سوريا - اقتصاد
سوريا والنظام المالي العالمي.. تفعيل هيئة مكافحة غسل الأموال ضرورة لبناء الثقة المالية
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٨:٤٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

دخلت سوريا مرحلة اقتصادية مختلفة تفرض إعادة النظر في كثير من الأدوات والمؤسسات التي كانت تؤدي أدواراً تقليدية خلال السنوات الماضية.
لاسيما أنه مع المتغيرات السياسية والاقتصادية المتسارعة، وبدء عودة سورية تدريجياً إلى النظام المالي الدولي، واتساع فرص الاستثمار وإعادة الإعمار والتجارة والتحويلات، لا بدّ من ألا تعمل المؤسسات المالية بالآليات نفسها التي كانت سائدة في السابق.
فبناء الثقة بالنظام المالي السوري أصبح شرطاً أساسياً لنجاح أي انفتاح اقتصادي، وفي مقدمة عناصر هذه الثقة وجود منظومة فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
من دور رقابي محدود إلى دور مؤسسي أكثر فاعلية
في قراءتها لهذه الخطوة، ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، في حديثها لـ"العين السورية"، أن العالم المالي اليوم أكثر تشدداً مما كان عليه في السابق.
من دور رقابي محدود إلى دور مؤسسي أكثر فاعلية
في قراءتها لهذه الخطوة، ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية، في حديثها لـ"العين السورية"، أن العالم المالي اليوم أكثر تشدداً مما كان عليه في السابق.
فالمصارف والمؤسسات المالية الدولية لا تنظر إلى الدولة أو المصرف الذي ترغب في التعامل معه من زاوية الفرص الاقتصادية فقط، وإنما تدرس:
مستوى المخاطر المرتبطة به، ومدى قدرته على معرفة عملائه والتحقق من مصادر أموالهم، وتحديد المستفيد الحقيقي من الحسابات والشركات، ومراقبة العمليات غير الاعتيادية، والتعامل مع حالات الاشتباه، والتعاون مع الجهات الرقابية والقضائية ونظيراتها في الدول الأخرى.
لذلك فإن عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي لن تقاس فقط بحجم العلاقات التي ستستعيدها أو عدد المؤسسات الدولية التي ستتعامل معها، وإنما بقدرتها على إثبات أن لديها نظاماً مالياً ورقابياً قادراً على حماية هذه العلاقات.
من هنا تأتي أهمية هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي ينبغي، بحسب الدكتورة الشياح، أن تنتقل في المرحلة المقبلة من دور رقابي محدود إلى دور مؤسسي أكثر فاعلية، يتناسب مع حجم التحولات التي يشهدها الاقتصاد السوري.

من هنا تأتي أهمية هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي ينبغي، بحسب الدكتورة الشياح، أن تنتقل في المرحلة المقبلة من دور رقابي محدود إلى دور مؤسسي أكثر فاعلية، يتناسب مع حجم التحولات التي يشهدها الاقتصاد السوري.
فوجود الهيئة لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة لمتطلبات قانونية أو دولية، وإنما يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية لحماية الاقتصاد والنظام المالي من الجرائم المالية، وتعزيز الثقة بالمصارف والمؤسسات الاقتصادية السورية.
شرط لحماية الاستثمار
تزداد أهمية هذا الدور مع بدء الانفتاح التدريجي على الخدمات المالية الدولية وعودة الحديث عن إعادة بناء العلاقات المصرفية المراسلة.
تزداد أهمية هذا الدور مع بدء الانفتاح التدريجي على الخدمات المالية الدولية وعودة الحديث عن إعادة بناء العلاقات المصرفية المراسلة.
فالمصرف الدولي المراسل، عندما يدرس التعامل مع مصرف سوري لن يكتفي بمعرفة وضعه المالي أو حجم نشاطه، وإنما سيبحث عن مستوى أنظمة الامتثال لديه، وعن قدرته على إدارة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعن الإجراءات التي يتبعها في معرفة العميل ومراقبة العمليات والتحقق من مصادر الأموال والمستفيد الحقيقي.
وبالتالي فإن قوة منظومة مكافحة غسل الأموال أصبحت جزءاً من قدرة المصارف السورية على الاندماج في النظام المالي العالمي.
ضمن هذا السياق، تشير الباحثة الاقتصادية إلى ضرورة إدراك أن مكافحة غسل الأموال، ليست عائقاً أمام حركة الأموال والاستثمار، بل هي في الواقع شرط لحماية الاستثمار الحقيقي.
ضمن هذا السياق، تشير الباحثة الاقتصادية إلى ضرورة إدراك أن مكافحة غسل الأموال، ليست عائقاً أمام حركة الأموال والاستثمار، بل هي في الواقع شرط لحماية الاستثمار الحقيقي.
فسوريا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لإعادة الإعمار وتحريك الإنتاج وتطوير البنية التحتية وخلق فرص العمل، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضمان أن تكون هذه الأموال مشروعة وأن تدخل في أنشطة اقتصادية منتجة.
فالأموال مجهولة المصدر إذا دخلت إلى الأسواق يمكن أن تؤدي إلى تشوهات في أسعار العقارات والأصول، وإلى منافسة غير عادلة مع المستثمرين الحقيقيين، وإلى توسيع الاقتصاد غير الرسمي، وربما إلى استخدام بعض القطاعات الاقتصادية كقنوات لإخفاء الأموال وإعادة تدويرها.
غسل الأموال ظاهرة معقدة
ولهذا فإن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على قاعدة واضحة، هي أن سورية ترحب برأس المال المشروع والاستثمار المنتج، لكنها تحتاج إلى نظام قادر على معرفة مصدر الأموال ووجهتها والمستفيد الحقيقي منها.
وهذه المهمة لا يمكن أن تقع على عاتق الهيئة وحدها، لأن غسل الأموال ظاهرة معقدة تتقاطع فيها المعلومات المصرفية والتجارية والضريبية والجمركية والعقارية والقانونية.
وهذه المهمة لا يمكن أن تقع على عاتق الهيئة وحدها، لأن غسل الأموال ظاهرة معقدة تتقاطع فيها المعلومات المصرفية والتجارية والضريبية والجمركية والعقارية والقانونية.
فقد يكون جزء من الصورة موجوداً لدى المصرف، وجزء آخر في السجل التجاري، ومعلومات إضافية لدى الجهات الضريبية أو الجمركية أو القضائية، وإذا بقيت هذه المعلومات منفصلة، فإن قدرة الدولة على اكتشاف العمليات المعقدة ستظل محدودة. 

لذلك فإن تطوير آليات التعاون وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية، وفق ضوابط قانونية واضحة تحمي السرية والبيانات، أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها.
الشفافية في الملكية تمثل ركناً أساسياً في حماية الاقتصاد
وهنا تسلط الدكتورة الشياح الضوء على موضوع المستفيد الحقيقي من الشركات والحسابات باعتباره من أهم الملفات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام.
الشفافية في الملكية تمثل ركناً أساسياً في حماية الاقتصاد
وهنا تسلط الدكتورة الشياح الضوء على موضوع المستفيد الحقيقي من الشركات والحسابات باعتباره من أهم الملفات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام.
فمع توسع الاستثمار وتأسيس الشركات والمشاريع المشتركة وإعادة الإعمار، لن يكون كافياً معرفة الشخص المسجل قانونياً بوصفه مالكاً أو مديراً، وإنما يجب أن تكون هناك قدرة على الوصول إلى الشخص الذي يملك أو يسيطر فعلياً على الأموال والنشاط الاقتصادي.
فإخفاء الملكية الحقيقية قد يوفر وسيلة لإخفاء مصادر الأموال أو نقلها بين كيانات متعددة، ولذلك فإن الشفافية في الملكية تمثل ركناً أساسياً في حماية الاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، تحتاج سورية إلى معالجة تحدي الاقتصاد النقدي وتوسيع استخدام القنوات المصرفية ووسائل الدفع الإلكترونية.
وفي الوقت نفسه، تحتاج سورية إلى معالجة تحدي الاقتصاد النقدي وتوسيع استخدام القنوات المصرفية ووسائل الدفع الإلكترونية.
فكلما اتسعت التعاملات الرسمية والقابلة للتتبع، أصبحت حركة الأموال أكثر شفافية، وتحسنت قدرة الجهات المختصة على اكتشاف العمليات غير الطبيعية، كما يمكن أن يساهم ذلك في توسيع الشمول المالي والحد من الاقتصاد الموازي وتعزيز التحصيل الضريبي.
ومن هنا فإن مكافحة غسل الأموال ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإصلاح المصرفي والتحول الرقمي والإصلاح الضريبي وتطوير وسائل الدفع.
كفاءات متخصصة في حركة الأموال
في هذا الإطار يمكن القول، إنه لا ينبغي أن تقتصر المنظومة على المصارف وحدها، لأن مخاطر غسل الأموال يمكن أن تظهر في قطاعات متعددة، مثل العقارات وتجارة الذهب وبعض الأنشطة التجارية والمهن التي تتعامل مع الأموال أو الأصول ذات القيمة المرتفعة.
لذلك فإن المطلوب هو بناء منظومة وطنية قائمة على المخاطر، توجه الرقابة والموارد إلى القطاعات والأنشطة والعملاء الأكثر عرضة للمخاطر، بدلاً من الاعتماد على إجراءات موحدة قد تزيد الأعباء على النشاط الاقتصادي من دون أن تحقق بالضرورة مستوى أعلى من الحماية.
كما أن طبيعة الجريمة المالية الحديثة تفرض تطوير الأدوات المستخدمة في مكافحتها، فغسل الأموال لم يعد يقتصر على إيداع الأموال النقدية وتحويلها من حساب إلى آخر، بل يمكن أن يرتبط بالتجارة الدولية والتلاعب بالفواتير والشركات الوهمية والتحويلات الإلكترونية والاحتيال المالي والأصول الرقمية وغيرها من الأساليب التي تتطور باستمرار.
كما أن طبيعة الجريمة المالية الحديثة تفرض تطوير الأدوات المستخدمة في مكافحتها، فغسل الأموال لم يعد يقتصر على إيداع الأموال النقدية وتحويلها من حساب إلى آخر، بل يمكن أن يرتبط بالتجارة الدولية والتلاعب بالفواتير والشركات الوهمية والتحويلات الإلكترونية والاحتيال المالي والأصول الرقمية وغيرها من الأساليب التي تتطور باستمرار.
وهذا يستدعي أن تمتلك الهيئة والمصارف كفاءات متخصصة في المحاسبة والتدقيق والتحليل المالي والقانون وتكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات، وأن تستخدم أنظمة إلكترونية قادرة على اكتشاف الأنماط والعلاقات غير الطبيعية في حركة الأموال.
تحديث التقييم الوطني لمخاطر غسل الأموال
لكن التحدي الأهم يبقى في الانتقال من الامتثال الشكلي إلى الفاعلية الحقيقية، فوجود التعليمات والنماذج والسياسات لا يعني بالضرورة أن المنظومة تعمل بكفاءة.
ذلك أنّ المعيار الحقيقي هو قدرة المؤسسات على اكتشاف المخاطر وتحليل المعلومات والتعامل مع العمليات المشبوهة والتعاون مع الجهات المختصة وإنتاج نتائج ملموسة، وهذا يتطلب أيضاً قياس أداء الهيئة والمؤسسات المالية من خلال مؤشرات واضحة تعكس مستوى الفاعلية، وليس فقط عدد الإجراءات أو النماذج التي تم إنجازها.
على هذا النحو، ووفقاً للدكتورة الشياح، يصبح تحديث التقييم الوطني لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب خطوة أساسية، لأنه يسمح بتحديد طبيعة المخاطر التي تواجه الاقتصاد السوري وتحديد القطاعات الأكثر عرضة لها، ومن ثم توجيه التشريعات والرقابة والتدريب والموارد التقنية وفقاً لهذه المخاطر. كما أن تعزيز التعاون مع الجهات الدولية ونظيراتها في الدول الأخرى يمثل ضرورة، لأن الجرائم المالية بطبيعتها عابرة للحدود، وقد تتحرك الأموال بين عدة دول قبل أن تصل إلى وجهتها النهائية.
اقرأ أيضاً: يومٌ تاريخيٌ في مسار التعافي الوطني.. سوريا تُسرع الخُطى نحو العودة
جزء من مشروع الإصلاح الاقتصادي والمالي
إن سورية لا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى مزيد من الإجراءات الورقية بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات فعالة قادرة على إنتاج الثقة، فالانفتاح المالي الذي لا تحميه منظومة قوية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قد يتحول إلى مصدر مخاطر، بينما يمكن للمنظومة القوية أن تصبح عاملاً مساعداً في جذب الاستثمار وتعزيز العلاقات المصرفية الدولية.
وهنا تنوه د. الشياح إلى أنّ المصارف المراسلة، وشركات الدفع، والمستثمرين الدوليين، والمؤسسات المالية الخارجية، باتت جميعها تبحث عن بيئة تستطيع أن تثق بها، وهذه الثقة لا تُبنى فقط من خلال القوانين، وإنما من خلال التطبيق الفعلي، والشفافية، والقدرة على إدارة المخاطر، ووضوح المسؤوليات، واستقلالية الجهات المختصة، وتوافر الكفاءات والأنظمة الحديثة.
كما تؤكد د. الشياح على أن إعادة تفعيل دور هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتطوير قدراتها يجب أن تكون جزءاً من مشروع الإصلاح الاقتصادي والمالي في سورية، وأن تترافق مع تحديث التشريعات والأنظمة المصرفية، وتطوير قواعد البيانات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات، ورفع مستوى الكفاءة المهنية، وإدخال التكنولوجيا الحديثة في تحليل العمليات المالية.
فالمرحلة الجديدة التي تدخلها سورية لا تحتاج فقط إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً، وإنما إلى اقتصاد أكثر شفافية وقدرة على حماية نفسه، ولا يمكن أن تكون عودة الأموال والاستثمارات إلى سورية هدفاً بحد ذاته، فالهدف هو أن تدخل الأموال المشروعة إلى الاقتصاد، وأن تتحول إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل ونمو، لا إلى قنوات لإخفاء الأموال أو إعادة تدويرها.
ومن هنا فإن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يجب أن تُفهم باعتبارها جزءاً من الأمن الاقتصادي والمالي الوطني، فهي تحمي المصارف من مخاطر العزلة، وتحمي المستثمرين من المنافسة غير المشروعة، وتحمي الأسواق من تشوهات الأموال غير المشروعة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الجرائم المالية، وتساعد في بناء الثقة مع النظام المالي العالمي.
على هذا النحو، ووفقاً للدكتورة الشياح، يصبح تحديث التقييم الوطني لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب خطوة أساسية، لأنه يسمح بتحديد طبيعة المخاطر التي تواجه الاقتصاد السوري وتحديد القطاعات الأكثر عرضة لها، ومن ثم توجيه التشريعات والرقابة والتدريب والموارد التقنية وفقاً لهذه المخاطر. كما أن تعزيز التعاون مع الجهات الدولية ونظيراتها في الدول الأخرى يمثل ضرورة، لأن الجرائم المالية بطبيعتها عابرة للحدود، وقد تتحرك الأموال بين عدة دول قبل أن تصل إلى وجهتها النهائية.
اقرأ أيضاً: يومٌ تاريخيٌ في مسار التعافي الوطني.. سوريا تُسرع الخُطى نحو العودة
جزء من مشروع الإصلاح الاقتصادي والمالي
إن سورية لا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى مزيد من الإجراءات الورقية بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات فعالة قادرة على إنتاج الثقة، فالانفتاح المالي الذي لا تحميه منظومة قوية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قد يتحول إلى مصدر مخاطر، بينما يمكن للمنظومة القوية أن تصبح عاملاً مساعداً في جذب الاستثمار وتعزيز العلاقات المصرفية الدولية.
وهنا تنوه د. الشياح إلى أنّ المصارف المراسلة، وشركات الدفع، والمستثمرين الدوليين، والمؤسسات المالية الخارجية، باتت جميعها تبحث عن بيئة تستطيع أن تثق بها، وهذه الثقة لا تُبنى فقط من خلال القوانين، وإنما من خلال التطبيق الفعلي، والشفافية، والقدرة على إدارة المخاطر، ووضوح المسؤوليات، واستقلالية الجهات المختصة، وتوافر الكفاءات والأنظمة الحديثة.
كما تؤكد د. الشياح على أن إعادة تفعيل دور هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتطوير قدراتها يجب أن تكون جزءاً من مشروع الإصلاح الاقتصادي والمالي في سورية، وأن تترافق مع تحديث التشريعات والأنظمة المصرفية، وتطوير قواعد البيانات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات، ورفع مستوى الكفاءة المهنية، وإدخال التكنولوجيا الحديثة في تحليل العمليات المالية.
فالمرحلة الجديدة التي تدخلها سورية لا تحتاج فقط إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً، وإنما إلى اقتصاد أكثر شفافية وقدرة على حماية نفسه، ولا يمكن أن تكون عودة الأموال والاستثمارات إلى سورية هدفاً بحد ذاته، فالهدف هو أن تدخل الأموال المشروعة إلى الاقتصاد، وأن تتحول إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل ونمو، لا إلى قنوات لإخفاء الأموال أو إعادة تدويرها.
ومن هنا فإن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يجب أن تُفهم باعتبارها جزءاً من الأمن الاقتصادي والمالي الوطني، فهي تحمي المصارف من مخاطر العزلة، وتحمي المستثمرين من المنافسة غير المشروعة، وتحمي الأسواق من تشوهات الأموال غير المشروعة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الجرائم المالية، وتساعد في بناء الثقة مع النظام المالي العالمي.
وختمت الدكتورة منال الشياح حديثها لـ"العين السورية" بالإشارة إلى أن سورية أمام فرصة لإعادة بناء اقتصادها وعلاقاتها المالية الدولية، لكن هذه الفرصة تحتاج إلى مؤسسات تواكبها.
وإذا كان الانفتاح الاقتصادي يعني فتح الأبواب أمام التجارة والاستثمار ورؤوس الأموال، فإن وجود منظومة فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يعني أن هذه الأبواب ستكون محمية بقواعد واضحة تضمن سلامة الأموال وحركة رأس المال.
وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّ تفعيل هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أصبح اليوم ضرورة اقتصادية بقدر ما هو التزام رقابي، لأن العودة إلى العالم المالي لا تبدأ فقط بفتح القنوات المصرفية، وإنما تبدأ ببناء الثقة التي تجعل العالم مستعداً للتعامل مع سورية، وهذه الثقة لن تُمنح، بل ستُبنى من خلال مؤسسات قوية، ونظام مالي شفاف، ورقابة فعالة، وقدرة حقيقية على حماية الاقتصاد السوري من الجريمة المالية.


