سوريا - محليات
شاحنات الخضار في حماة.. حمولة أقل وتكاليف أعلى تهدد تسويق المحاصيل
أصحاب الشاحنات والفلاحون والتجار يحذرون من تداعيات القرار على حركة تسويق المنتجات الزراعية وأسعارها، ويطالبون بمراعاة طبيعة نقل الخضار والفواكه.
ر
رحاب محمد
نشر في: ٧ نوفمبر ٢٠٢٦، ١٢:٣٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم يعد نقل الخضار والفواكه بين المحافظات كما سابقاً بالنسبة لأصحاب الشاحنات في حماة، فبعد تخفيض الحمولة المسموح بها من 10 أطنان إلى نحو 6.5 طن، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المحروقات، باتت الرحلة الواحدة تحقق عائداً أقل مقابل تكاليف تشغيل لم تنخفض بالقدر نفسه.
ولم تقتصر تداعيات القرار، الذي دخل حيز التنفيذ قبل أكثر من شهر، على أصحاب وسائل النقل والسائقين، بل امتدت إلى حركة تسويق المنتجات الزراعية في سوق الهال بحماة، وسط تراجع نشاط عدد من الشاحنات وإحجام بعضها عن نقل البضائع إلى المحافظات الأخرى، ما يثير مخاوف من صعوبة تصريف المحاصيل وانعكاس ارتفاع تكاليف النقل على أسعار المنتجات التي تصل إلى المستهلك.
حمولة أقل وتكاليف لا تنخفض
المشكلة الأساسية التي يواجهها أصحاب الشاحنات تتمثل في اختلال معادلة تكلفة النقل، إذ إن تخفيض الحمولة لا يعني بالضرورة انخفاض تكاليف الرحلة بالنسبة نفسها، فهناك مصاريف ثابتة أو شبه ثابتة تتعلق بالوقود وأجور السائقين واستهلاك المركبة وتكاليف التشغيل، لا تتراجع تلقائياً مع انخفاض كمية البضائع المنقولة.
وفي هذا السياق، يوضح عبد الستار عنجاري، صاحب إحدى سيارات الشحن المخصصة لنقل الخضار والفواكه بين المحافظات، أن القرار انعكس على مختلف أطراف العملية التجارية، من أصحاب الشاحنات والسائقين وصولاً إلى المواطنين، باعتبار أن مصالح هذه الأطراف مرتبطة بعضها ببعض.
ويشير في حديثه مع "العين السورية" إلى أن أصحاب الشاحنات وجدوا أنفسهم أمام خيارين، إما التوقف عن العمل والتحميل، أو مواصلة النقل بهوامش ربح محدودة قد تصل إلى الخسارة، ولا سيما مع تزامن تخفيض الحمولة مع ارتفاع أسعار المازوت.
وبحسب عنجاري، كان صاحب الشاحنة يعتمد على نقل كمية أكبر لتحقيق عائد يغطي تكاليف الرحلة، إلا أن خفض الحمولة من 10 أطنان إلى نحو 6.5 طن أضعف قدرته على تغطية هذه النفقات.
ويضيف أن تجاوز الحمولة المسموح بها يعرض أصحاب الشاحنات للمخالفات، موضحاً أن الضابطة الطرقية تفرض، بحسب قوله، غرامة تبلغ 225 ألف ليرة قديمة عن كل طن، ما يضيف أعباء مالية جديدة إلى تكلفة النقل.
ويطالب عنجاري برفع الحمولة إلى ما بين 8 و8.5 طن، بما يحقق توازناً بين مصالح العاملين في قطاع النقل ومتطلبات الحفاظ على الطرقات، معتبراً أن طبيعة الخضار والفواكه تختلف عن البضائع الثقيلة.
من جهته، يؤكد أحمد الشيخ، صاحب شاحنة من منطقة الضاهرية ينقل منتجات الخضار من حماة إلى مدينتي اللاذقية ودمشق، أن نشاطه تراجع بعد تطبيق القرار ورفع أسعار المازوت، موضحاً أن عائد النقل لم يعد يغطي التكاليف كما كان سابقاً.
ويبين أنه كان ينقل عشرات الأطنان من المنتجات باستخدام خمس سيارات، بينما أصبح مضطراً إلى توزيع الكميات على عدد أكبر من السيارات بعد تخفيض الحمولة، وفق تقديره، الأمر الذي يرفع نفقات النقل والتشغيل.
ولا تقتصر التداعيات، بحسب الشيخ، على أصحاب الشاحنات، بل تمتد إلى السائقين، إذ اضطر بعض أصحاب وسائل النقل إلى الاستغناء عن عدد منهم نتيجة ارتفاع الأجور، التي تصل إلى نحو 500 ألف ليرة للسائق، بالتزامن مع تزايد المخاطر المالية المرتبطة بتجاوز الحمولة المحددة والتعرض للمخالفات.
ويطالب الشيخ بالإبقاء على الحمولة السابقة، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في حالة الطرقات وحاجتها إلى الصيانة وإعادة التأهيل، وليس في نقل المنتجات الزراعية بحد ذاته.
ويقترح، في حال تعذر إعادة الحمولة السابقة، اعتماد رسوم محددة بدلاً من تخفيضها، بما يسمح باستمرار النشاط التجاري.

السائقون يشكون تراجع فرص العمل
ولا تتوقف تداعيات تخفيض الحمولة عند ارتفاع تكاليف تشغيل الشاحنات، بل تمتد إلى السائقين الذين ترتبط دخولهم بانتظام حركة النقل وعدد الرحلات المنفذة.
ويشكو السائق مصعب الأحمد لـ"العين السورية" من تراجع فرص عمله بعد تطبيق القرار، موضحاً أنه لم يعد يعمل بالمعدل السابق، في ظل منافسة سائقين آخرين قادرين على نقل كميات أكبر دون التعرض للمخالفات، الأمر الذي يدفع بعض التجار وأصحاب الشاحنات إلى تفضيل التعامل معهم.
ويرى الأحمد أن الحل يكمن في إعادة النظر بالأوزان المسموح بها، بحيث تصبح الحمولة بين 8 و8.5 طن، بما يحقق توازناً بين مصالح السائقين والتجار والمستهلكين.
ويشير إلى أنه يعمل في هذا المجال منذ أكثر من خمس سنوات، ولم يتعرض لحادث على الطرقات، رداً على الحديث عن أن من مبررات القرار الحد من تهور السائقين وحمايتهم من مخاطر الحمولة الزائدة، مضيفاً: "نحن نعمل كسائقين لتأمين لقمة العيش وليس للسباق".
صعوبات تصريف المحاصيل
ومع تراجع نشاط النقل بين المحافظات، تمتد آثار القرار إلى الفلاحين الذين يصرفون محاصيلهم في سوق الهال، ومنه إلى أسواق المحافظات الأخرى بالاعتماد على الشاحنات.
وفي هذا الإطار، يشير الفلاح محمد جمعة، وهو في الخمسينيات من عمره، إلى الصعوبات التي بات يواجهها في تصريف منتجاته، التي يضعها بالأمانة لدى تجار سوق الهال.
ويخشى جمعة أن يؤدي إحجام عدد من الشاحنات عن نقل الخضار إلى المحافظات الأخرى، التي تشكل أسواقاً مهمة لتصريف إنتاج حماة، إلى تراكم كميات من المحاصيل داخل السوق، ما يعيد الفلاحين إلى مشكلة تصريف بضائعهم.
تراجع حركة التسويق في سوق الهال
وتبدو تداعيات القرار أكثر وضوحاً في سوق الهال بحماة، حيث تتأثر حركة تسويق المنتجات الزراعية بتراجع عدد الشاحنات العاملة وارتفاع تكاليف نقل البضائع إلى أسواق المحافظات الأخرى.
ويؤكد التاجر فيصل فاعور أن السوق شهد حالة كساد بعد تخفيض حمولة شاحنات الخضار والفواكه، موضحاً أن أصحاب الشاحنات كانوا ينقلون قسماً كبيراً من المنتجات الزراعية إلى المحافظات الأخرى، ما كان يتيح تصريف كميات أكبر من المحاصيل.
ويشير إلى أن بقاء هذه الكميات داخل حماة لا يمثل حلاً، خصوصاً أن سوق الهال تستقبل بدورها منتجات من مناطق ومحافظات أخرى، ما يزيد أهمية استمرار حركة التبادل التجاري بين الأسواق.
ويضيف أن السماح بنقل 6.5 طن بدلاً من 10 أطنان يرفع تكلفة نقل الكميات نفسها، ولا سيما أن الحمولة الجديدة لا تغطي، بحسب تقديره، تكاليف النقل والشحن، في حين أن تجاوز الوزن المحدد يعرض أصحاب الشاحنات لغرامات كبيرة، فضلاً عن احتمال إعادة البضاعة.
ويستشهد فاعور بتغير أسعار البندورة، حيث تباع حالياً بنحو 3500 ليرة، بعدما كانت أسعارها تراوح بين 2000 و2500 ليرة، عازياً جانباً من هذا الارتفاع إلى زيادة تكاليف النقل وتراجع حركة تسويق المنتجات، إضافة إلى عوامل أخرى معروفة تؤثر في رفع أسعار السلع.
مطالب باستثناء شاحنات الخضار
أمام هذه التداعيات، تتجه مطالب العاملين في سوق الهال نحو مراجعة قرار تخفيض الحمولة، واستثناء شاحنات نقل الخضار والفواكه منه، أو اعتماد أوزان تسمح باستمرار حركة النقل دون الإضرار بمتطلبات السلامة الطرقية.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس لجنة سوق الهال بحماة عزام فران، في حديث لـ"العين السورية"، أن اللجنة تتابع الموضوع مع الجهات المعنية في دمشق، وعقدت اجتماعات عدة بهدف الوصول إلى صيغة تسمح باستثناء شاحنات نقل الخضار والفواكه من القرار.
وبحسب قوله، استجابت وزارة النقل لهذا المطلب بعد سلسلة من الاجتماعات، قبل أن تعود عن موقفها لاحقاً، مشيراً إلى أن قرار الوزارة بالسماح بزيادة طن واحد على الوزن القائم لكل محور من محاور الشاحنات، وفق الأوزان المثبتة في رخص سيرها، وبشرط ألا يتجاوز الوزن الإجمالي 60 طناً، حتى نهاية العام الجاري، يشمل شاحنات الخضار أيضاً.
ورغم أهمية هذا التمديد، يرى رئيس اللجنة أن المشكلة لم تعالج بصورة نهائية، إذ لا تزال الأوزان المسموح بها وتكاليف النقل تشكل عبئاً على العاملين في القطاع.
ويشير إلى أن المواطن هو المتضرر الأكبر من استمرار هذه الإجراءات، باعتبار أن أصحاب الشاحنات سيضطرون إلى تحميل التكاليف الإضافية على أسعار البضائع المنقولة بين المحافظات، لتغطية نفقات النقل والتشغيل.
ويستغرب إدراج الخضار والفواكه ضمن قائمة السلع المشمولة بتخفيض الحمولة، معتبراً أن طبيعتها تختلف عن المواد الثقيلة مثل الصخور والحديد، وأن المشكلة الأساسية تكمن، من وجهة نظره، في حالة الطرقات وحاجتها إلى الصيانة وإعادة التأهيل.
كما يشدد على ضرورة مراعاة ظروف أصحاب الشاحنات عند المرور على قبانات قياس الأوزان، وتجنب فرض مخالفات تزيد من أعبائهم الاقتصادية، ولا سيما في ظل حالة الجمود التي يشهدها سوق الهال، وفق وصفه.
ولفت فران إلى استمرار التنسيق مع رؤساء لجان أسواق الهال في المحافظات، من خلال اجتماعات تعقد في دمشق، بهدف الوصول إلى حل يتيح استثناء شاحنات الخضار من القرار، نظراً لارتباط حركة نقلها بتسويق المحاصيل وتأمين احتياجات الأسواق.
بين متطلبات السلامة وأعباء النقل
في المقابل، تؤكد وزارة النقل أن إجراءات ضبط أوزان الشاحنات ضرورية لحماية الطرق والجسور، والحد من الأضرار الناجمة عن الحمولات الزائدة، وتعزيز السلامة المرورية.
وكانت الوزارة قد فعلت في آب الماضي ضابطة الأوزان الطرقية في المحافظات، في إطار إجراءات تهدف إلى ضبط الحمولات المسموح بها والحد من تجاوز الأوزان المحددة.
وفي الوقت نفسه، أقرت الوزارة بتأثير ارتفاع تكاليف نقل البضائع نتيجة زيادة أسعار المازوت، وما يمكن أن يتركه ذلك من انعكاسات على أجور الشحن وأسعار المواد الغذائية والخضار.
واستجابة لمطالب السائقين، أعلنت وزارة النقل في 29 تشرين الأول الفائت تمديد السماح بزيادة طن واحد على الوزن القائم لكل محور من محاور الشاحنات، وفق الأوزان المثبتة في رخص سيرها، وبشرط ألا يتجاوز الوزن الإجمالي 60 طناً، حتى نهاية العام الجاري، في خطوة قالت إنها تهدف إلى مراعاة ظروف العاملين في قطاع النقل وتسهيل حركة البضائع.
وبناء على متطلبات حماية الطرقات ومطالب العاملين في قطاع النقل الزراعي، تبرز الحاجة إلى مراجعة القرار بما يراعي طبيعة شاحنات الخضار والفواكه وتكاليف تشغيلها، ويضمن استمرار نقل المحاصيل بين المحافظات. فتعطل هذه الحركة لا يقتصر أثره على أصحاب الشاحنات، بل يمتد إلى الفلاحين والتجار والمستهلكين.


