سوريا - صحة
سموم كامنة تغزو موائد المستهلك .. فهل يكفي تنظيم الضبوط لردع " المرتكبين" ؟
خ
خاص - العين السورية
نشر في: ٢٣ يوليو ٢٠٢٦، ١٢:٥٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

ليست كل المخاطر التي تهدد صحة الإنسان يمكن رؤيتها بالعين. فقد تبدو الخضروات التي يشتريها المواطن يومياً من أسواق دمشق وريفها طازجة ، لكن خلف هذا المشهد سؤال لا يملك المستهلك إجابة عليه: ما مصدر المياه التي رُويت بها هذه المحاصيل قبل أن تصل إلى مائدته؟
ارتكابات موثّقة
في ريف دمشق، عاد ملف استخدام مياه الصرف الصحي في ري المزروعات إلى الواجهة، بعد الكشف عن مخالفات جسيمة تم ضبطها مؤخراً، وسط تحذيرات من جهات حماية المستهلك من استمرار الظاهرة، ومطالبات بتشديد الرقابة على مصادر مياه الري والمحاصيل الزراعية.
القضية لا تتعلق بمخالفة زراعية فقط، بل بملف يمس الأمن الغذائي والصحة العامة، لأن المياه المستخدمة في الحقول تتحول في النهاية إلى منتجات تصل مباشرة إلى المستهلك، الذي غالباً لا يملك وسيلة لمعرفة الطريقة التي نمت بها الخضروات التي يشتريها.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن استخدام مياه الصرف الصحي في الزراعة ليس مجرد احتمال، إذ سجلت الجهات المختصة مخالفات فعلية واتخذت إجراءات بحق أصحابها، بينما يبقى السؤال الأوسع حول حجم انتشار الظاهرة، وما إذا كانت الحالات المضبوطة تمثل كامل المشكلة أم جزءاً منها فقط..؟
ضبوط رسمية
لم ينف مدير زراعة دمشق وريفها الدكتور زيد أبو عساف، ما يتم تداوله حول وقائع ري المزروعات بمياه الصرف الصحي، بل كشف لـ" العين السورية " أن المديرية نظمت بالفعل، خلال النصف الأول من العام الحالي، 35 ضبطاً بحق مخالفين لري المزروعات بمياه الصرف الصحي، وشملت هذه الضبوط مساحات زراعية بلغت 351.5 دونماً.
أما خلال العام الماضي، فقد بلغ عدد الضبوط المنظمة 127 ضبطاً، لمساحات وصلت إلى 679.3 دونماً، وتوزعت المخالفات في عدد من مناطق ريف دمشق، من بينها الغوطة وقطنا والقطيفة ودوما وداريا وحران العواميد.
وأوضح أبو عساف أن التعامل مع هذه الحالات يتم وفق إجراءات قانونية محددة، حيث تنظم الضبوط من خلال لجان مكانية تضم ممثلين عن مديرية الزراعة والسلطة الإدارية واتحاد الفلاحين والمصرف الزراعي، بهدف توثيق المخالفة واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق مرتكبيها.
إتلاف
وأكد أن التشريعات النافذة تنص على إتلاف الزراعات المخالفة التي ثبت ريّها بمياه الصرف الصحي، سواء باستخدام آليات تعود للفلاح المخالف نفسه أو عبر آليات مديريات الزراعة، مع تحميل المخالف تكاليف الإتلاف في حال تنفيذ العملية من قبل الجهات العامة.
وأضاف أن الضبوط تُحال أصولاً إلى إدارة قضايا الدولة عن طريق الشؤون القانونية بعد تقدير الأضرار المادية، لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
حماية المستهلك ترصد
من جهته، أكد أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة في حديثه لـ"العين السورية"، أن ملف ري المزروعات بمياه الصرف الصحي ليس جديداً، مشيراً إلى أن الجمعية تتابعه منذ أكثر من عشر سنوات.
وقال حبزة: إن الظاهرة ما تزال موجودة في بعض المناطق، وإنها ازدادت خلال الفترة الأخيرة مع شح المياه وارتفاع درجات الحرارة، علماً أن ذلك لا يبرر ري المزروعات بمياه الصرف الصحي، الأمر وبالفعل ينتشر استخدام مصادر مياه غير آمنة في بعض الحالات.
وأشار إلى أن الخطر الأكبر يرتبط بالخضروات الورقية مثل البقدونس والخس والنعناع، باعتبارها من المنتجات التي تحتاج إلى رقابة مشددة، مطالبًا بتكثيف الجولات الرقابية وسحب عينات دورية من المحاصيل الموجودة في الأسواق للتأكد من سلامتها.
وأوضح حبزة أن الجمعية خاطبت الجهات المعنية أكثر من مرة، وطالبت باتخاذ إجراءات أكثر صرامة بحق المخالفين، إضافة إلى تشكيل فرق رقابية جوالة لمتابعة المناطق التي تنتشر فيها هذه الممارسات.
خطر كامن
تكمن خطورة هذه القضية في أن المستهلك لا يستطيع اكتشاف مصدر مياه الري بمجرد النظر إلى المنتج. فالخضار التي تروى بمياه غير آمنة قد تبدو طبيعية تماماً، بينما يكمن الخطر في المراحل الأولى من عملية الإنتاج.
ويحذر مختصون في الصحة العامة من أن استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الزراعة قد يؤدي إلى انتقال مسببات مرضية مثل البكتيريا والفيروسات والطفيليات، إضافة إلى احتمال تراكم بعض الملوثات الكيميائية والمعادن الثقيلة في التربة والمحاصيل، وهو ما قد ينعكس على صحة الإنسان على المدى الطويل.
بين الضبوط والرقابة.. أين تبدأ الحماية؟
رغم وجود إجراءات رسمية وضبوط بحق المخالفين، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطنون: هل تبدأ الرقابة من الحقل قبل وصول المحصول إلى السوق؟
هل يتم فحص مياه الري بشكل دوري؟ وهل تخضع المحاصيل الزراعية لتحاليل منتظمة؟ وهل يتم الإعلان عن نتائج هذه الفحوصات للرأي العام؟
فالتعامل مع المخالفة بعد وقوعها خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها إذا كان المنتج قد وصل بالفعل إلى المستهلك.
الحقيقة التي ينتظرها المواطن!
ملف ري المزروعات بمياه الصرف الصحي يحتاج إلى متابعة تتجاوز تسجيل الضبوط، وصولاً إلى رقابة شاملة تبدأ من مصدر المياه وتنتهي عند الأسواق.
فالمواطن لا يبحث فقط عن توفر الخضار، بل عن ضمان سلامتها. في وقت تؤكد الجهات الرسمية وجود مخالفات وإجراءات لمعالجتها، تبقى الحاجة قائمة إلى مزيد من الشفافية في نتائج الفحوصات، وتوسيع الرقابة الميدانية، ومحاسبة كل من يثبت تعريض صحة المواطنين للخطر.
احذروا....!!!
لأن الطريق من الحقل إلى المائدة قصير، وأي " ارتكاب" قد يصل أثره إلى كل بيت.


