
يُعرّفون اللون الخاكي بأنه مزيج بين البني والأخضر، يعكس الدفء والاستقرار والارتباط بالطبيعة، لكنه عند السوريين يعني الارتباط بالبدلة العسكرية أيام المراحل الأخيرة من المدرسة وبالتدريب على استخدام السلاح والرمي في دروس "الفتوّة" رغماً عن الطالب والطالبة، ويعني أيضاً لباس جيش النظام البائد الذي حاصر المدن وقتل ودمّر وارتكب الانتهاكات الجسيمة، ولباس رجال الأمن الذين يتباهون به، وبالتالي هو رمز للاستبداد والخوف، بينما هو في كل أنحاء العالم لون للأزياء العسكرية وللجيش الذي يحمي بلاده وأهلها، وهذا ما تناوله الفيلم الوثائقي الطويل "ذاكرة باللون الخاكي: للمخرج: الفوز طنجور والذي أُنتج عام 2016، وعُرض في ختام مهرجان "أفلام الثورة السورية" في دار الأوبرا بدمشق.
استغرق إنجازه أكثر من ثلاث سنوات، واعتمد جزئياً على مواد صورها المخرج داخل سوريا في فترات مختلفة قبل مغادرتها، ما منح العمل طابعاً حسياً حياً تجاوز الطرح النظري إلى استعادة التجربة من داخلها.
جال العديد من المهرجانات السينمائية في العالم، وفاز بجائزة "ريشة كرامة" لأفضل فيلم وثائقي في عمّان بالأردن، وجائزة عُمدة المدينة في مهرجان "ياماغاتا العالمي للسينما التسجيلية" في اليابان، وأفضل إخراج عن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة في مهرجان "مالمو" للسينما العربية بالسويد.
بدأ الفيلم بلقطة سينمائية معبرة لطالب تحت المطر يلبس بدلته الخاكي المدرسية ويقف صامتاً حزيناً، ثم يسمع المشاهد صوت رصاص مخيف ويرى قطرات المطر وقد تحولت إلى اللون الأحمر.
بنبرة هادئة بعيدة عن الخطابة والميلودراما والشعارات الرنانة المباشرة، قدّم العمل مقاربة إنسانية للذاكرة بوصفها مساحة تقاوم النسيان، وركّز على العوالم الداخلية والإنسانية لأبطاله المتحدثين بما فيهم المخرج نفسه الذي قال بأنه وُلد في زمن الخاكي بمدينة السلمية بريف حماه، وكان والده مهتماً بالسياسة، وقد هرب منذ صغره للسينما وقصص تشيخوف وتولستوي وزوبا وماركيز من زمن الخاكي، وتحدث عن مجازر حماه التي دفعته لدراسة السينما والبحث عن الحقيقة: "كنتُ مثل أولاد سوريا. أخاف أن ألفظ كلمة حماه التي دٌمرت وقُتل أهلها. كنا نزورها ونحن صغاراً. وكان صوت نواعيرها يشبه الأنين. لأنه كان شاهداً على المجزرة". كما توقف مطولاً أمام لجوئه للنمسا مع عائلته بعد قيام الثورة السورية، وعودته الدائمة لذاكرته التي تركها أمام منزله، وأشار في التعليق إلى أيام الدراسة والقمع وترديد شعارات النظام الديكتاتوري، وعاد بالذاكرة إلى أيام إذاعة دمشق والنشرة الجوية ومعسكرات الشبيبة وصورة القائد الخالد ورائحة الخراب المنتشرة منذ عقود، وكانت الصور التي يتذكرها هشّة ومعطوبة ومصبوغة كلها باللون الخاكي لون القهر والخوف.
ضم الفيلم شهادات للكاتب السوري إبراهيم صموئيل المعتقل السابق والمعارض لنظام الأسدين الأب والابن، أكد خلالها أن درجة الحب بينه وبين دمشق قوية جداً، لا يستطيع أن يخرج منها رغم سفره ولجوئه إلى أوربا: "دمي مركب من حجارات البلد ودكاكينه والجيران وصباح الخير يا جار وشجرة التوت والعنب. دمشق تتمزق. وكلانا نتدمر". وتحدث عن الهلع الذي يعيش بقلب كل سوري، وعن محاولاته الدائمة لتلوين حياته بمجموعة من الألوان وليس بلون الخاكي الوحيد المفروض على حياة السوريين.
بينما أشار خالد الخاني الذي اعتقل النظام والده وقلع عينيه في شهادته إلى أن هذا اللون: "يغطي الاتساخ. لكن لا أقبله ولا يقبله الآخرين". متحدثاً عما تعرض له من صعوبات وملاحقات أمنية وظهر في مشاهد يرسم لوحات بألوان الدم.
أما السيدة أماثل ياغي وهي خالة المخرج فقد روت في شهادتها تجربة تخفيها عن عيون النظام لعدة سنوات بسبب انتمائها لحزب معارض، وعن اضطرارها للبعد عن أمها وعائلتها، وعن البنية القمعية والشمولية لنظام الأسد وتصفيته لمعارضيه، واللجوء والغربة والذكريات الموجعة.
و في شهادته تحدث شادي أبو الفخر عن مشاركته في الثورة السورية منذ بدايتها، وعن اعتقاله لثلاث مرات، ثم مغادرته سوريا إلى باريس، ليعمل على مشروع يدعم الثورة، وعلى أفلام وثائقية، كما أشار إلى فترة الثمانينات والأحداث الدامية التي جرت فيها، وقال: "السوريون ظُلموا وعندما حدثت الثورة في مصر. أصبح الأمل موجوداً. اليوم لا يمكن أن يعود الناس إلى الوراء لأنهم ذاقوا طعم الحرية".
ضم الفيلم أيضاً شهادة لمحمد السلوم تحدث خلالها عن التدجين و محاولات النظام للقضاء على أي حراك من أجل التغيير، و القمع الذي يبدأ من المدرسة: "هم لم يحاربوا. كنا نلبس الخاكي لنحارب أنفسنا أو لنقتل شعباً عربياً آخر".
بُني العمل الوثائقي على مسألة اللون ودلالاته، واتخذ مساراً بصرياً للتركيز على أوضاع سوريا الخاضعة لحكم استبدادي منذ عقود، ولتفكيك ذاكرة محمّلة بصور الدم والموت اليومي والعذاب. انطلق من تاريخ مليء بالقهر والدمار – فترة الثمانينات – وصولاً للثورة والحراك السلمي الذي حوّله الأسد المخلوع إلى حرب إبادة للشعب وتدمير للبلد.
الفيلم قراءة بصرية لتاريخ حياة السوريين، مزج بين الذاتي والعام، وركّز على خنق الناس في لون واحد يرمز لجبروت الحاكم واستباحته للبلاد والعباد، وهو من الأعمال الوثائقية القليلة التي تنبش في أعماق أبطالها ووجدانهم، في بناء سردي متماسك رافقته صور سينمائية أشبه باللوحات الفنية التشكيلية البديعة، وبعض المشاهد من الأرشيف. وقد ظهرت فيه لقطات لدمشق والحارات القديمة العتيقة والأحياء المدمرة ومشاهد من المظاهرات السلمية وحركة الناس في الشوارع وأمام الأفران، يسيطر عليهم الخوف والتعب والبحث عن طوق نجاة. اختلطت اللقطات السينمائية بالرواية الشعرية والموسيقا في صوت الراوي الفوز طنجور الهادئ الذي يُعبر عن مرارة الألم وقسوة الغربة والغضب. وكانت الموسيقا بطلاً أساسياً منذ بداية الفيلم حتى نهايته، مرتبطة بالحدث ومؤثرة جداً، تبث الحزن والنحيب والخوف والرهبة والأمل بالحرية في آن معاً. كان العمل الوثائقي "ذاكرة باللون الخاكي: شهادة ملونة اعتمدت لغة السينما لمقاربة أهوال فردية وعامة عاشها السوريون على مدى عقود وهم يسعون للخلاص والعيش في عالم ملون يتّسع لأحلامهم وسعيهم لوطن حر كريم تسوده العدالة ودولة القانون.


