سوريا - اقتصاد
شركات الطاقة السورية إلى البورصة.. هل تبيع الدولة جزءاً من ملكيتها؟
طرح محتمل لجزء من أسهم شركات الطاقة السورية مستقبلاً مع بقاء الدولة مالكاً رئيسياً
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٠:١٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

وزير الطاقة محمد البشير أوضح، في كلمته أمام مجلس الشعب، أن وزارة الطاقة أُحدثت بموجب المرسوم رقم 150 لعام 2025، الذي نص على إحداث ثلاث شركات هي الشركة السورية للبترول، والشركة السورية للكهرباء، والشركة السورية للتعدين، على أن تكون شركات عامة قابضة مملوكة للدولة بنسبة 100%
وأكد البشير أن هذا التوجه لا يعني الخصخصة، موضحاً أن ملكية الشركات ما تزال للدولة بالكامل في المرحلة الراهنة، لكنه أشار إلى إمكانية طرح جزء من أسهمها مستقبلاً في الأسواق المالية المحلية أو الدولية، بعد استقرار أدائها وتقييم رؤوس أموالها، مستشهداً بتجربة شركة أرامكو السعودية.
من شركة حكومية إلى كيان استثماري
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين في حديثه مع "العين السورية" أن تحويل قطاعات الطاقة إلى شركات اقتصادية قابضة مملوكة للدولة يمكن أن يشكل خطوة باتجاه فصل الإدارة الاقتصادية عن الإدارة الحكومية التقليدية، ورفع الكفاءة والحوكمة والمساءلة.
لكن الانتقال إلى مرحلة طرح الأسهم، بحسب محي الدين، يحتاج إلى بناء شركات قابلة للاستثمار أولاً. فوجود شركة مملوكة للدولة لا يعني تلقائياً أنها جاهزة للاكتتاب، إذ يجب أن تصبح أصولها وأداؤها ووضعها المالي قابلة للقياس والتقييم بصورة واضحة.
ومن هنا، فإن طرح جزء من الملكية لا يعني بالضرورة خصخصة الشركة بالكامل. فإذا احتفظت الدولة بالحصة الأكبر والسيطرة الاستراتيجية، يمكن أن يدخل مستثمرون جدد إلى هيكل الملكية من دون انتقال السيطرة إلى القطاع الخاص.
أرامكو.. تجربة يمكن دراستها
استشهد وزير الطاقة بتجربة أرامكو السعودية باعتبارها نموذجاً لشركة بدأت بملكية حكومية كاملة ثم فتحت جزءاً من أسهمها أمام المستثمرين.
ويشير محي الدين إلى أن أرامكو طرحت في اكتتابها الأولي عام 2019 نحو 1.5% من رأس المال، مع بقاء السيطرة الحكومية.
لكن الخبير يرى أن التجربة السعودية يمكن أن تكون نموذجاً للدراسة، وليس بالضرورة وصفة جاهزة للتطبيق في سوريا. فنجاح أي طرح يرتبط بحجم السوق، وعمقه، والسيولة المتاحة فيه، وقدرة المستثمرين والمؤسسات المالية على استيعاب الطروحات الكبيرة.
شروط قبل طرح الأسهم
يضع محي الدين مجموعة من المتطلبات التي ينبغي تحقيقها قبل التفكير في أي اكتتاب، تبدأ ببناء حوكمة حقيقية وتعزيز الشفافية والإفصاح، وتحديث الأنظمة المالية والمحاسبية والإدارية، وصولاً إلى التحول الرقمي.
ويبرز أيضاً شرط إجراء تقييم مستقل وموضوعي وعادل لأصول الشركات وأدائها وقيمتها السوقية، بعيداً عن التقييمات غير المبنية على أسس اقتصادية.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في شركات الطاقة، التي تمتلك أصولاً ضخمة وترتبط أعمالها بقطاعات استراتيجية، ما يجعل تحديد قيمتها الحقيقية مسألة أكثر تعقيداً من مجرد احتساب الموجودات المسجلة في دفاترها.
هل السوق السورية جاهزة؟
لا تتوقف المسألة على جاهزية الشركات وحدها. فحتى إذا أصبحت الشركات الثلاث مؤهلة للطرح، يحتاج سوق رأس المال السوري إلى مزيد من العمق والسيولة حتى يتمكن من استقبال طروحات كبيرة.
ويشير محي الدين إلى أهمية دخول لاعبين مؤسسيين جدد، مثل بنوك الاستثمار والصناديق الاستثمارية والبنوك الرقمية وصناديق التقاعد، بما يخلق قاعدة طلب حقيقية على الأسهم.
فالاكتتاب لا ينتهي بمجرد بيع الأسهم، وإنما تبدأ بعده مرحلة التداول وتقييم المستثمرين لأداء الشركة، وهو ما يتطلب سوقاً قادراً على توفير السيولة والشفافية وآليات التداول المناسبة.
تمويل جديد مع بقاء السيطرة
في حال توافرت هذه الشروط، يمكن لطرح جزء من الأسهم أن يوفر للشركات مصدراً جديداً للتمويل، يساعدها على التوسع وإعادة الاستثمار، مع توسيع قاعدة الملكية وإدخال مستثمرين جدد.
وفي المقابل، يمكن للدولة أن تحافظ على ملكيتها وسيطرتها الاستراتيجية إذا احتفظت بالحصة الأكبر، مع وضع قواعد واضحة لحوكمة الشركات وحقوق المساهمين والإفصاح.
لكن هذه العملية تتطلب موازنة دقيقة بين هدف الحصول على رأس مال جديد والحفاظ على طبيعة الطاقة كقطاع استراتيجي.
من يملك الأسهم ومن يملك القرار؟
حتى الآن، لا يوجد إعلان عن طرح قريب لأسهم الشركات الثلاث. ما طرحه وزير الطاقة هو احتمال يمكن أن يأتي في مرحلة لاحقة، بعد استقرار أداء الشركات وتقدير رؤوس أموالها.
وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق حالياً بنسبة الأسهم التي يمكن أن تطرحها الدولة، بقدر ما تتعلق بقدرة هذه الشركات على التحول إلى كيانات اقتصادية شفافة وقابلة للتقييم، وبقدرة السوق السورية على استيعابها.
فالمسافة بين شركة حكومية مملوكة بالكامل للدولة وشركة قابلة للتداول في البورصة لا تختصرها عملية بيع أسهم، بل تمر أولاً عبر الحوكمة والإفصاح والتقييم المستقل وبناء سوق مالي أكثر عمقاً.
وفي حال تحققت هذه الشروط، يمكن أن يصبح طرح جزء من الملكية أداة لتمويل شركات الطاقة وتوسيع قاعدة الاستثمار، مع بقاء القرار الاستراتيجي بيد الدولة.


