مرتين أسبوعياً، يضطر والد عبد الرحمن محمد، المصاب بالفشل الكلوي، إلى عبور طريق محمد ذياب للوصول إلى مركز غسيل الكلى في القامشلي. وبين حفر الطريق وصعوبة تأمين سيارة تصل إلى باب المنزل، تتحول رحلة العلاج إلى عبء إضافي على الأسرة، التي تدفع نحو 15 ألف ليرة سورية جديدة شهرياً أجوراً للنقل، وفق ما يرويه ابنه لـ«العين السورية».
هذه المعاناة جزء من يوميات سكان أكثر من 50 قرية وتجمعاً يعتمدون على الطريق للتنقل إلى ناحية القحطانية والقامشلي ومراكز الخدمات. فالطريق، الذي يمتد نحو 50 كيلومتراً ويربط القحطانية بقرى الريف الجنوبي، المعروفة باسم «قرى جنوب الرد»، لم يشهد أعمال تأهيل شاملة منذ 15 عاماً، لتتحول أجزاء منه إلى عائق أمام حركة المرضى والطلاب والموظفين والمزارعين.
لا يحتاج السائق إلى أكثر من دقائق قليلة ليبدأ بتخفيف سرعة مركبته، ثم الانحراف يميناً ويساراً بحثاً عن مساحة أقل تضرراً من الإسفلت. وعلى امتداد أجزاء واسعة من الطريق، تتوزع الحفر والتشققات، وتترك آثارها على زمن الرحلة وكلفة النقل وسلامة المركبات.
وعاينت «العين السورية» مقاطع من طريق محمد ذياب، والتقطت صوراً توثّق الحفر والتشققات وتآكل الطبقة الإسفلتية وحواف الطريق. وتُظهر الصور حفراً متفاوتة الاتساع، انكشفت داخلها الأتربة والحصى، وأجزاءً متفتتة من الإسفلت تتخلل مسار المركبات، في مشهد يوضح جانباً من صعوبة التنقل التي يرويها السكان والسائقون.
صور خاصة لـ«العين السورية» تُظهر الحفر وتفتت الإسفلت في مقاطع من طريق محمد ذياب، الذي يربط القحطانية بقرى جنوب الرد. ويُعرف الطريق محلياً باسم «طريق محمد ذياب»، نسبةً إلى تل أثري يمر به. ويتصل بالطريق الدولي «M4» بالقرب من القحطانية، ويرتبط بطريق البترول المؤدي غرباً باتجاه الحسكة، كما يمتد جنوباً حتى الطريق المعروف بـ«السياسي» قرب الحدود العراقية، ما يمنحه أهمية تتجاوز القرى التي يمر بها.
رحلة العلاج.. مشقة وأجرة إضافية
يقول عبد الرحمن محمد، من أهالي جنوب الرد، لـ«العين السورية»، إن حاجة والده إلى غسيل الكلى مرتين أسبوعياً تفرض عليه تأمين وسيلة نقل منتظمة إلى القامشلي، لكن تردي الطريق يجعل بعض سائقي السرافيس يمتنعون عن سلوكه.
ويضيف أن اضطراره إلى طلب التوصيل حتى باب المنزل، في ظل هذه الظروف، يدفعه إلى دفع أجرة تزيد على الأجرة المحددة، لتصل كلفة النقل الشهرية إلى نحو 15 ألف ليرة سورية جديدة.
ولا تقتصر المشقة على المرضى. فأحمد الجميل، من سكان قرية قرطبة، يقول لـ«العين السورية» إن أجرة الراكب بين قريته والقحطانية تبلغ 500 ليرة سورية جديدة للاتجاه الواحد، أي ألف ليرة ذهاباً وإياباً. ويرى أن سائقي السرافيس «يتحججون» بسوء الطريق وارتفاع أسعار المحروقات لزيادة الأجرة في كل مرة.
أما إبراهيم، فيتنقل من قريته إلى القحطانية، ثم إلى القامشلي، مرتين أو ثلاث مرات شهرياً، فيما تتضاعف المعاناة لدى من يضطرون إلى سلوك الطريق بشكل شبه يومي، كالطلاب والموظفين وبعض المرضى.
ويرى سكان من الريف أنهم يتحملون كلفة تدهور الطرق، وخصوصاً طريق جنوب الرد الحيوي، من خلال ارتفاع أجور النقل وزيادة الوقت اللازم للوصول إلى وجهاتهم.
خلف المقود.. أعطال «لا تنتهي»
من خلف مقود سيارته، يصف رشيد عليان، وهو سائق يعمل على الخط منذ نحو 15 عاماً، وضع الطريق بأنه «كارثي»، مشيراً في حديثه لـ«العين السورية» إلى التشققات ومئات الحفر المنتشرة على امتداده.
وبحسب عليان، يتسبب الطريق بتلف سريع للإطارات، وأعطال في نظام التعليق والتوجيه، المعروف محلياً بـ«الدوزان»، وتقصير عمر المخمدات، فضلاً عن زيادة استهلاك المازوت والبنزين وزيت المحركات، وغيرها من الأعطال التي «لا تنتهي».
ويقول سكان من المنطقة إن تردي الطريق يزيد مدة التنقلات ويرفع أجور النقل، بسبب الأعطال المتكررة التي تصيب المركبات العاملة عليه، مشيرين أيضاً إلى حوادث سير متكررة شهدها الطريق.
أجرة الراكب بالليرة والصيانة بالدولار
يلخص فيصل محمد، أحد السائقين العاملين على الخط، جانباً من المشكلة بقوله لـ«العين السورية» إن ورش الصيانة والإصلاح تتقاضى تكاليفها بالدولار، بينما يحصل السائقون على أجرة الركاب بالعملة السورية، وأحياناً «يبتلع عطل واحد» ما يجنيه السائق من عمل أسبوع كامل.
ويقدر محمد كلفة تبديل زوج من الإطارات بنحو 100 دولار، والمخمدات بنحو 70 دولاراً، فيما يبلغ سعر المقص الواحد 20 دولاراً. ويوضح أن السرفيس الذي يعمل عليه يضم خمسة مقصات في كل جانب، وقد يزيد العدد بحسب نوع المركبة، بينما تصل كلفة إصلاح نظام التوجيه والتعليق «الدوزان» إلى نحو 100 دولار.
ومع تكرار الأعطال، تصبح الصيانة عبئاً متجدداً على السائقين، ينعكس بدوره على كلفة تنقل السكان.
في الورش.. إصلاح بالدين والتقسيط
في المنطقة الصناعية بالقحطانية، تصل آثار الطريق إلى ورش إصلاح السيارات. يقول الميكانيكي خليل الحسين إن ورشته تستقبل باستمرار مركبات تعمل على خط جنوب الرد، وإن أكثر الأعطال التي يلاحظها ترتبط بالإطارات والفرامل وكسور المقصات.
ويشرح أن الاصطدام بالحفر والنتوءات قد يتسبب بأضرار في أكثر من جزء من المركبة، ما يفرض على أصحابها تكاليف إصلاح متكررة.
لكن السائقين لا يستطيعون جميعاً تحمل هذه النفقات، وفق الحسين؛ إذ يلجأ بعضهم إلى إصلاحات مؤقتة وتأجيل استبدال القطع المتضررة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار قطع الغيار. ويضيف أن بعضهم يصلح سيارته لديه «بالدين أو بالتقسيط»، بعدما بات يعرف معظمهم ويحفظ أعطال سياراتهم «عن ظهر قلب».
طريق تتعدد مرجعياته.. ولا خطط للصيانة حالياً
أوضحت بلدية ناحية القحطانية لـ«العين السورية» أن الطريق يمر ضمن الحدود الإدارية لعدد من البلديات، بينها أبو فرع وخويتلة، إلى جانب بلديات أخرى، لكنه يتبع إدارياً لمديرية الخدمات الفنية. وبيّنت أن صيانته ومعالجة عيوب التنفيذ فيه تندرجان ضمن اختصاص الجهات المعنية بمشاريع الطرق، ولا تدخلان ضمن صلاحيات البلدية.
من جهتها، أكدت البلديات المذكورة، في اتصالات أجرتها معها «العين السورية»، عدم وجود خطط لصيانة طريق محمد ذياب في الوقت الحاضر، مشيرةً إلى شح التمويل وعدم تخصيص ميزانيات لها حالياً.
كما راسلت «العين السورية» المسؤول عن الخدمات الفنية في المكتب التنفيذي لمحافظة الحسكة، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى وقت إعداد المادة.