سوريا - اقتصاد
السوريون يتكيفون مع هشاشة اقتصادهم.. دفاتر ذمم مؤجلة
خ
خاص – العين السورية
نشر في: ٧ أبريل ٢٠٢٦، ١٣:١٥عدل في: ٧ أبريل ٢٠٢٦، ١٣:١٥
3 دقيقة
0

على واجهة أحد المحال الصغيرة في أحد أحياء مدينة إدلب عُلقت لوحة لتظهر بوضوح عليها عبارة: "الدين ممنوع والعتب مرفوع"، بينما يجلس أبو بكر صاحب المحل خلف طاولته قرب صندوق الحساب، يقلب دفتر الديون والذي يبدو أن قسماً من أوراقه مهترئ من كثرة الاستعمال، وأسماء كثيرة ما زالت معلقة فيه منذ أشهر، وبعضها منذ سنوات.
ويقول أبو بكر إن العبارة المعلقة على واجهة متجره هي أقرب لنكتة مرة يعرفها كل من يدخل المحل. فالحقيقة، كما يشرح، أن البيع بالدين ليس خياراً شخصياً، بل هو جزء من طريقة عمله اليومية.
ويضيف خلال حديثه لـ"العين السورية"، أن دفتر الدين موجود عنده، كما هو موجود عند بائع الخضار، وبائع اللحوم، مؤكداً أن "البائع بدون دفتر دين ما بيشتغل".
هذا المشهد ليس استثناء بل قاعدة شبه ثابتة لاسيما مع اتساع الفجوة بين الرواتب والأسعار، باتت "الدكانة" في كثير من المناطق تؤدي دوراً يتجاوز بيع السلع، لتصبح مساحة لتعويض غياب النقد، ومتنفساً لعائلات لم تعد قادرة على شراء احتياجاتها الأساسية بشكل يومي.
سجل المعيشة المؤجلة
يروي أبو بكر أن الزبائن الذين يشترون بالدين ليسوا فئة واحدة، بل على أنماط عدة فمنهم الموظفون أو أصحاب الدخل الثابت المحدود الذين يسددون حسابهم غالباً مرة كل شهر، وما إن تمر أيام قليلة على استلام الراتب حتى يعودوا لفتح حساب جديد.
وبحسب ما يصف الرجل هم "زبائن ممتازون"، لأنهم ملتزمون قدر الإمكان، حتى لو كانت قدرتهم على السداد مؤقتة ومحدودة.
وهناك الذين يستدينون بلا موعد واضح للسداد، ويقول أبو بكر وهو يقلب صفحات دفتره "في ناس ما معها تدفع.. بيشتغلوا، بيجيهن مبلغ، بيسددوا شوي، وبعدها بيرجعوا بيدينوا"، لافتاً أن بعض الديون تضيع نهائياً، ليس بسبب سوء نية بالضرورة، بل لأن أصحابها غير قادرين على السداد.
سداد الديون
كان العم محمد باشا (56 عاما) يعتمد خلال الفترة الماضية على حوالة شهرية يرسلها له شقيقه المغترب، ويقول إنها كانت المبلغ الذي ينتظره كل شهر ليسدد ما تراكم عليه لدكان الحارة وبائع الخضار وغيرهما من أصحاب المحال.
بالنسبة لمحمد وكمثله العشرات، لم تكن الحوالة ترفاً، بل دفعة جيدة تُوزع لسداد الديون الصغيرة المتراكمة، في محاولة لإغلاق بعض الحسابات بشكل مؤقت.
إلا أنه وبعد سقوط النظام عاد شقيق محمد وانقطعت الحوالة، ويقول العم لـ"العين السورية"، إنه بات يعيش في حلقة مفرغة من تراكم الديون التي لا يعرف كيف سيتمكن من سدادها، في وقت لا يزال مضطر للشراء بالدين لأنه لا يملك بديلاً. أحصل على مبلغ من عمل مؤقت أحيانا، يسد جزءاً مما علي" قال العم.
الدفع الأجل..آلية تكيف
الظاهرة في بُعدها الأعمق.. تتعدى بالتأكيد علاقة دائن ومدين بين "دكانة ودفتر وزبون "، فالخبير الاقتصادي فراس شعبو يرى أنها – كظاهرة يوميّة ومألوفة - تحمل في جوهرها مؤشرات أعمق بكثير من مجرد "شراء بالأجل".
ويوضح شعبو خلال حديثه لـ "العين السورية"، إن الاستدانة من الجيران والأقارب أو الشراء بالدين من دكاكين الأحياء لم تعد سلوكاً هامشياً، بل تحولت إلى آلية تكيّف يومية لدى شريحة واسعة من السكان، موضحاً أن السبب الأساسي يعود إلى اختلالات واضحة في الاقتصاد المحلي، والفجوة الكبيرة بين مستويات الدخل والأسعار.
هشاشة شبكات الأمان الاجتماعي
ويشير إلى أن الراتب لم يعد قادراً على تغطية الإنفاق حتى نهاية الشهر، إلا إذا كان أكثر من فرد في الأسرة يعمل، وهو ما يجعل الاعتماد على "الأجل" أو الاقتراض من المحيط الاجتماعي وسيلة شبه إلزامية لتأمين الاحتياجات الأساسية.
ويضيف أن اتساع هذه الظاهرة يرتبط أيضاً بهشاشة شبكات الأمان الاجتماعي، سواء تلك المرتبطة بدور الدولة أو بالدور المجتمعي، موضحاً أن هذه الشبكات تراجعت أو اختفت إلى حد كبير، مع تقلص الدعم والمساعدات، وعدم وجود أدوات تمويل صغيرة تساعد الأسر الضعيفة على تجاوز أزماتها المعيشية.
المحال الصغيرة
وبحسب شعبو، فإن الاقتصاد السوري بات يعتمد بدرجة كبيرة على القطاع غير الرسمي، الذي يشكل، وفق تقديرات غير رسمية، ما بين 70 و80 بالمئة من النشاط الاقتصادي، من محال صغيرة وبسطات ومشاريع محدودة.
هذا الواقع، كما يوضح شعبو جعل جزءاً كبيراً من الأسر يعيش ويتكيف من خلال علاقات الدين والاستدانة اليومية، سواء عبر الشراء بالأجل أو عبر الاقتراض المباشر من الجيران والأقارب.
دكاكين التيسير الرشيق
ويرى أن ما يجري اليوم يتجاوز فكرة التضامن التقليدي، ويعكس في الحقيقة وظيفة تعويضية تؤديها الدكاكين الصغيرة والعلاقات الاجتماعية في غياب أدوات تمويل وحماية أكثر استقراراً وعدالة. فصاحب المتجر، يعرف مسبقاً أن سكان المنطقة لا يملكون قدرة كافية على الشراء نقداً، فيضطر للبيع بالدين حفاظاً على استمرارية الحركة التجارية، فيما يضطر الناس للشراء بهذه الطريقة لأن البديل هو عدم القدرة على تأمين الطعام أو الأساسيات.
ويحذر شعبو من أن هذه "المرونة" لا تمر من دون كلفة بالكثير من أصحاب المتاجر يتعرضون بعد فترة إلى التعثر بسبب عدم قدرة بعض الزبائن على السداد، أو ضياع جزء من الديون نهائياً، ما يعني عملياً تجميد جزء من رأس المال الذي كان يمكن أن يستخدم في تطوير المشروع أو حتى في حماية استمراره.


