سوريا - ثقافة
"طبق السردين".. تأملات مبكرة في الخراب السوري
س
سمر شمه
نشر في: ٣١ مايو ٢٠٢٦، ٠٩:٣٧
3 دقيقة
0

عُرض قبل أيام في ملتقى "هارموني" بحمص الفيلم الوثائقي السينمائي "طبق السردين" بعد ثلاثين عاماً من إنتاجه ومنعه ومعظم أعمال مخرجه الراحل عمر أميرالاي من العرض في سوريا، لما فيها من انتقادات مباشرة وجريئة لسياسات حزب البعث والنظام الأسدي المجرم.
وهذا الفيلم لم يوثق دمار مدينة القنيطرة بعد الاحتلال الإسرائيلي لها فقط، بل كان تأملاً شخصياً وسياسياً في معنى الهزيمة والذاكرة والمنفى والعلاقة المعقدة بين السينما والواقع.
تُرجم إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية، وفيه عاد أميرالاي برفقة صديقه المخرج السينمائي محمد ملص، ليحكي قصة المدينة والجولان المحتل اعتماداً على الذاكرة والوجدان، أكثر من الحدث، وعلى الحنين أكثر من الصورة المباشرة.
يعود العنوان الغريب لهذا العمل في ذاكرته كما قال أميرالاي في تعليقه الصوتي إلى أول مرة يسمع فيها كلمة إسرائيل، وعدوان إسرائيلي وذلك بعد سؤاله لخالته التي هاجرت من يافا عام 1948، إلى بيروت وعمل زوجها هناك في صيد السمك عن سبب وجود "السردين" على مائدتهم يومياً، و سؤاله لأمه أيضاً عن هذا الأمر وقولها له: "الله يلعن إسرائيل التي كانت السبب في طرد خالتك وزوجها من بلدهم ونزوحهم إلى لبنان".
تحدث المخرج الراحل الذي يُعتبر رائد السينما الوثائقية السورية والعربية، في هذا الوثائقي عن القنيطرة وذكرياته حولها، وتدميرها من قِبل جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 1974، وعن نجاة مبنى واحد فيها هو دار "سينما الأندلس" الذي يبعد أمتاراً قليلة عن الشريط الحدودي، والذي ظهر في بداية الفيلم بمشهد تراجيدي سينمائي أكثر مما هو واقعي تلّخصه كلمات أميرالاي: "الواقع لا يحمي الأشياء. لكن يُخَيل إليّ أن السينما تحميها". وأشار أيضاً إلى سكان المستعمرات وطمعهم بالجولان المحتل وخيراته وكل ما فيه. وذلك بعد أن أعلن كتابةً في مقدمة الفيلم وعلى خلفية سوداء: "السينما فن. وسأقدم السينما والفن".
يقول الراحل في "طبق السردين": "لو علمتُ أن التطرّق لموضوع صراعنا مع إسرائيل سيقودني إلى مزيد من اليأس. من واقع تتلاشى فيه فرص السلام يوماً بعد يوم. لكنت بالتأكيد جنّبت نفسي التورط في هذا المشروع". ويتحدث أيضاً عما تعنيه له محافظة القنيطرة في سرد شخصي يكشف عن تداخل الذاكرة الفردية مع التاريخ السياسي للمنطقة، وعن مأساة النازحين من مرتفعات الجولان، وتمسّك الاحتلال بها بحجة ضمان أمن حدوده. ويأخذنا إلى عوالم طفولته وتفاصيل المدينة الجميلة العامرة بناسها قبل أن تُدمر ويذهب كل شيء فيها أدراج الرياح، ولا يبقى سوى رائحة السردين التي تزكم أنفه، وهي رمز من رموز هزيمة أكتوبر، ودلالة عميقة على أثرها الثقيل في نفوس مثقفي جيله. وبأسلوبه التهكمي المعروف يطرح أسئلة حول تشكل الهوية الوطنية في ظل الاستلاب السياسي والثقافي الذي يعاني منه العرب، ويتتبع أثر النكبة والنكسة في الذاكرة الجمعية، ويمزج بين الموضوعي والذاتي لدفع المتلقي للتأمل فيما حدث من خذلان، والوصول إلى قناعات لم تمليها عليه تفاصيل الفيلم وأفكاره.
تحدث في العمل المخرج السينمائي محمد ملص الذي كان يطوف في دمار القنيطرة مسقط رأسه، عن تاريخ هذه المدينة وجمالياتها، وعن التحولات العنيفة التي شهدتها وعن ذكرياته فيها وتفاصيل طبيعتها وخيراتها، وطرح أسئلة تتعلق بالسينما والهوية وأعماله السينمائية عنها: "صحيح طول الوقت كنت أشتغل أفلاماً عن القنيطرة لأنها مرتبطة جداً بالصراع مع الاحتلال. ولكن كان السؤال بداخلي يتراجع: يا ترى هل هو فيلم عن هذا الصراع. أم عن سينمانا التي كانت غالباً معنية بكل أوجاعنا الداخلية". وهذا ما شغله منذ فيلمه الأول "القنيطرة 74" الذي وثّق فيه الدمار هناك، منحازاً كلياً لمعاناة الناس والمهجرين. وأنهى شهاداته هذه بقوله: "لو كنا نعرف أن القنيطرة ستُدمر. لبقينا فيها ومُتنا فيها. ولم نحولها إلى ذاكرة في الخيال أو صور سينمائية".
كانت كاميرا عمر أميرالاي في الفيلم تلتقط تفاصيل الطبيعة في تلك المدينة الساحرة التي تحولت إلى أنقاض، مُركّزة على الدمار الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي فيها في اليوم الأخير من حرب الأيام الستة عام 1967، وتدميرها بالكامل قُبيل انسحابهم منها عام 1974، وذلك بدمج الصورة مع حوارات ومحادثات شخصية له مع صديقه ملص، لتكون بمثابة تأمل سياسي ووجداني في معنى الهزيمة والذاكرة والمنفى. وفي المشهد الأخير من هذا العمل، رصدت الكاميرا هضاب الجولان الواقعة على الشريط الحدودي في إطلالة إنسانية على مأساة النازحين الذين يتبادلون رسائلهم وأشواقهم مع ذويهم خلف الحدود بمكبرات الصوت.
النبرة التسجيلية الكاشفة كانت واضحة جداً في هذا الوثائقي القصير، و اللقطات صادمة وواقعية تكشف المجهول، وتثير انفعالات المتلقي ومشاعره العميقة، وتدفع إلى التفكير والبحث والتأمل، لاسيما وأنها تترافق مع شخصيات تبدو وكأنها درامية، مسكونة بالألم والأحلام والحس الوطني العميق.
المعروف عموماً أن سينما عمر أميرالاي ركزت على حياة الناس والمضطهدين، وناقشت فشل المثقف العربي فكرياً وسياسياً، وفساد الأنظمة القمعية والخروج من التاريخ، والنهاية الكارثية للمشروع الثقافي النهضوي.
و عكست أفلامه الشقاء السوري من خلال رؤية فكرية وسياسية نقدية جريئة، أسس من خلالها سينما تسجيلية وثائقية غير تقليدية وغير محايدة تعبر عن رفض اليأس والطغيان اللذين يسيطران على الحياة من حوله، كما كان يقول
رفض سيطرة النظام السوري على الثقافة قائلاً: "إن هذا خنق للابتكار"، وكان يرى إنه يعيش في بلد يسير بشكل ثابت نحو زواله بعد أن خانه حكامه وهجره عقلاؤه، وتخلى عنه مثقفوه.
مرّ زمن طويل على تصوير هذا الفيلم. اختلفت خريطة المنطقة، والسياسات والتحالفات والصراعات، ورحل عمر أميرالاي في 5 شباط 2011 إثر تعرضه لأزمة قلبية في منزله بالعاصمة السورية دمشق، وذلك قبل انطلاق الثورة السورية بفترة قصيرة، وهو الذي تنبأ بها وبالخراب الذي حلّ بسوريا على يد النظام البائد، الذي حوّل المدن والبلدات الثائرة إلى أطلال ومقابر جماعية، يحاول السوريون اليوم النهوض بها من جديد على أمل العيش في وطن يكفل حقوق أبنائه، ويحمي كرامتهم.


