سوريا - اقتصاد
شركات التأمين إلى بورصة دمشق.. أسهم أكثر أم سوق أعمق؟
قرار إلزام شركات التأمين الخاصة بالتحول إلى مساهمة عامة وإدراج أسهمها يوسّع قاعدة الشركات في بورصة دمشق، لكن تجربة السوق تطرح سؤالاً أكبر: هل يؤدي الإدراج إلى سيولة أعمق وتمويل أكبر للاقتصاد؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٢:٤٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

مع صدور قرار وزير المالية محمد يسر برنية، بصفته رئيس مجلس إدارة هيئة الإشراف على التأمين، باتت شركات التأمين الخاصة المرخصة في سورية ملزمة بتعديل شكلها القانوني والتحول إلى شركات مساهمة عامة مدرجة في سوق دمشق للأوراق المالية.
ومنح القرار الشركات مهلة تصل إلى 18 شهراً، اعتباراً من 9 أيلول 2026، لتوفيق أوضاعها القانونية والمالية والإدارية.
وتأتي الخطوة في إطار تعزيز حوكمة شركات التأمين وفتح المجال أمامها لزيادة رؤوس أموالها، بالتوازي مع توسيع قاعدة الشركات المدرجة وزيادة الأوراق المالية المتاحة للتداول.
لكن بالنسبة إلى بورصة دمشق، فإن أهمية القرار تتجاوز قطاع التأمين نفسه. فالسؤال الذي تطرحه الخطوة هو ما إذا كان إدراج شركات جديدة سيؤدي فعلاً إلى زيادة السيولة وتعميق السوق وتوسيع قاعدة المستثمرين، أم أنه سيضيف مزيداً من الأسهم إلى سوق ما زال يعاني من تقلبات حادة في التداول.
قطاع التأمين في سورية.. من الاحتكار إلى الانفتاح
شهد قطاع التأمين السوري تحولاً هيكلياً منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. فقبل عام 2005، كانت المؤسسة العامة السورية للتأمين الجهة الوحيدة العاملة في السوق، بعد تأسيسها عام 1952.
ومع صدور المرسوم التشريعي رقم 43 لعام 2005، فُتح الباب أمام القطاع الخاص، وبدأت شركات التأمين الخاصة بالترخيص والعمل تدريجياً اعتباراً من عام 2006.
ويضم القطاع حالياً 12 شركة تأمين خاصة، بينها ست شركات مدرجة في بورصة دمشق، إلى جانب المؤسسة العامة السورية للتأمين وشركة لإعادة التأمين، فيما يخضع القطاع لإشراف هيئة الإشراف على التأمين.
ويعني القرار الجديد أن شركات التأمين الخاصة غير المدرجة ستدخل تدريجياً إلى السوق المالية، ما يزيد عدد الأوراق المالية المتاحة للتداول، ويضع البورصة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على استيعاب شركات إضافية وتحويل الإدراج إلى تداول فعلي ومستمر.
بورصة دمشق.. نمو في الحجم وتذبذب في التداول
منذ انطلاق التداول في بورصة دمشق عام 2009، مر السوق بمراحل متباينة، ولم يتخذ مساراً تصاعدياً مستقراً.
وخلال الفترة الممتدة من 2009 حتى نهاية 2025، بلغت قيمة التداول الإجمالية نحو 2.324 تريليون ليرة سورية قديمة، مقابل تداول نحو 828.8 مليون سهم عبر 484,873 صفقة.
وبدأت قيمة التداول من نحو 1.66 مليار ليرة في 2009، قبل أن تتذبذب بصورة كبيرة خلال السنوات التالية. وارتفعت إلى نحو 351.1 مليار ليرة في 2021، ثم تراجعت إلى 102 مليار ليرة في 2022، قبل أن ترتفع إلى 241.6 مليار ليرة في 2023، وتسجل أعلى مستوى لها في 2024 عند نحو 1.004 تريليون ليرة.
وفي 2025، بلغت قيمة التداول نحو 501.4 مليار ليرة. ورغم أن الرقم يقل بنحو النصف عن مستوى 2024، فإن المقارنة المباشرة بين العامين تحتاج إلى الحذر، إذ توقف التداول في السوق في 5 كانون الأول 2024، ولم يُستأنف إلا في 2 حزيران 2025، بعد نحو ستة أشهر من التوقف.
لذلك، لا يمكن قراءة انخفاض قيمة التداول السنوية في 2025 باعتباره مؤشراً منفرداً على تراجع نشاط السوق، نظراً لاختلاف عدد جلسات التداول بصورة كبيرة بين العامين.
وفي المقابل، ارتفعت القيمة السوقية للشركات المدرجة من نحو 61.1 مليار ليرة في 2009 إلى قرابة 25 تريليون ليرة سورية قديمة بنهاية 2025، فيما ارتفع عدد الشركات المدرجة من 12 شركة عند انطلاق السوق إلى نحو 27 شركة في السنوات الأخيرة.
لكن ارتفاع القيمة السوقية وعدد الشركات لا يعني بالضرورة أن السوق أصبح أكثر عمقاً أو سيولة. فالقيمة السوقية تتأثر بتحركات أسعار الأسهم وعوامل إعادة التقييم، بينما تعكس قيمة التداول النشاط الفعلي الذي يحدث داخل السوق.
الصفقات الضخمة.. أكثر من نصف قيمة التداول
وتصبح الصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى طبيعة التداولات نفسها.
فمن أصل نحو 2.324 تريليون ليرة هي إجمالي قيمة التداول في بورصة دمشق بين 2009 ونهاية 2025، بلغت قيمة التداولات العادية نحو 961.6 مليار ليرة، مقابل نحو 1.362 تريليون ليرة للصفقات الضخمة.
وبذلك شكلت الصفقات الضخمة نحو 58.6% من إجمالي قيمة التداول التاريخية، مقابل نحو 41.4% للتداولات العادية.
ولا يعني ارتفاع حصة الصفقات الضخمة أنها لا تمثل نشاطاً اقتصادياً حقيقياً، لكن وجودها بهذه النسبة يجعل إجمالي قيمة التداول مؤشراً غير كافٍ وحده للحكم على عمق السوق.
فالسوق الأكثر عمقاً لا يقاس فقط بحجم الأموال المتداولة، وإنما أيضاً باستمرارية التداول، وتوزع السيولة على عدد أكبر من الأسهم، واتساع قاعدة المستثمرين، وقدرة الشركات على استخدام السوق للحصول على تمويل جديد.
شركات التأمين.. اختبار قائم قبل وصول الشركات الجديدة
وتكتسب شركات التأمين أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأن القطاع ليس جديداً على بورصة دمشق. فهناك بالفعل ست شركات تأمين مدرجة، ما يوفر تجربة سابقة يمكن من خلالها قياس العلاقة بين الإدراج والسيولة.
وتظهر البيانات التاريخية أن أسهم شركات التأمين سجلت، بين 2009 ونهاية 2025، قيمة تداول إجمالية بلغت نحو 104.6 مليار ليرة سورية قديمة، من أصل 2.324 تريليون ليرة هي إجمالي تداولات السوق خلال الفترة نفسها.
وبذلك شكلت شركات التأمين نحو 4.5% من قيمة التداول التراكمية في بورصة دمشق.
كما بلغ حجم التداول على أسهم شركات التأمين نحو 57.9 مليون سهم عبر 31,557 صفقة، أي نحو 7% من إجمالي حجم الأسهم المتداولة وقرابة 6.5% من إجمالي عدد الصفقات في السوق منذ انطلاقه.
أما القيمة السوقية لشركات التأمين المدرجة في نهاية 2025، فبلغت نحو 1.195 تريليون ليرة قديمة، مقابل قرابة 25 تريليون ليرة لإجمالي القيمة السوقية للسوق، أي ما يعادل نحو 4.8% منها.
هذه الأرقام لا تعني أن إدراج شركات التأمين لم يضف شيئاً إلى السوق، لكنها تشير إلى أن الإدراج بحد ذاته لا يضمن بالضرورة تداولاً واسعاً أو سيولة مستقرة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية القرار الجديد: فإذا دخلت شركات تأمين إضافية إلى البورصة، فإن الاختبار لن يكون في ارتفاع عدد الشركات فقط، وإنما في قدرة هذه الشركات على توليد نشاط تداول مستمر وجذب مستثمرين جدد.
2023 قفزة في تداول أسهم التأمين لم تستمر
وتظهر بيانات القطاع أن السيولة على أسهم شركات التأمين شهدت تقلبات كبيرة خلال السنوات الماضية.
فبعد أن بلغت قيمة التداول نحو 1.67 مليار ليرة في 2019، ارتفعت إلى 5.5 مليار ليرة في 2021، ثم إلى 8.2 مليار ليرة في 2022، قبل أن تقفز بصورة استثنائية إلى نحو 38.3 مليار ليرة في 2023.
لكن هذه القفزة لم تستمر بالمستوى نفسه؛ إذ تراجعت قيمة التداول إلى نحو 20.9 مليار ليرة في 2024، قبل أن ترتفع مجدداً إلى نحو 26.4 مليار ليرة في 2025.
وتكشف هذه الحركة أن زيادة المعروض من الأسهم يمكن أن ترفع النشاط في بعض الفترات، لكنها لا تضمن وحدها استمرار السيولة. فحجم التداول يتأثر أيضاً بالطلب على الأسهم، وعدد المستثمرين النشطين، والقدرة الشرائية المتاحة، وطبيعة الصفقات التي تنفذ في السوق.
الإدراج وحده لا يكفي
تضع هذه الأرقام القرار الجديد أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد زيادة عدد الشركات المدرجة.
فمن جهة، سيؤدي دخول شركات تأمين جديدة إلى زيادة عدد الأوراق المالية المتاحة للمستثمرين، وتوسيع قاعدة الشركات الخاضعة لمتطلبات الإفصاح والحوكمة، وربما فتح المجال أمام زيادة رؤوس الأموال من خلال السوق.
ومن جهة أخرى، تظهر تجربة الشركات المدرجة بالفعل أن زيادة عدد الأسهم أو ارتفاع القيمة السوقية لا تؤدي تلقائياً إلى زيادة السيولة.
وهذا يعني أن نجاح القرار بالنسبة إلى بورصة دمشق لن يقاس بعدد شركات التأمين التي ستتحول إلى شركات مساهمة عامة، بل بما إذا كان إدراجها سيؤدي إلى زيادة التداول المنتظم، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتحسين قابلية الأسهم للبيع والشراء، وفتح قناة أكثر فاعلية أمام الشركات للحصول على التمويل.
فالهدف النهائي من تعميق السوق المالية لا يتمثل في أن تصبح لديها شركات أكثر فحسب، وإنما في أن تصبح أكثر قدرة على جمع المدخرات وتوجيهها إلى الاستثمار وتمويل الشركات.
من زيادة عدد الشركات إلى تعميق السوق
تكشف تجربة بورصة دمشق منذ انطلاقها عام 2009 أن زيادة عدد الشركات المدرجة وارتفاع القيمة السوقية لا يكفيان وحدهما لبناء سوق مالية عميقة، ما لم يترافقا مع تداول نشط وقاعدة أوسع من المستثمرين وقدرة حقيقية على توجيه المدخرات نحو الاستثمار وتمويل الشركات.
وفي هذا السياق، يمثل قرار إلزام شركات التأمين الخاصة بالتحول إلى شركات مساهمة عامة وإدراج أسهمها في بورصة دمشق خطوة إيجابية ومهمة في الاتجاه الصحيح. فهو لا يضيف شركات جديدة إلى السوق فحسب، بل يفتح أيضاً الباب أمام توسيع قاعدة الملكية وتعزيز الإفصاح والحوكمة، ويمنح هذه الشركات فرصة أوسع للوصول إلى رأس المال.
غير أن الفرصة الأكبر تكمن في تحويل هذا القرار من خطوة قطاعية إلى بداية مسار أوسع. فإذا نجحت سورية في تشجيع الشركات القادرة في مختلف القطاعات على التحول إلى مساهمة عامة والإدراج في البورصة، فإن سوق دمشق يمكن أن تتحول تدريجياً من سوق محدودة النشاط إلى أداة فعالة لتعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار ودعم النمو الاقتصادي.


