عبد الرزاق المجاريش إلى زاوية أخرى من الحكاية زاوية أكثر التصاقاً بالتربة حين يقول إن القمح في درعا ليس مجرد محصول بل ثروة وطنية حقيقية ارتبطت على مدى عقود بحياة الناس ومعيشتهم واستقرارهم الاقتصادي ، وأن الموسم الحالي رغم تأخر أمطاره إلا أنه أفضل من سابقه بشكل واضح لأن التجربة الطويلة علمت الفلاحين أن سر القمح لا يكمن في الكمية فقط بل في توقيت المطر، خصوصاً في كانون الأول وكانون الثاني حيث يُبنى الموسم أو يُكسر وإذا غاب المطر في تلك المرحلة فإن الزراعة كلها تدخل في منطقة ضعف أما إذا حضر في وقته فإن الأرض تستعيد قدرتها على الإنتاج.
خصوصية القمح الحوراني
ويذهب المجاريش أبعد من ذلك وهو يتحدث عن القمح الحوراني الذي يصفه بخصائص مختلفة عن غيره ، حبة قاسية وثقيلة على الميزان تنتمي إلى تربة بركانية تمنحه تميزاً لا يشبه باقي المناطق وكأن في الأرض نفسها سراً إضافياً يجعل إنتاج حوران مختلفاً في طعمه ووزنه وحتى في قيمته وهو يربط ذلك بخبرة تراكمت عبر سنوات طويلة جعلت الفلاحين يدركون أن هذه الخصوصية ليست صدفة بل نتيجة طبيعة أرضٍ لا تتكرر كثيراً.
ويضيف أن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب دعماً أكبر للفلاحين من خلال تأمين مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب وتخفيف الأعباء المالية عنهم لأن المحافظة على جودة القمح القاسي واستمرار إنتاجه بالمواصفات المعروفة يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الفلاح والجهات المعنية بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.
وفي تل شهاب يختصر الفلاح أكرم العميان المشهد بلغة أبسط لكنها لا تقل عمقاً إذ يرى أن المطر هذا العام أعاد الروح للأرض بعد مواسم صعبة وأن الفلاح مهما حاول أن يواكب التكاليف يبقى بحاجة إلى دعم حقيقي في الأسمدة والبذار والمحروقات لأن الزراعة في النهاية ليست جهداً فردياً بل منظومة كاملة إذا اختل أحد أطرافها انعكس ذلك على الجميع من المزارع إلى المستهلك.
وبينما يقرأ الفلاحون الموسم من شكل السنابل وثقل الحبوب في البيادر تأتي القراءة الفنية لتؤكد أن ما شهدته الحقول هذا العام لم يكن مجرد انطباعات شخصية بل نتائج انعكست بوضوح على مؤشرات الإنتاج في مختلف مناطق المحافظة.
إنتاج أكثر وأمراض أقل
ويوضح المهندس فؤاد أحمد حريري رئيس اتحاد الفلاحين في محافظة درعا أن الموسم الحالي من المواسم المبشرة التي شهدت تحسناً ملحوظاً في الإنتاجية نتيجة الظروف المناخية الملائمة والهطولات المطرية التي انعكست بشكل مباشر على نمو القمح في مختلف مراحله وأسهمت في تحسين امتلاء الحبة ورفع جودة السنابل في عدد كبير من الحقول.

وأشار الحريري إلى أن الموسم تميز أيضاً باستقرار جيد على صعيد الآفات الزراعية حيث بقيت إصابات حشرة السونة محدودة للغاية ولم تؤثر بشكل ملموس على الإنتاج أو جودة المحصول ، الأمر الذي ساهم في الحفاظ على مستويات جيدة من الإنتاجية وخفف من الخسائر التي كانت تسجل في بعض المواسم السابقة.
وأكد الحريري أن المؤشرات الإيجابية للموسم يجب أن تترافق مع زيادة الدعم المقدم للقطاع الزراعي سواء من خلال توفير البذار والأسمدة والمحروقات أو من خلال تعزيز البرامج المخصصة لدعم الفلاحين لأن استدامة الإنتاج وتحقيق نتائج أفضل في المواسم المقبلة يتطلبان بيئة إنتاج مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية.
ميزات تستوجب الدعم
وشدد الحريري على أن القمح القاسي الذي تشتهر به محافظة درعا يمثل إحدى أهم الميزات الزراعية في المنطقة لما يتمتع به من جودة عالية وصلابة في الحبة وارتفاع في الوزن النوعي ما يجعله من أهم الأصناف المستخدمة في الطحن والصناعات الغذائية. ورأى أن الحفاظ على هذه الميزة النوعية يتطلب دعماً مباشراً للفلاحين لأنهم يشكلون الركيزة الأساسية لاستمرار هذا الإنتاج والحفاظ على مكانة القمح الحوراني كأحد أبرز المنتجات الزراعية السورية.
التقنية على خط التسويق
من جانبه أكد مدير الزراعة في محافظة درعا المهندس عاهد الزعبي أن أعمال الحصاد انطلقت في مختلف مناطق المحافظة وسط توقعات بموسم إنتاج وفير، موضحاً أن المساحات المزروعة بالقمح بلغت نحو 10,584 هكتاراً مروياً وحوالي 70 ألف هكتار بعلياً فيما تشير التقديرات الأولية إلى إنتاج يتراوح بين 100 ألف و200 ألف طن.

وأضاف أن الكميات المسوقة إلى مراكز الاستلام بلغت حتى الآن نحو 7,383 طناً من القمح في حين بلغت المساحات المزروعة بمحصول الشعير نحو 35 ألف هكتار مع توقعات بإنتاج يصل إلى 40 ألف طن الأمر الذي يعكس تحسناً عاماً في واقع المحاصيل الحقلية لهذا الموسم.
وأوضح الزعبي أن عمليات التسويق تتم عبر منصة إلكترونية تهدف إلى تنظيم عمليات الاستلام وضمان حقوق الفلاحين إلى جانب التسهيلات المقدمة عبر الوحدات الإرشادية والجمعيات الفلاحية، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتسهيل عملية تسويق المحصول.
كما أشار إلى استمرار برامج الدعم الزراعي حيث استفاد نحو 240 مزارعاً من القروض الحسنة التي تضمنت تأمين البذار والأسمدة على مساحة تجاوزت 1265 هكتاراً في خطوة تهدف إلى دعم العملية الإنتاجية وتخفيف جزء من الأعباء التي يتحملها الفلاحون.
وهكذا بين صوت الفلاح الذي يقرأ المطر من رائحة الأرض وتفاصيل الحبة قبل أن تكتمل، وصوت المسؤول الذي يقرأ الموسم من الأرقام والجداول واتساع المساحات، ومؤشرات الإنتاج تتشكل صورة موسم واحد في درعا، لا يبدو مثالياً بالكامل لكنه أقرب إلى مسار تعافٍ تدريجي يعيد للقمح مكانه في حوران، ويعيد للقطاع الزراعي شيئاً من توازنه، مؤكداً أن استمرارية الإنتاج تبقى رهناً بتكامل الجهد بين الأرض والفلاح والدعم المؤسسي وأن الأرض حين تُسقى في وقتها لا تخذل من يزرعها ولا من ينتظر خيرها.


