سوريا - اقتصاد
سوريا تستعد للتشاركية مع أكبر اقتصاد في العالم.. رهانات على البيئة وتهيئة الفرص
ا
العين السورية
نشر في: ١٣ يوليو ٢٠٢٦، ١٢:١٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يتفاءل خبراء الاقتصاد والتنمية في سوريا، بانعقاد منتدى الأعمال السوري– الأميركي الأول، كمؤشر على بداية مرحلة جديدة بين الاقتصاد السوري وآخر مصنف كأكبر اقتصاد في العالم.
وتوقع هؤلاء بفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي بين سوريا والولايات المتحدة، من خلال مناقشة مستقبل الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي، واستعراض أجندة الإصلاح الاقتصادي، وتسليط الضوء على الفرص الاستثمارية الواعدة في مختلف القطاعات. لا سيما بعد القرار الأمريكي بإزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
كما أن المنتدى يأتي في وقت تشهد فيه سوريا حراكاً اقتصادياً ودبلوماسياً متسارعاً منذ سقوط نظام الأسد المخلوع في كانون الأول 2024، مع انتقال الاهتمام الدولي تدريجياً من الملفات السياسية والأمنية إلى بحث فرص الاستثمار وإعادة تنشيط الاقتصاد، بالتوازي مع مساعٍ حكومية لاستقطاب رؤوس الأموال العربية والأجنبية.
حلقة في سلسلة
وخلال الأشهر الماضية، كثّفت الحكومة السورية اتصالاتها مع الحكومات والمؤسسات المالية الدولية وغرف التجارة، كما أجرى الرئيس أحمد الشرع سلسلة لقاءات مع رجال أعمال ومستثمرين سوريين وعرب وأجانب، ركزت على فرص الاستثمار في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والخدمات، باعتبارها أولوية في مرحلة التعافي الاقتصادي.
وتزامناً مع الانفتاح السياسي على دمشق، شهدت الأشهر الأخيرة مباحثات سورية مع مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA)، إضافة إلى لقاءات مع شركات أميركية في واشنطن لبحث إزالة العقبات أمام الاستثمار وتعزيز الضمانات المقدمة للمستثمرين.
فرص واعدة في مرحلة انتقالية
ويرصد خبراء مجريات العلاقات الاقتصادية بين سوريا والولايات المتحدة، التي تشهد تحولاً تاريخياً، إذ بدأت تنتقل فعلاً، من عقود من العزلة والعقوبات إلى أفق جديد من التعاون والشراكة. هذا التحول، الذي تسارعت وتيرته بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، يفتح الباب أمام فرص استثمارية وتجارية واسعة، ويعيد رسم ملامح الاقتصاد السوري ومكانته الإقليمية.
من العقوبات إلى الانفتاح
ويمثل إلغاء الإطار القانوني للعقوبات الأساسية على سوريا حجر الزاوية في هذا التحول. ففي يونيو 2025، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بإنهاء برنامج العقوبات على سوريا، تلاه في ديسمبر 2025 إلغاء كامل لقانون "قيصر" ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أطلقت الإدارة الأميركية إجراءات رسمية لشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار وصفه وزير المالية السوري باللحظة التاريخية التي ستدعم المستقبل الاقتصادي للبلاد.
هذه التغييرات لم تكن رمزية فحسب، بل ترجمت عملياً بإزالة 518 فرداً وكياناً من قائمة العقوبات، وإصدار تراخيص عامة تسمح للمؤسسات المالية الأميركية بإقامة علاقات مراسلة مع المصارف السورية، والسماح بتحويلات مالية كانت محظورة لأكثر من عقد.
قطاعات واعدة للاستثمار والتعاون
يرى خبراء تحدثت إليهم " العين السورية"، أن ثمة الكثير من القطاعات التي تمثل فرصاً حقيقية للشركات والمستثمرين الأميركيين في السوق السورية الجديدة، حيث تصدر قطاع الطاقة هذه القائمة بجدارة.
ويشير هؤلاء إلى خطوات تعكس ثقة دولية متزايدة، إذ وقّعت الشركة السورية للنفط عقد تنفيذ كبير مع شركتي "كونوكو فيلبس" و"نوفاتيرا إنرجي" الأميركيتين لتطوير حقول الغاز ورفع الإنتاج. ويُتوقع أن يضيف هذا المشروع ما بين 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز خلال عام من بدء العمل، مما سيخفف بشكل كبير فاتورة الاستيراد ويعزز أمن الطاقة في البلاد. ويأتي هذا بعد توقيع مذكرات تفاهم سابقة مع شركات أميركية مثل "شيفرون" و"HKN Energy"، مما يؤكد وجود استراتيجية أميركية واضحة للاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
مال وإعمار
ويبرز القطاع المالي السوري كبيئة جاذبة للاستثمارات الأميركية، وفقاً للخبراء، وجرت خطوات عملية على الأرض باتجاه إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي عبر لقاءات جمعت محافظ مصرف سوريا المركزي مع كبرى المؤسسات المالية مثل "جي بي مورغان" لوضع خطط لإصلاح القطاع المصرفي وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
ومن جانب آخر ومع حاجة سوريا الملحة لإعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب، تبرز فرص كبيرة لشركات البناء والبنية التحتية الأميركية، خاصة مع إشارات من الجانبين لإزالة الرسوم الجمركية وتسهيل دخول الشركات الأميركية.
من الرقميات إلى الزراعة
كما يبدو قطاع التكنولوجيا والاتصالات من المجالات الواعدة للشركات الأميركية، حيث تمثل سوريا سوقاً ناشئة وغنية بالفرص في هذا المجال.
ومع عودة الاستقرار، تبرز فرص في قطاعي السياحة والزراعة، إلى جانب مجالات الصناعة والخدمات اللوجستية.
إطار مُمأسس للتعاون الاقتصادي
لم تقتصر الجهود على الجانب الرسمي فحسب، بل امتدت لإنشاء أطر مؤسسية تدعم التعاون طويل الأمد. تأسس مجلس الأعمال السوري- الأميركي في واشنطن يونيو 2025، والذي يعقد منتداه في دمشق اليوم، ليكون منصة محايدة تهدف إلى تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين. وقد لعب المجلس دوراً محورياً في تنظيم لقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولين حكوميين ومصرفيين من الجانبين، وفي صياغة أوراق سياسات قدمت للإدارة الأميركية لتوصي بفتح السوق السورية أمام الاستثمار الأميركي وإزالة الحواجز التجارية. كما شهدت دمشق في يوليو 2026 انعقاد المنتدى التجاري السوري-الأميركي الأول، الذي جمع مسؤولين حكوميين وقادة أعمال ومستثمرين لبحث آليات توسيع التعاون الاقتصادي الثنائي.
تفاؤل مشروط بالجهد
في العموم، تقف العلاقات الاقتصادية السورية - الأميركية على أعتاب مرحلة جديدة، حيث تحولت سوريا من ساحة عقوبات إلى سوق واعدة وجاذبة للاستثمارات الأميركية. وتشير المؤشرات، من إلغاء عقوبات إلى توقيع عقود نفطية كبرى وتأسيس أطر مؤسسية، إلى أن الفرص المتاحة حقيقية ومتنوعة. لكن تحويل هذه الفرص إلى واقع ملموس يتطلب تجاوز تحديات البنية التحتية والأمن والاستقرار، مع التزام الإدارة السورية بشفافية الإجراءات وتهيئة المناخ الجاذب للاستثمار. وبينما يبقى المستقبل رهن التطورات الميدانية والإرادة السياسية، فإن الأفق الاقتصادي بين البلدين يبدو أكثر إشراقاً مما كان عليه في أي وقت خلال الخمسين عاماً الماضية.


