سوريا - اقتصاد
رهان اقتصادي لإعادة الإنتاج واستعادة أسواق " أم الصناعات" السورية
ا
العين السورية
نشر في: ٢٠ يوليو ٢٠٢٦، ١٦:٢١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في كل قطعة قماش سورية حكاية، حكاية يد ماهرة تعلمت الصبر، وخبرة تراكمت عبر أجيال، ومدن عرفت أن النسيج ليس مجرد صناعة، بل جزء من هويتها وذاكرتها الاقتصادية.
فمنذ عقود طويلة، ارتبط اسم سوريا بالأقمشة الفاخرة، واشتهرت أسواق دمشق وحلب بصناعة المنسوجات التي حملت اسم البلاد إلى مختلف الأسواق، لتكون صناعة النسيج أحد أهم الشواهد على قدرة السوريين على تحويل الحرفة إلى قيمة اقتصادية وحضارية.
لكن هذه الصناعة العريقة، التي كانت يوما من أعمدة الاقتصاد، واجهت خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة أثرت على قدرتها الإنتاجية وحضورها في الأسواق. وبينما بقيت الخبرة موجودة، وتوارثت الأيدي العاملة مهاراتها، وجد الصناعيون أنفسهم أمام واقع صعب فرضته ظروف الإنتاج وارتفاع التكاليف وصعوبة المنافسة وتأمين مستلزمات العمل.
بوابة انطلاقة جديدة
اليوم، تعود صناعة النسيج إلى دائرة الاهتمام من خلال معرض "ناس تكس 2026"، الذي يمثل أكثر من مجرد تجمع للصناعيين والمنتجين السوريين بل كان بمشاركة دولية فهو مساحة لإعادة التفكير في مستقبل قطاع يمتلك تاريخا طويلا وإمكانات واسعة. فالمعرض يفتح الباب أمام لقاء الخبرة الصناعية بالاستثمار، ويمنح المنتج السوري فرصة لإعادة تقديم نفسه في الأسواق المحلية والإقليمية.
إعادة بناء
يُشير الصناعي ابراهيم البني، إلى أن المشكلة لم تكن يوما في قدرة الصناعي السوري على الإنتاج، بل في الظروف المحيطة بالعملية الإنتاجية، موضحاً في حديثه مع " العين السورية"، أن العامل السوري يمتلك خبرة كبيرة، وأن المصانع قادرة على العودة إلى المنافسة إذا توفرت البيئة المناسبة.
ويصيف : نحن لا نحتاج فقط إلى إعادة تشغيل المصانع، بل نحتاج إلى بناء صناعة حديثة قادرة على الاستمرار. المطلوب هو تأمين المواد الأولية، وتطوير خطوط الإنتاج، وتخفيف الأعباء التي تواجه الصناعي، وفتح قنوات تسويق حقيقية تساعد المنتج السوري على الوصول إلى الأسواق."
سلسلة حساسة
ويشير إلى أن صناعة النسيج تختلف عن كثير من القطاعات، لأنها ترتبط بسلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من القطن والغزل، مرورا بالنسيج والصباغة، وصولًا إلى صناعة الألبسة والتصدير. وأي تطوير في هذه السلسلة ينعكس على قطاعات أخرى ويوفر فرص عمل واسعة.
ومن هنا، فإن مستقبل النسيج السوري يحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة استعادة الماضي، نحو بناء صناعة أكثر تطوراً وانفتاحاً على الأسواق. فالمنافسة اليوم لا تعتمد فقط على التاريخ والخبرة، بل على التكنولوجيا والجودة والقدرة على الابتكار وسرعة الاستجابة لاحتياجات المستهلك.
متطلبات
وكما يرى خبراء من القطاع التقتهم " العين السورية"، أن النهوض بالصناعة النسيجية يتطلب إزالة العقبات أمام الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وتحديث المعامل، ودعم الابتكار، إضافة إلى تطوير مهارات العاملين. فالصناعة القوية لا تقوم على الآلات فقط، بل على منظومة متكاملة تجمع بين الإنسان والمعرفة والتمويل والسوق.
ويحتاج تعزيز حضور المنتج السوري، إلى بناء ثقة جديدة بعلامة "صنع في سوريا"، بحيث تصبح مرتبطة بالجودة والتميز، وليس فقط بمصدر المنتج. فامتلاك سوريا تاريخاً صناعياً عريقاً يشكل نقطة قوة، لكن تحويل هذا التاريخ إلى نجاح اقتصادي يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد واستثمارات حقيقية.
مرحلة إنتاج وشراكات
ويؤكد الصناعيون أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة إنتاج وشراكات، لا مرحلة انتظار. فعودة النسيج السوري لا تعني فقط عودة المعامل إلى العمل، بل عودة آلاف الأسر المرتبطة بهذا القطاع، وعودة الخبرات التي تمثل ثروة وطنية لا تقل أهمية عن أي مورد اقتصادي آخر.
عموماً، تبدو صناعة النسيج السورية اليوم، أمام مفترق طرق، بين إرث غني صنعته أجيال متعاقبة، ومستقبل يحتاج إلى أدوات جديدة لمواكبة عالم سريع التغير. وإذا نجحت الجهود في جمع هذه الخيوط المتفرقة ضمن رؤية واضحة، فإن النسيج السوري قادر على أن يستعيد مكانته، لا كذكرى من الماضي، بل كصناعة حية تساهم في النمو وتخلق فرص العمل وتنسج فصلا جديدا من الاقتصاد السوري.


