سوريا - اقتصاد
سوريون أمام غواية الربح السريع.. أسواق " الفوركس" هل هي فخ أم فُرصة؟
م
منير الرفاعي
نشر في: ١٥ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٣٢
3 دقيقة

تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي في سوريا وبشكل واسع إعلانات تروّج للاستثمار في سوق العملات الأجنبية (الفوركس) والعملات الرقمية، مستهدفة فئة واسعة من الباحثين عن فرص دخل إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتراجع القدرة الشرائية.
إغواء الربح
وتعتمد هذه الحملات الإعلانية على الوعود بتحقيق أرباح مرتفعة خلال فترات زمنية قصيرة، مستخدمة محتوى تسويقي يظهر قصص نجاح وصور حياة مرفهة لأشخاص تعاملوا مع هذه السوق، ما يثير اهتمام الراغبين بتحسين أوضاعهم المعيشية. لكن هذا النشاط يصطدم بواقع قانوني واضح يحظر التعامل أو الترويج للمنصات المرتبطة بهذا النوع من التعاملات داخل سوريا.
ويتحرك الكثير من المتعاملين مع هذه السوق يومياً ضمن قنوات استثمارية غير رسمية، معتمدين على شبكات وسيطة وعمليات شحن رصيد تقوم إلى حد كبير على التحويلات الفردية، خارج إطار القطاع المصرفي المنظم وخارج المظلة الرقابية للجهات المالية المختصة.
ويقول متابعون إن هذه الآليات أصبحت من أبرز الوسائل التي يعتمدها بعض الأفراد للوصول إلى أسواق الفوركس والعملات الرقمية رغم القيود القانونية المفروضة على هذا النوع من الأنشطة.
حظر شامل وإجراءات رقابية
تتبنى الجهات المعنية في سوريا موقفاً صارماً تجاه أنشطة العملات الرقمية وتداولات الفوركس غير المرخصة، فقد حذر مصرف سورية المركزي في بيان أصدره بتاريخ 18/ أغسطس 2025 من المخاطر العالية المحيطة بالتعامل مع هذه الأدوات، لافتاً إلى أن غياب الإطار التنظيمي يعرّض المتعاملين لملاحقات قانونية ويجعل استرداد الأموال مستحيلاً عند الخسارة، بالتوازي مع انتشار شبكات النصب والقرصنة الإلكترونية التي تستهدف المحافظ الرقمية مستغلةً ضعف الوعي المالي، فضلاً عن تقلبات الأسعار الحادة وتذبذبها الشديد الذي قد يتسبب بخسائر فادحة للمستثمرين في فترات زمنية قصيرة.
واختتم البنك المركزي بيانه بضرورة عدم الانسياق وراء الوعود الوهمية بالأرباح السريعة، مؤكداً في الوقت ذاته أن أي تعامل أو استثمار أو تداول في هذا المجال يقع على مسؤولية المتعاملين وحدهم.
وأعلنت هيئة الأوراق المالية السورية صراحة في منشور لها منذ أشهر، أن منصات تداول الفوركس والعملات الرقمية غير مرخص لها بمزاولة هذا النوع من الأعمال، مشددة على أن القوانين السورية النافذة لا تجيز ترخيص هذا النوع من التداول بأي شكل من الأشكال.
ونبهت الهيئة إلى المخاطر العالية للاستثمار في هذه العملات، بالإشارة إلى احتمالات التعرض لعمليات احتيال ممنهجة خلال التداولات، مؤكدة في الوقت ذاته أن ممارسة هذا النشاط محظورة تماماً وتعرض الجهات التي تزاوله للمساءلة القانونية والقضائية.
بين الاستثمار والاحتيال
ورغم الجدل الواسع حول الفوركس، يشير مختصون إلى أن سوق العملات الأجنبية يُعد من أكبر الأسواق المالية في العالم، وتشارك فيه بنوك مركزية ومؤسسات مالية وصناديق استثمار وشركات عالمية.
غير أن الإشكالية، وفق خبراء، لا ترتبط بالسوق العالمي بحد ذاته، بل بطريقة الوصول إليه محلياً، في ظل غياب إطار تنظيمي داخلي واضح، وانتشار وسطاء ومنصات غير مرخصة تستهدف المستثمرين الأفراد عبر الإنترنت.
وفي حديث خاص لـ"العين السورية"، أوضح الخبير الاقتصادي د.علي محمد أن الإقبال على هذه الأنشطة يعكس رغبة لدى شريحة من الشباب في إيجاد مصادر دخل بديلة، لكنه حذّر من التعامل مع جهات غير خاضعة للرقابة.
وقال محمد: "المشكلة الأساسية لا تكمن في فكرة التداول بحد ذاتها، بل في غياب الضمانات القانونية عند التعامل مع وسطاء أو منصات غير معروفة. في كثير من الحالات يتم عرض أرباح افتراضية بهدف اغراء وجذب المستثمرين لإيداع مبالغ أكبر، قبل أن تظهر لاحقاً صعوبات في السحب أو استرداد الأموال".
وأضاف أن جزءاً كبيراً من المتعاملين الجدد يفتقر إلى الخبرة الكافية في إدارة المخاطر، ما يجعلهم عرضة لخسائر كبيرة خلال فترات قصيرة، خصوصاً عند استخدام الرافعة المالية العالية.
تداعيات أوسع
وأكد د.محمد أن تحذيرات مصرف سورية المركزي وهيئة الأوراق والأسواق المالية السورية تصب في مصلحة المواطن، كي لا ينجر إلى تداول غير مرخص، ويقع في مخاطر الاحتيال والغش وسرقة الأموال، في ظل عدم وجود قانون يحميه من هذا النوع من التعاملات.
ويرى محمد أن المخاطر لا تقتصر على الخسائر الفردية، إذ أن توسع التعاملات المالية عبر قنوات غير رسمية قد يؤدي إلى خروج جزء من السيولة بالعملات الأجنبية خارج النظام المالي المنظم، ما يثير مخاوف تتعلق بالشفافية المالية وحماية المستثمرين.
خط الدفاع الأول
يبيّن د.محمد أن جزءاً من المشكلة يرتبط بضعف الثقافة المالية لدى بعض المتعاملين، حيث يتم النظر إلى التداول الإلكتروني على أنه وسيلة سريعة لتحقيق الثراء، بينما تؤكد التجارب العالمية أن الاستثمار في الأسواق المالية يتطلب معرفة وخبرة وإدارة دقيقة للمخاطر.
ومع استمرار انتشار الإعلانات الرقمية التي تروّج للأرباح السريعة، يبقى الوعي المالي، والتحقق من مصادر المنصات، والالتزام بالقوانين النافذة، من أبرز أدوات الحماية من المخاطر المحتملة.
وفي المحصلة، يؤكد مختصون أن النجاح في الأسواق المالية لا يتحقق عبر الوعود السريعة أو الشعارات التسويقية، بل عبر المعرفة والانضباط وإدارة المخاطر ضمن أطر قانونية وتنظيمية واضحة.
أمام ماسبق من تحذيرات منسوبة لمصرف سوريا المركزي، وهيئة الأوراق والأسواق المالية، والخبراء المتخصصين في الشأن المالي، تبقى المسؤولية على عاتق من يقع في شرك التضليل مأخوذاً بغواية جني الأرباح السريعة.. فالقاعدة القانونية العامة تؤكد أن " القانون لا يحمي المغفلين".


