سوريا - تعليم
عام دراسي يبدأ بأكثر من 5 ملايين طالب.. لماذا عاد بعض الطلاب إلى منازلهم بعد بدء الدوام في سوريا؟
عودة مضطربة إلى الصفوف: لماذا عاد بعض الطلاب إلى منازلهم بعد بدء العام الدراسي في سوريا؟
م
مازن محمد
نشر في: ٧ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٨:٣٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

دمشق — بأكثر من خمسة ملايين طالب وطالبة، بدأت المدارس السورية عامها الدراسي الجديد 2026–2027 في واحدة من أوسع عمليات العودة إلى التعليم خلال السنوات الأخيرة، لكن الأيام الأولى حملت معها مشهداً أكثر تعقيداً من مجرد فتح أبواب المدارس.
فبينما أعلنت وزارة التربية والتعليم انطلاق الدوام الرسمي في السادس من أيلول، تداول أولياء أمور عبر منصات التواصل الاجتماعي إفادات عن مدارس استقبلت طلابها قبل أن تعيد بعضهم إلى المنازل أو تعلق دوامهم مؤقتًا، وسط حديث عن نقص في الكوادر وعدم اكتمال التجهيزات في بعض المواقع.
وفي مسار منفصل، أعلنت وزارة الأوقاف رسميًا تأجيل دوام الطلاب في المؤسسات التعليمية الشرعية حتى 13 أيلول، بسبب تأخر نتائج مسابقة المدرسين والحاجة إلى استكمال توزيع الناجحين.
وبين الحالتين، يبرز تحدٍّ أكبر يواجه قطاع التعليم هذا العام: استيعاب زيادة تقارب مليون طالب مقارنة بالعام الماضي، ضمن بنية تعليمية لا تزال تعاني تفاوتاً واضحاً في الإمكانات والجاهزية بين منطقة وأخرى.
5.2 مليون طالب.. ومليون إضافي خلال عام
وفق وزارة التربية والتعليم، توجه أكثر من 5 ملايين و200 ألف طالب وطالبة إلى مدارسهم مع انطلاق العام الدراسي الجديد في مختلف المحافظات السورية.
ويشمل الدوام المدارس الحكومية والخاصة وما في حكمها، وفق الموعد الذي حددته الوزارة، التي قالت إن الانطلاقة جاءت بعد استكمال الاستعدادات لاستقبال الطلاب والعمل على تأمين البيئة التعليمية المناسبة، ضمن جهود تستهدف تحسين واقع العملية التعليمية واستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب.
لكن خلف الرقم الإجمالي، يظهر رقم آخر ربما يكون أكثر دلالة على حجم التحدي.
فمدير التخطيط والإحصاء في وزارة التربية والتعليم كشف، أن عدد الطلاب في المدارس ارتفع بنحو مليون طالب مقارنة بالعام الماضي.
وتعني هذه الزيادة أن المنظومة التعليمية لا تبدأ عاماً جديداً بأعداد كبيرة فحسب، بل مطالبة خلال فترة قصيرة باستيعاب كتلة طلابية إضافية ضخمة تحتاج إلى صفوف ومدرسين ومقاعد وكتب وخدمات مدرسية.
وتأتي الزيادة بالتزامن مع عودة أعداد من الطلاب إلى البلاد وإعادة دمج آخرين في العملية التعليمية، ما يضع عمليات توزيع الطلاب والكادر التدريسي والموارد المتاحة تحت ضغط إضافي منذ الأسابيع الأولى.
عندما يصل القرار المركزي إلى المدرسة
بدأ الدوام الإداري في الأول من أيلول، قبل التحاق الطلاب بالصفوف في السادس منه، وسط استعدادات شملت صيانة الأبنية وتجهيز المرافق وتأمين مستلزمات العملية التعليمية.
لكن تحديد موعد موحد لانطلاق الدراسة لا يعني بالضرورة أن جميع المدارس تبدأ من النقطة نفسها.
فتقارير ميدانية من عدد من المحافظات تشير إلى استمرار الحاجة إلى تأهيل أبنية مدرسية، فضلاً عن نقص بعض التجهيزات والخدمات الأساسية في مناطق متضررة أو نائية.
وهنا تظهر المفارقة التي رافقت الأيام الأولى: وزارة التربية أعلنت استكمال الاستعدادات على المستوى العام، بينما أظهرت بعض الحالات المتداولة أن الجاهزية الميدانية قد تختلف من مدرسة إلى أخرى.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض بين الأمرين؛ إذ إن إدارة منظومة تضم 5.2 مليون طالب، بزيادة تقترب من مليون طالب خلال عام، تجعل مستوى الضغط على المدارس مرتبطًا أيضًا بالواقع المحلي لكل منطقة، وحجم الكادر المتاح، وحالة الأبنية وأعداد الطلاب المسجلين فيها.
لماذا عاد بعض الطلاب إلى منازلهم؟
خلال الأيام الأولى، تداولت منصات التواصل الاجتماعي شهادات لأولياء أمور تتحدث عن مدارس استقبلت الطلاب في 6 أو 7 أيلول، قبل أن تبلغ بعضهم بتعليق الحضور مؤقتاً أو إعادتهم إلى منازلهم.
وتتركز التفسيرات المتداولة حول ثلاثة عوامل رئيسية: عدم اكتمال الكادر التدريسي في بعض المدارس، واستمرار أعمال تجهيز محدودة في مواقع أخرى، والحاجة إلى إعادة تنظيم الصفوف والجداول بعد اتضاح أعداد الطلاب الفعلية.
وتكتسب النقطة الأخيرة أهمية أكبر في ضوء الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب هذا العام، إذ إن إضافة نحو مليون طالب إلى المنظومة خلال عام واحد لا تنعكس على الصفوف وحدها، وإنما تمتد إلى الحاجة إلى مزيد من المدرسين والإداريين والمقاعد والكتب والقدرة الاستيعابية.
ومع ذلك، لا توجد في المعطيات المتاحة إشارة إلى صدور قرار من وزارة التربية بتأجيل الدوام لمدارس التعليم النظامي بعد السادس من أيلول، كما أن الشهادات المنشورة عبر مواقع التواصل لا تكفي بمفردها للحديث عن ظاهرة تشمل المدارس السورية عموماً.
لذلك، تبقى كل حالة بحاجة إلى التحقق من مديرية التربية المعنية لمعرفة سبب توقف الدوام ومدته وعدد الطلاب المتأثرين.
ليست أعداداً فقط.. تحدي البيئة المدرسية
ولا يبدو أن الوزارة تنظر إلى التحدي من زاوية القدرة الاستيعابية وحدها.
فمع وصول أعداد الطلاب إلى مستويات مرتفعة، تحدث مدير التخطيط والإحصاء في وزارة التربية عن أهمية البيئة المدرسية ومنظومة القيم في ضبط المدارس، قائلاً «إذا لم نبنِ منظومة قيم في المدارس فلن نستطيع ضبط أمن المدارس مع أعداد الطلاب الكبيرة».
ويضع التصريح جانباً آخر من تحديات العام الدراسي في الواجهة؛ فإدارة أكثر من خمسة ملايين طالب لا تتعلق بتوفير الصف والمدرس والكتاب فحسب، وإنما بقدرة المؤسسات التعليمية على توفير بيئة مدرسية منظمة وآمنة، خصوصًا مع الزيادة الكبيرة في أعداد المسجلين.
وبذلك يصبح الضغط على المدارس متعدد المستويات: استيعاب الطلاب، وتوفير الكوادر، وضبط الكثافة الصفية، وتأمين المرافق، والحفاظ في الوقت نفسه على بيئة تعليمية مستقرة.
المدارس الشرعية.. التأجيل هنا رسمي
وبخلاف الحالات المتداولة في بعض مدارس التعليم النظامي، جاء تأجيل الدوام في المؤسسات التعليمية الشرعية بقرار رسمي ومسبق.
فقد أعلنت وزارة الأوقاف تأجيل التحاق الطلاب بهذه المؤسسات حتى 13 أيلول، على أن يبدأ دوام المدرسين والإداريين في السادس منه.
وأرجعت الوزارة القرار إلى تأخر صدور نتائج مسابقة المدرسين، والحاجة إلى منح مديريات الأوقاف الوقت اللازم لاستكمال توزيع الناجحين.
ويقدم القرار مثالاً مباشراً على حجم تأثير ملف الكادر في تحديد قدرة المؤسسات التعليمية على بدء الدراسة، لكنه في الوقت نفسه يوضح ضرورة الفصل بين نوعين من الحالات: تأجيل رسمي معلن للمؤسسات التعليمية الشرعية، وحالات متفرقة يجري تداولها بشأن بعض مدارس التعليم النظامي من دون وجود قرار مركزي بتأجيل الدراسة فيها على مستوى البلاد.
الأهالي يسألون.. والوزارة تقول إن أبوابها مفتوحة
مع تداول أخبار عن توقف الدوام في بعض المدارس، برزت مشكلة أخرى: كيف يحصل ولي الأمر على المعلومة الموثوقة؟
ففي ظل انتشار مجموعات واتساب وصفحات محلية وقنوات على تليغرام، يمكن لمعلومة تخص مدرسة واحدة أن تتحول سريعاً إلى حديث عن تأجيل يشمل منطقة بأكملها.
وزارة التربية، من جانبها، تؤكد استعدادها للتواصل؛ إذ قال مدير التخطيط والإحصاء في إن «التواصل معنا سهل جدًا وأبوابنا مفتوحة دائمًا».
لكن اختبار هذه السياسة سيكون في قدرتها ومديريات التربية على تحويل التواصل إلى معلومات محلية سريعة وواضحة، خصوصاً عندما يطرأ تغيير على دوام مدرسة أو مجموعة مدارس.
فبالنسبة إلى الأسرة، لا يكفي الإعلان عن موعد مركزي لانطلاق العام الدراسي، بل تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت مدرسة أبنائها ستستقبلهم في اليوم التالي، وما سبب أي توقف محتمل، ومتى سيعود الدوام إلى طبيعته.
اختبار الـ5.2 مليون
تضع الأرقام هذا العام قطاع التعليم السوري أمام معادلة صعبة: أكثر من 5.2 مليون طالب في المدارس، وزيادة تقارب مليون طالب خلال عام واحد، في وقت لا تزال فيه بعض المناطق تواجه احتياجات تتعلق بالأبنية والتجهيزات والكوادر.
ولهذا، فإن نجاح العام الدراسي لن يقاس بعدد الطلاب الذين دخلوا مدارسهم في صباح السادس من أيلول فقط، وإنما بقدرة المنظومة على إبقائهم في الصفوف وتوفير تعليم منتظم وآمن لهم خلال الأشهر المقبلة.
أما الحالات المتداولة عن إعادة طلاب إلى منازلهم بعد بدء الدوام، فهي تطرح سؤالاً: هل كانت مجرد تعثرات محدودة في الأيام الأولى، أم أنها تكشف عن ضغط أكبر أحدثته الزيادة الاستثنائية في أعداد الطلاب على قدرة بعض المدارس على الاستيعاب؟
الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى بيانات أكثر تحديداً حول أعداد المدارس التي لم ينتظم دوامها، ونقص الكوادر في كل محافظة، والكثافة الصفية بعد الزيادة الأخيرة.
فبين إعلان انطلاق العام الدراسي وبين استقراره فعليًا، تبقى المدرسة نفسها هي المقياس الحقيقي للجاهزية: مدرس حاضر، وصف صالح، ومقعد متاح، وبيئة يستطيع فيها أكثر من خمسة ملايين طالب مواصلة تعليمهم دون انقطاع.

