الآراء
في دمشق نسخةٌ من «مدرسة الرئيس الفرنسي ماكرون»
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ٧ يوليو ٢٠٢٦، ١٧:٢٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتصدّر عبارة "ماكرون في دمشق" نشرات المحطات جميعاً، وللسوريين أن يفرحوا: فبعد أربعة عشر عاماً من عزلةٍ فرضتها سياسات النظام البائد على بلدٍ لم يكن ذنبه إلا أنه أراد الحياة، تعود الأنظار إلى دمشق بوصفها مركزاً يُقصَد، لا ملعباً تتنازعه الأمم. لكنّ في خضمّ هذا الضجيج، تحضرني صورةٌ لا تظهر في كاميرات الاستقبال: صرحٌ تعليميٌّ قائمٌ في أطراف العاصمة، وُلد قبل نحو عقدين من لقاءٍ سوريٍّ فرنسيٍّ سابق، ويحمل في نشأته بصمة الضيف القادم اليوم. اسمه المعهد الوطني للإدارة العامة.
الفرح في محلّه، غير أنّه حين يكون واعياً يقيس المكسب بما يبقى منه بعد أن تنطفئ الأضواء وترحل الكاميرات، لا بعدد الاتفاقيّات المُوقَّعة في يومٍ واحد. وبين الملفّات الكبرى التي تحملها الزيارة، من إعمارٍ وطاقةٍ واستثمار، يقبع هذا التفصيل الذي يبدو صغيراً بينما هو في العمق اختبارٌ مبكّر لنضج الدولة الجديدة: هل تُحسن سوريا أن تأخذ من العالم ما ينفعها، وأن تُعيد إلى بيتها ما عطّلته أيدي مَن حكموها قبل التحرّر؟ هذا السؤال، لا حفاوة الاستقبال، هو ما ينبغي أن يشغل مَن يقرأ الزيارة بعينٍ بعيدة المدى.
في الثاني عشر من أيار 2002، أُحدث المعهد الوطنيّ للإدارة العامة بالمرسوم التشريعيّ رقم 27، وجاء ثمرةَ اتفاقيّةٍ سوريّة-فرنسيّة تعهّدت باريس بموجبها بدعم إنشائه، وواصلت رفده بالخبرة الفنيّة حتى تجمّد ذلك التعاون بالكامل مع اندلاع الحرب. ولم يكن النموذج الذي استُلهم منه عابراً؛ فقد بُني على مثال المدرسة الوطنيّة للإدارة الفرنسيّة، المعروفة اختصاراً بـ«الإينا»، تلك المؤسسة التي درس فيها أربعةٌ من رؤساء فرنسا الستّة الأخيرين، وعشراتٌ من وزرائها ورؤساء حكوماتها وكبار موظّفي دولتها، وإيمانويل ماكرون واحدٌ من أبنائها.
كانت الفكرة في جوهرها سليمة وطموحة: مدرسةٌ تنتقي الكفاءة وتصوغ منها موظّفاً رفيع التأهيل يجلس حيث يُصنع القرار، فتقوم الإدارة العليا على الجدارة معياراً للصعود، لا على القرابة من الحاكم. غير أنّ هذه الأمنية الوطنيّة وُضعت في غير مناخها، تحت سقف نظامٍ لم يكن يحتمل ما تعنيه حقّاً؛ فالإدارة القائمة على الكفاءة المحايدة نقيضٌ مباشر لدولة الولاء التي رسّخها ذلك النظام على مدى عقود.
هنا تكمن المفارقة التي تستحقّ أن تُروى بتمامها. لقد جُلبت المناهج، ورُفعت اللافتة، وأحاط المعهدَ خطابٌ إصلاحيٌّ برّاق في سنواته الأولى؛ لكنّ منظومةً تُدار بشبكات الولاء لا تطيق طويلاً جهازاً يُنتج كفاءةً محايدة تقيس الأمور بميزانها الخاصّ. وهكذا هُمّشت الثمرة قبل أن تنضج: خرّيجون صُمّم مسارهم ليجلسوا قرب مراكز القرار، تفرّقوا في توزيعٍ وصفته شكاواهم المنشورة بالعشوائيّ، وعمل كثيرٌ منهم تحت إمرة مَن هم أدنى منهم تأهيلاً، فيما قُلّصت الحوافز التي وُضعت أصلاً لتُغري الكفاءة بالبقاء داخل الجهاز العامّ.
في هذا التحوّل تختصر رحلةٌ مؤلمة: من مقعدٍ يُعِدّ صاحبه لصناعة السياسة، إلى هامشٍ يُنازع فيه على موقعٍ وظيفيّ متواضع. تلك هي سيرة الكفاءة حين تسقط في يدٍ لا تريد لها أن تنجح. وما جرى للمعهد لم يكن إهمالاً عابراً ولا سوء تقديرٍ إداريّ؛ كان قراراً ينسجم مع فلسفة حكمٍ بأكملها، إذ إنّ الدولة التي تُدار بالمحسوبيّة تخشى بطبيعتها الموظّف الذي يعرف أكثر ممّا يُراد له أن يعرف، فكان تجفيف المعهد من معناه أحد شروط بقائها على حالها.
قد يُقال إنّ مؤسسةً واحدة تفصيلٌ صغير أمام حجم ما تحمله زيارةٌ كهذه، لكنّي أراها المرآة الأصدق لجدّية سوريا الجديدة في بناء إدارةٍ مختلفة عمّا ورثته. واللافت أنّ أوّل خطوةٍ عمليّة في هذا الاتجاه سبقت وصول الضيف الفرنسيّ ولم تنتظره؛ ففي حزيران 2025 صدر مرسومٌ رئاسيّ يُنشئ لجنةً دائمة لفرز خرّيجي المعهد وتوزيعهم على الجهات العامة وفق حاجاتها الفعليّة، بمعايير توظيفٍ شفّافة تُربَط بخطط الإصلاح المؤسسيّ، وبهدفٍ مُعلَنٍ صريح هو إنهاء المحسوبيّة في التعيينات.
هي خطوةٌ متواضعة في حجمها، دالّةٌ في اتجاهها، تُعيد للكفاءة التي صُنعت في هذا الصرح موقعها الذي صُنعت لأجله. وهذه بالذات هي الأرضيّة الصلبة التي يمكن للتعاون الفرنسيّ الجديد أن يبني فوقها، متى أحسنّا توجيهه، حتى لا يُختزل الانفتاح كلّه في عقودٍ تجاريّة تُوقَّع اليوم وتُنسى غداً، بينما يبقى جهاز الدولة الذي سيُنفّذها على حاله القديم.
ولا يعني هذا أنّ النموذج الفرنسيّ بلغ الكمال؛ فحتى «الإينا» راجعتها باريس حين رأتها تنغلق على نخبةٍ بعيدةٍ عن نبض الناس، فطوّرتها مطلع ٢٠٢٢ إلى صيغةٍ أوسع باباً وأقرب إلى المجتمع. لكنّ اللافت في ذلك أنّ فرنسا، حين وجدت الخلل، لم تهدم الفكرة، بل هذّبتها؛ ظلّت مؤمنةً بأنّ الدولة تحتاج مدرسةً تصنع موظّفيها، وإنّما اختلفت على الطريقة. وهذا وحده يقيس المسافة بيننا وبينها: هم يُطوّرون مؤسسةً منحوها فرصتها كاملةً حتى نضجت وأثمرت، ونحن ما زلنا مطالَبين بأن نمنح مؤسستنا فرصتها الأولى، أن نُفعّلها لا أن نُجمّلها.
من هنا، ما نستحقّ أن نأخذه من فرنسا ليس واجهةً نستوردها، إنّما شراكةٌ نصل بها ما انقطع من التعاون العلميّ والإداريّ، ونستعيد بها الخبرة التي أسّست معهدنا يوماً. فسوريا الجديدة، وهي في مرحلة البناء، تملك كفاءاتٍ صنعها هذا الصرح ثمّ أُقصيت، وتنتظر من يُعيد إليها الاعتبار؛ وباريس تملك خبرةً حيّة وباباً مفتوحاً. وبين ما لديها وما تحتاجه دمشق تلتقي مصلحةٌ واضحة، بوصلتها جيلٌ كامل ينتظر دولةً تُدار بالكفاءة والنزاهة.
هذا ما أرجو أن تلتفت إليه الزيارة قبل أن تنطفئ أضواء الاستقبال وتعود الوفود من حيث أتت. فالبلد الذي يُعيد بناء نفسه من ركامٍ ثقيل لا تُقيمه العقود وحدها، بل الأيدي التي تُنفّذها والعقول التي تحرس مصلحته من الداخل حين تغيب الكاميرات. وأثمن ما قد تتركه هذه الزيارة يتجاوز أيّ صفقةٍ تُوقَّع في قاعات دمشق: جيلٌ إداريٌّ قادرٌ على أن يُنفّذ ويُحاسِب ويبني.
آن للنسخة السوريّة من «الإينا» أن تستعيد الوظيفة التي وُلدت لأجلها: صرحٌ يُخرّج مَن يُدير الدولة بكفاءةٍ ونزاهة، عنواناً على مؤسّسةٍ حيّة لا لافتةً معلّقة على واجهةٍ فارغة. عندئذٍ تكون زيارةٌ عابرة قد تركت أثراً يبقى بعد رحيل الكاميرات، ويكون السوريّون قد كسبوا من عودة العالم إليهم ما هو أثمن من مصافحةٍ أمام العدسات: مؤسّسةٌ تصنع مَن يبني الغد.
الفرح في محلّه، غير أنّه حين يكون واعياً يقيس المكسب بما يبقى منه بعد أن تنطفئ الأضواء وترحل الكاميرات، لا بعدد الاتفاقيّات المُوقَّعة في يومٍ واحد. وبين الملفّات الكبرى التي تحملها الزيارة، من إعمارٍ وطاقةٍ واستثمار، يقبع هذا التفصيل الذي يبدو صغيراً بينما هو في العمق اختبارٌ مبكّر لنضج الدولة الجديدة: هل تُحسن سوريا أن تأخذ من العالم ما ينفعها، وأن تُعيد إلى بيتها ما عطّلته أيدي مَن حكموها قبل التحرّر؟ هذا السؤال، لا حفاوة الاستقبال، هو ما ينبغي أن يشغل مَن يقرأ الزيارة بعينٍ بعيدة المدى.
مؤسسةٌ وُلدت على مثال "الإينا" الفرنسية
في الثاني عشر من أيار 2002، أُحدث المعهد الوطنيّ للإدارة العامة بالمرسوم التشريعيّ رقم 27، وجاء ثمرةَ اتفاقيّةٍ سوريّة-فرنسيّة تعهّدت باريس بموجبها بدعم إنشائه، وواصلت رفده بالخبرة الفنيّة حتى تجمّد ذلك التعاون بالكامل مع اندلاع الحرب. ولم يكن النموذج الذي استُلهم منه عابراً؛ فقد بُني على مثال المدرسة الوطنيّة للإدارة الفرنسيّة، المعروفة اختصاراً بـ«الإينا»، تلك المؤسسة التي درس فيها أربعةٌ من رؤساء فرنسا الستّة الأخيرين، وعشراتٌ من وزرائها ورؤساء حكوماتها وكبار موظّفي دولتها، وإيمانويل ماكرون واحدٌ من أبنائها.
كانت الفكرة في جوهرها سليمة وطموحة: مدرسةٌ تنتقي الكفاءة وتصوغ منها موظّفاً رفيع التأهيل يجلس حيث يُصنع القرار، فتقوم الإدارة العليا على الجدارة معياراً للصعود، لا على القرابة من الحاكم. غير أنّ هذه الأمنية الوطنيّة وُضعت في غير مناخها، تحت سقف نظامٍ لم يكن يحتمل ما تعنيه حقّاً؛ فالإدارة القائمة على الكفاءة المحايدة نقيضٌ مباشر لدولة الولاء التي رسّخها ذلك النظام على مدى عقود.
حين تُستنسخ القشرة ويُفرَّغ الجوهر
هنا تكمن المفارقة التي تستحقّ أن تُروى بتمامها. لقد جُلبت المناهج، ورُفعت اللافتة، وأحاط المعهدَ خطابٌ إصلاحيٌّ برّاق في سنواته الأولى؛ لكنّ منظومةً تُدار بشبكات الولاء لا تطيق طويلاً جهازاً يُنتج كفاءةً محايدة تقيس الأمور بميزانها الخاصّ. وهكذا هُمّشت الثمرة قبل أن تنضج: خرّيجون صُمّم مسارهم ليجلسوا قرب مراكز القرار، تفرّقوا في توزيعٍ وصفته شكاواهم المنشورة بالعشوائيّ، وعمل كثيرٌ منهم تحت إمرة مَن هم أدنى منهم تأهيلاً، فيما قُلّصت الحوافز التي وُضعت أصلاً لتُغري الكفاءة بالبقاء داخل الجهاز العامّ.
في هذا التحوّل تختصر رحلةٌ مؤلمة: من مقعدٍ يُعِدّ صاحبه لصناعة السياسة، إلى هامشٍ يُنازع فيه على موقعٍ وظيفيّ متواضع. تلك هي سيرة الكفاءة حين تسقط في يدٍ لا تريد لها أن تنجح. وما جرى للمعهد لم يكن إهمالاً عابراً ولا سوء تقديرٍ إداريّ؛ كان قراراً ينسجم مع فلسفة حكمٍ بأكملها، إذ إنّ الدولة التي تُدار بالمحسوبيّة تخشى بطبيعتها الموظّف الذي يعرف أكثر ممّا يُراد له أن يعرف، فكان تجفيف المعهد من معناه أحد شروط بقائها على حالها.
بذرةُ التصحيح غُرست قبل الزيارة
قد يُقال إنّ مؤسسةً واحدة تفصيلٌ صغير أمام حجم ما تحمله زيارةٌ كهذه، لكنّي أراها المرآة الأصدق لجدّية سوريا الجديدة في بناء إدارةٍ مختلفة عمّا ورثته. واللافت أنّ أوّل خطوةٍ عمليّة في هذا الاتجاه سبقت وصول الضيف الفرنسيّ ولم تنتظره؛ ففي حزيران 2025 صدر مرسومٌ رئاسيّ يُنشئ لجنةً دائمة لفرز خرّيجي المعهد وتوزيعهم على الجهات العامة وفق حاجاتها الفعليّة، بمعايير توظيفٍ شفّافة تُربَط بخطط الإصلاح المؤسسيّ، وبهدفٍ مُعلَنٍ صريح هو إنهاء المحسوبيّة في التعيينات.
هي خطوةٌ متواضعة في حجمها، دالّةٌ في اتجاهها، تُعيد للكفاءة التي صُنعت في هذا الصرح موقعها الذي صُنعت لأجله. وهذه بالذات هي الأرضيّة الصلبة التي يمكن للتعاون الفرنسيّ الجديد أن يبني فوقها، متى أحسنّا توجيهه، حتى لا يُختزل الانفتاح كلّه في عقودٍ تجاريّة تُوقَّع اليوم وتُنسى غداً، بينما يبقى جهاز الدولة الذي سيُنفّذها على حاله القديم.
بوّابةٌ إن أحسنّا قراءتها
ولا يعني هذا أنّ النموذج الفرنسيّ بلغ الكمال؛ فحتى «الإينا» راجعتها باريس حين رأتها تنغلق على نخبةٍ بعيدةٍ عن نبض الناس، فطوّرتها مطلع ٢٠٢٢ إلى صيغةٍ أوسع باباً وأقرب إلى المجتمع. لكنّ اللافت في ذلك أنّ فرنسا، حين وجدت الخلل، لم تهدم الفكرة، بل هذّبتها؛ ظلّت مؤمنةً بأنّ الدولة تحتاج مدرسةً تصنع موظّفيها، وإنّما اختلفت على الطريقة. وهذا وحده يقيس المسافة بيننا وبينها: هم يُطوّرون مؤسسةً منحوها فرصتها كاملةً حتى نضجت وأثمرت، ونحن ما زلنا مطالَبين بأن نمنح مؤسستنا فرصتها الأولى، أن نُفعّلها لا أن نُجمّلها.
من هنا، ما نستحقّ أن نأخذه من فرنسا ليس واجهةً نستوردها، إنّما شراكةٌ نصل بها ما انقطع من التعاون العلميّ والإداريّ، ونستعيد بها الخبرة التي أسّست معهدنا يوماً. فسوريا الجديدة، وهي في مرحلة البناء، تملك كفاءاتٍ صنعها هذا الصرح ثمّ أُقصيت، وتنتظر من يُعيد إليها الاعتبار؛ وباريس تملك خبرةً حيّة وباباً مفتوحاً. وبين ما لديها وما تحتاجه دمشق تلتقي مصلحةٌ واضحة، بوصلتها جيلٌ كامل ينتظر دولةً تُدار بالكفاءة والنزاهة.
أن نصنع رجال دولةٍ لا لافتات
هذا ما أرجو أن تلتفت إليه الزيارة قبل أن تنطفئ أضواء الاستقبال وتعود الوفود من حيث أتت. فالبلد الذي يُعيد بناء نفسه من ركامٍ ثقيل لا تُقيمه العقود وحدها، بل الأيدي التي تُنفّذها والعقول التي تحرس مصلحته من الداخل حين تغيب الكاميرات. وأثمن ما قد تتركه هذه الزيارة يتجاوز أيّ صفقةٍ تُوقَّع في قاعات دمشق: جيلٌ إداريٌّ قادرٌ على أن يُنفّذ ويُحاسِب ويبني.
آن للنسخة السوريّة من «الإينا» أن تستعيد الوظيفة التي وُلدت لأجلها: صرحٌ يُخرّج مَن يُدير الدولة بكفاءةٍ ونزاهة، عنواناً على مؤسّسةٍ حيّة لا لافتةً معلّقة على واجهةٍ فارغة. عندئذٍ تكون زيارةٌ عابرة قد تركت أثراً يبقى بعد رحيل الكاميرات، ويكون السوريّون قد كسبوا من عودة العالم إليهم ما هو أثمن من مصافحةٍ أمام العدسات: مؤسّسةٌ تصنع مَن يبني الغد.