سوريا - اقتصاد
سيناريو متكامل للمواجهة مع الفساد بتوقيع خبراء.. نحو بيئة لافظة لفاسد ومفسد
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١٦ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:٠٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تراجع ترتيب سوريا على قوائم تراتبية الفساد في العالم، وفقاً لأحدث تقارير منظمة الشفافية الدولية. إلا أن ذلك لا يمكن أن يُعتد به على أنه نتيجة لمعالجات بنيوية مدروسة وممنهجة، وإن كان مؤشراً يدعو للتفاؤل بانكسار صورة نمطية موجعة ومقلقة للمشهد السوري في مرآة منظمات وقوائم التصنيف العالمي.
فالمعالجات والمكافحة الفاعلة والفعالة، تحتاج لسيناريو متكامل، ومستدام تتكامل فيه كافة الأدوات المتاحة واللازمة " القوانين.. الكوادر البشرية.. التقنية". وهنا يمسي من الضروري الاستعانة بآراء خبراء، لبلورة صيغة مثلى تتولاها وتتبناها الدولة، في مهمة صعبة تبدو محفوفة بالصعاب، لأن المواجهة ستكون مع منظومة قائمة على ثقافة تجذّرت ونمت لعقود طويلة من الزمن حتى وصلت إلى ما هي عليه.
إصلاح هيكلي شامل
يجد الخبير الاقتصادي، الدكتور فاخر قربي، أن النهج الأمثل والأكثر فعالية لمكافحة الفساد في سوريا، يتمثّل بتطبيق نموذج "الإصلاح الهيكلي الشامل"، والعمل على الدمج بين الرقابة الرقمية الصارمة وإصلاح الأجور وتفعيل سيادة القانون بشكل مستقل ومحايد، لتفكيك شبكات المصالح المستفيدة من حالة الخلل.
ويُجزم د. قربي في حديثه لـ " العين السورية"، بأن مكافحة الفساد في بيئة معقدة إدارياً وغارقة بيروقراطياً مثل سوريا، لا يمكن أن تنجح بالاعتماد على الشعارات الرنانة، بل تحتاج إلى استراتيجية تجمع بين سد الثغرات القانونية، وتأمين العيش الكريم للموظف العام لقطع مبررات الفساد الصغير.
ويرى أن الاستراتيجية الناجحة لمكافحة الفساد، يمكن إنجازها عبر ثلاثة مسارات متوازية ..
• الوقاية والتجفيف : تبسيط الإجراءات الحكومية لتقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف.
• المحاسبة والردع : تطبيق عقوبات صارمة وعلنية على الفاسدين بغض النظر عن نفوذهم.
• المشاركة المجتمعية : حماية الصحافة الاستقصائية وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني في الرقابة.
تصحيح التشوهات المعيشية
لكن في الواقع مانراه في سوريا منذ عقود.. هو "تفنن" في البيروقراطية وحنكة وذكاء في الالتفاف على القوانين الفضفاضة، التي غالباً ما تكون مفصلة على مقاس المستفيدين منها، وهذا يتطلب من وجهة نظر الخبير قربي - إصلاح إداري ومالي شامل .. يبدأ بإصلاح الأجور والمعيشة و رفع الرواتب، إذ لا يمكن محاربة "الفساد الصغير" (الرشوة الارتشائية) وموظف الدولة يتقاضى راتباً لا يكفي نفقاته الأساسية لبضعة أيام.
وربط الأجور بالمعيشة، أي تحويل الدعم العيني والتأمين الصحي، إلى حزم حقيقية تضمن كرامة الموظف لتجريده من مبرر الحاجة.
التحول الرقمي الكامل
لا يرى د. قربي، كما كثيرين من خبراء الاقتصاد، مناصاً من تعزيز وتوطين مكثف لتطبيقات مفهوم الحكومة الإلكترونية ..أي تحويل المعاملات الرسمية (جوازات، تراخيص، ضرائب، عقارات) إلى منصات رقمية بالكامل.
ثم توطين أدوات وثقافة الدفع الإلكتروني الإلزامي، فإلغاء التعامل النقدي في المؤسسات الحكومية يقطع الطريق على الرشاوى المباشرة ويترك أثراً مالياً يمكن تتبعه.
إصلاح المنظومة القضائية
يُركز الدكتور قربي، ضرورة إصلاح المنظومة القضائية واستقلاليتها " العدل أساس الملك " ..
وتشمل.. فصل السلطات، وإنهاء تغول السلطة التنفيذية أو الأمنية على القضاء
إلى جانب توطين محاكم متخصصة.. أي تفعيل محاكم مالية وإدارية مستقلة، وتعيين قضاة محصنين بمرتبات عالية وحماية أمنية مشددة
وتبدو الشفافية العالية في العقود والمناقصات الحكومية، إحدى أسس الإصلاح، ويمكن الوصول إليها من خلال اعتماد منصة المشتريات العامة، تضمن نشر تفاصيل كافة المناقصات، العقود الاستثمارية، ورخص استغلال الثروات الوطنية علناً.
بالإضافة لتحديد الملاك الحقيقيين، ومنع الشركات الوهمية من الدخول في العقود العامة لكشف شبكات الواجهات المالية.
مساءلة عادلة وحماية للمبلغين
يُلفت د. قربي إلى مزيد من تفعيل المحاسبة من الأعلى إلى الأسفل.. وتعزيز تطبيق قانون "من أين لك هذا؟"
وفحص الذمة المالية على كبار المسؤولين، الضباط، والمدراء العامين بشكل دوري وعلني.
وتبقى النقطة الهامة في الرحلة نحو مكافحة الفساد، هي حماية المبلغين، عبر تشريع قوانين صارمة تحمي الموظفين أو المواطنين الذين يبلغون عن قضايا الفساد من الانتقام الوظيفي أو الأمني.
فمكافحة الفساد عملية بناء هرمي، تنطلق من بناء بيئة أخلاقية وتربوية سليمة، وتنسيقها مع بيئة قانونية لنخرج بنتيجة مفادها بيئة إدارية مرنة وخالية من الفساد والمحسوبيات والولاءات الضيقة.
نهج متكامل
غير بعيد عما سبق، يعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، أن أفضل الأساليب لمكافحة الفساد في سوريا، تعتمد على نهج شامل يجمع بين إصلاح المؤسسات، تفعيل الرقابة، وإشراك المجتمع.
وتشمل هذه الأساليب تعزيز استقلالية القضاء، ورقمنة الخدمات الحكومية للحد من التدخل البشري، دعم دور الهيئات الرقابية، وتبني استراتيجيات فعالة لاسترداد الأموال المنهوبة.
حوكمة
يطوي د. عياش إستراتيجية مكافحة الفساد، تحت عنوان وإسقاطات مفهوم الحوكمة، التي يمكن من خلال التطبيق الفعّال لها، تحقيق الكثير في إنجاز المهمة الحساسة والملحّة.
ويرى في حديثه لـ " العين السورية"، أن "الحوكمة" تؤثّر بشكل مباشر وحاسم، وتعزز فعلياً من النتائج المرجوة من مكافحة الفساد في سوريا، من خلال تجفيف منابعه وتحويل إدارة الدولة من العلاقات الشخصية إلى المؤسساتية. فالشخصنة كانت من أخطر أمراض الإدارة العامة في سوريا، وتعتمد على الولاءات والمحسوبيات على حساب الكفاءات الجدارة، وقد أدت إلى زعزعة صارخة لمفهوم العدالة وتكافؤ الفرص.
ويُعوّل على تطبيقات الحوكمة، لإتاحة عنصر الشفافية والمساءلة والمتابعة الرشيقة، من خلال علنية البيانات المالية والمشتريات الحكومية، مما يسهل مراقبة إنفاق المال العام.
كما تضع الحوكمة، آليات واضحة لمعاقبة المسؤولين المقصرين، وتنهي ظاهرة الإفلات من العقاب.. ومن خلالها تلتزم المؤسسات بمعايير تدقيق صارمة تمنع اختلاس الموارد الوطنية.
التقنية تحت الطلب
وغير بعيد عن المشروع العام الذي يحظى باهتمام كبير في سوريا، يُركز الخبير الاقتصادي على رقمنة الخدمات (الحكومة الإلكترونية).
فالتحول الرقمي يقلل مساحات التعامل المباشر بين الموظف والمواطن، مما يمنع تفشي الرشاوى. كما أنه يوثق الأنظمة الرقمية لكل خطوة إدارية، ويمنع التلاعب بالملفات أو تأخيرها لابتزاز المواطنين.
بيئة قانونية
أما النقطة الأهم، فهي سيادة القانون واستقلال القضاء.. وهذا ماتضمنه الحوكمة، من خلال إخضاع الجميع للقانون بالتساوي، دون استثناءات أو نفوذ سياسي.
مع أهمية توفر بيئة قانونية آمنة للمواطنين والموظفين للإبلاغ عن قضايا الفساد دون خوف من الانتقام.. وتشجيع الشكوى.
الارتقاء بكفاءة الاقتصاد
بعد كل ماسبق من الآثار " الذهبية" للحوكمة.. يأتي تحسين الكفاءة الاقتصادية وجذب الاستثمارات. إذ تبني الحوكمة بيئة استثمارية عادلة ومستقرة، مما يشجع رأس المال الوطني والأجنبي على العمل بعيداً عن الابتزاز.
كما يجب تفعيل استراتيجيات لاسترداد الأموال المنهوبة بالخارج أو الداخل مع الغرامات.
المجتمع والإعلام
ويُعوّل د. قربي على دور المجتمع والإعلام، من خلال تمكين وسائل الإعلام من تسليط الضوء على مكامن الخلل والفساد كأداة رقابية فعالة.
كما لا بد لنجاح جهود مكافحة الفساد من المشاركة المجتمعية، لتكوين تبني مجتمعي ذو تأثير رادع. وذلك من خلال تنمية الوعي وإشراك المواطنين ومنظمات المجتمع الأهلي والنقابات في تقييم أداء مؤسسات الدولة والإبلاغ عن التجاوزات عبر منصات رسمية وموثوقة.


