سوريا - اقتصاد
السوريون يدفعون ثمن الدولار حتى في السلع المسعّرة بالليرة! .. ما الحل؟
بين ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن وتراجع القدرة الشرائية، يدعو خبراء إلى دعم مدخلات الإنتاج وتثبيت أسعار المحروقات الزراعية، فيما يبرز غياب بيانات التكلفة تحدياً أمام ضبط الأسعار وحماية المستهلك.
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٣:٤٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
لم يعد ارتفاع الأسعار في الأسواق السورية مرتبطاً بتقلبات سعر الصرف وحدها، بل بات نتيجة تداخل عوامل عدة، من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة إلى اضطرابات سلاسل التوريد وتراجع القدرة الشرائية. ومع تجاوز سعر صرف الدولار في السوق الموازية حاجز 140 ليرة سورية جديدة، تتسع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف معيشتهم، فيما تزداد الضغوط على الأسر، ولا سيما مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز تساؤلات حول قدرة الإجراءات الرقابية التقليدية على كبح الغلاء، ومدى الحاجة إلى الانتقال نحو حلول اقتصادية تعالج أسباب ارتفاع الأسعار من جذورها، بالتوازي مع إجراءات تحمي ذوي الدخل المحدود من تآكل قدرتهم الشرائية.
الأسعار مشكلة اقتصادية وليست تموينية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور "عمر أسعد"، في حديثه لـ«العين السورية»، أن ضبط الأسعار يتطلب آلية متكاملة على المستويين الحكومي والمجتمعي، مشيراً إلى أن الاعتماد على الدوريات الرقابية التقليدية وتنظيم الضبوط لم يحقق النتائج المطلوبة، لأن مشكلة الأسعار اقتصادية في جوهرها، وليست تموينية بحتة.
ويوضح أسعد أن المعالجة الحكومية ينبغي أن تبدأ بتثبيت تكاليف مدخلات الإنتاج ودعمها، بدلاً من الاقتصار على دعم السلعة النهائية، وذلك عبر توفير المازوت الصناعي والزراعي والأعلاف والأسمدة بأسعار مستقرة ومدعومة للمنتجين، بما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج من المنبع، مع محاولة ربط الدعم بالمخرجات.
ويشير إلى أهمية تضييق الفجوة بين أسعار الصرف وتأمين التمويل اللازم للمستوردين، من خلال تسهيل حصولهم على القطع الأجنبي لاستيراد قائمة السلع الأساسية عبر القنوات الرسمية، للحد من لجوئهم إلى السوق الموازية وما يرافق ذلك من تكاليف إضافية.
كما يدعو إلى توسيع منافذ البيع المباشر وتقليص الحلقات الوسيطة، عبر تفعيل مؤسسات التدخل الإيجابي لشراء المحاصيل والمنتجات مباشرة من المزارعين والمصنّعين وإيصالها إلى المستهلكين، بما يحد من هوامش الأرباح التي يضيفها الوسطاء والسماسرة.
وعلى المستوى المجتمعي، يقترح أسعد تنظيم مبادرات جماعية لمقاطعة السلع غير الأساسية التي تشهد ارتفاعات غير مبررة، بما قد يدفع الجهات المحتكرة إلى مراجعة أسعارها، إلى جانب تعزيز دور جمعيات حماية المستهلك، وتكريس الشفافية في إعلان الأسعار، والإبلاغ المنظم عن حالات الاحتكار.
ويضيف أن المبادرات المحلية التكافلية يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء عن الأسر، من خلال شراء السلع الأساسية بالجملة وتوزيعها من دون تحميلها تكاليف تجارية إضافية.
اقتصاد مدولر وفجوة في أسعار الصرف
وفي تفسيره لتأثير سعر الصرف في الأسعار، يؤكد "أسعد" أن تذبذب الدولار في السوق الموازية وتجاوزه حاجز 141 ليرة سورية جديدة، وفق الأسعار التي يستند إليها في حديثه، يتركان أثراً كبيراً في السوق المحلية.
ويشير إلى أن هذا الواقع يحد من انعكاس أي انخفاض في الأسعار العالمية على السوق المحلية، في ظل استمرار ارتباط تكاليف الاستيراد والإنتاج بتقلبات سعر الصرف وتوقعات التجار بشأن كلفة استبدال بضائعهم.
ركود تضخمي يضغط على المستهلك
يصف الدكتور "عمر أسعد" المشهد الاقتصادي السوري بأنه حالة من «الركود التضخمي»، حيث ترتفع الأسعار بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانخفاض الطلب الفعلي، معتبراً أن هذا التناقض يعكس اختلالات بنيوية في آليات السوق وتكاليف الإنتاج.
ويحدد مجموعة من الأسباب المباشرة وغير المباشرة لارتفاع الأسعار، في مقدمتها زيادة تكاليف الطاقة والمحروقات، ولا سيما بعد القرارات الرسمية المتعلقة برفع أسعار المشتقات النفطية، مثل المازوت والبنزين.
ويقول إن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس على تكاليف تشغيل المولدات والمصانع والمداجن ووسائل نقل البضائع، مقدّراً أن الزيادات في هذه التكاليف قد تتراوح بين 25 و40 بالمئة، بحسب النشاط والقطاع.
كما يشير إلى ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج المستوردة، بما يشمل المواد الخام والأعلاف والأسمدة والمكونات الصناعية، نتيجة زيادة تكاليف الشحن البحري والاضطرابات الإقليمية المحيطة.
أما الأسباب غير المباشرة، فيضع أسعد عجز الموازنة العامة والتضخم النقدي في مقدمتها، موضحاً أن العجز المالي وتراجع الإيرادات قد يفرضان ضغوطاً تضخمية، خصوصاً عندما يجري تمويل العجز بوسائل تؤدي إلى زيادة السيولة النقدية.
ويلفت كذلك إلى أن توسع الاستيراد، في ظل محدودية النقد الأجنبي، يزيد الطلب على القطع في السوق الموازية، ما يضغط على قيمة العملة المحلية وينعكس على تكاليف السلع المستوردة.
لماذا لا تنخفض الأسعار مع تراجع الطلب؟
في الظروف الاقتصادية التقليدية، يُفترض أن يؤدي انخفاض الطلب إلى تراجع الأسعار، لكن أسعد يرى أن هذه القاعدة لا تعمل بالفاعلية نفسها في السوق السورية، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وحالة عدم اليقين التي تحكم قرارات التجار والمنتجين.
ويوضح أن بعض التجار والمنتجين يرفعون أسعارهم ليس بالضرورة بهدف زيادة الأرباح، بل لتغطية تكاليف الإنتاج أو الاستيراد التي تجاوزت مستوياتها السابقة، إذ إن البيع بأقل من التكلفة قد يدفعهم إلى وقف الإنتاج أو الامتناع عن تجديد مخزونهم.
ويشير إلى آلية أخرى تتمثل في ما يسميه «التحوط المبالغ فيه»، إذ لا يحدد التاجر سعر البيع استناداً إلى تكلفة البضاعة الحالية فقط، وإنما يأخذ في الحسبان تكلفة استبدالها في المستقبل.
ويضيف أن استمرار عدم اليقين يدفع بعض البائعين إلى تسعير بضائعهم على أساس توقعات بارتفاع سعر الصرف مستقبلاً، حتى لو كان السعر الفعلي للدولار أقل من المستوى الذي اعتمدوه في حساباتهم.
وبحسب أسعد، فإن هذا السلوك يؤدي إلى تضخم مدفوع بالتوقعات، ويجعل الأسعار أكثر مقاومة للانخفاض، حتى عندما يتراجع الطلب أو تنخفض بعض التكاليف.
المواد الغذائية الأكثر تضرراً
من جانبه، يؤكد أمين سر جمعية حماية المستهلك "عبد الرزاق حبزة"، في حديثه لـ«العين السورية»، أن الأسواق تشهد ارتفاعات ملحوظة في الأسعار، ولا سيما أسعار المواد الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها الزيت النباتي.
ويوضح حبزة أن الزيت النباتي من السلع المستوردة، ما يجعله شديد التأثر بتغيرات سعر الصرف، لكنه يشير إلى أن ارتفاع أسعاره لا يرتبط بالدولار وحده، بل يتأثر أيضاً بعوامل خارجية، أبرزها التوترات الإقليمية التي رفعت تكاليف الشحن والتأمين على السفن، إلى جانب ارتفاع أسعار الزيت في بلد المنشأ.
ويشدد على ضرورة التمييز بين الزيادات الناتجة عن ارتفاع التكاليف الفعلية، وتلك التي قد يستغل فيها بعض التجار الظروف الخارجية ذريعة لرفع الأسعار وتحقيق أرباح إضافية.
وحول آليات استيراد المواد الغذائية، يوضح حبزة أن جزءاً من السلع يصل بكميات كبيرة، ثم تتولى شركات محلية توضيبها وطرحها في الأسواق، في حين تصل أصناف أخرى مستوردة وجاهزة ومعبأة، وفق اتفاقات مع الموردين في الخارج.
ويعكس اختلاف طرق الاستيراد والتوضيب والتوزيع تعدد المراحل التي تدخل في تحديد السعر النهائي، ما يجعل معرفة التكلفة الفعلية لكل سلعة أمراً ضرورياً عند تقييم الزيادات السعرية.
غياب بيانات التكلفة يضعف الرقابة
وفي ما يتعلق بآلية تحديد الأسعار، يشير حبزة إلى أن غياب بيانات واضحة عن التكلفة الفعلية، وعدم إلزام التجار بإبرازها أمام الجهات الرقابية المعنية، أسهما في جعل تحديد الأسعار أكثر صعوبة، سواء بالنسبة إلى الزيت النباتي أو غيره من السلع.
ويوضح أن الانتقال إلى اقتصاد السوق الحر التنافسي، من دون توافر بيانات دقيقة عن تكاليف الاستيراد والتعبئة والتوزيع وهوامش الأرباح، يترك مجالاً واسعاً للاجتهاد في تحديد الأسعار، ويصعّب التحقق من مدى تناسب الزيادات المعلنة مع التكاليف الفعلية.
ويطرح ذلك تساؤلات حول الأدوات المتاحة للجهات الرقابية لمراقبة حركة الأسعار، في ظل غياب صورة متكاملة عن تكلفة السلع منذ استيرادها أو إنتاجها وحتى وصولها إلى المستهلك.
وبذلك، لا تقتصر معالجة المشكلة على تكثيف الدوريات وتنظيم الضبوط، بل تتطلب أيضاً تعزيز الشفافية، وتوفير بيانات قابلة للتحقق، وتطوير آليات تتيح التمييز بين الزيادة المبررة في التكلفة والمغالاة في التسعير.
دعم الإنتاج وحماية الدخل بدلاً من الاكتفاء بمراقبة الأسعار
في ظل استمرار الضغوط المعيشية، تبرز الحاجة إلى إجراءات تتجاوز الرقابة التموينية التقليدية، وتجمع بين خفض تكاليف الإنتاج، وضبط الأسواق، وحماية الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار.
ويأتي تثبيت أسعار المحروقات المخصصة للاستخدام الزراعي في مقدمة الإجراءات المقترحة، إلى جانب توفير الأعلاف والأسمدة بأسعار مناسبة، خصوصاً للمزارعين ومربي الدواجن والثروة الحيوانية، نظراً إلى انعكاس تكاليف هذه المدخلات على أسعار المنتجات الغذائية التي تصل إلى المستهلك.
كما تبرز أهمية إعادة تفعيل منافذ البيع التابعة للمؤسسة السورية للتجارة، بما يتيح توفير السلع الأساسية بأسعار منافسة وتقليص الحلقات الوسيطة، على أن يجري ذلك ضمن آليات إدارية ورقابية واضحة تتجنب التعقيدات والاختلالات التي شابت عمل المؤسسة سابقاً.
ولا ينفصل دعم الإنتاج عن ضرورة مساندة ذوي الدخل المحدود، الذين تتراجع قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية كلما ارتفعت الأسعار بوتيرة تفوق نمو دخولهم. فحتى لو نجحت الإجراءات في الحد من بعض تكاليف الإنتاج، فإن أثرها على حياة المواطنين سيبقى محدوداً ما لم تترافق مع تدابير تخفف العبء المعيشي عن الأسر الأكثر هشاشة.
وبين تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية، تبدو معالجة الغلاء في سوريا مرتبطة بقدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق توازن بين استمرارية الإنتاج وحماية المستهلك. فالمطلوب ليس ضبط الأسعار بقرارات رقابية فحسب، بل معالجة العوامل التي تدفعها إلى الارتفاع، وضمان وصول أثر أي انخفاض في التكاليف إلى السوق، بالتوازي مع دعم الفئات التي لم تعد دخولها تكفي لمجاراة تكاليف المعيشة.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز تساؤلات حول قدرة الإجراءات الرقابية التقليدية على كبح الغلاء، ومدى الحاجة إلى الانتقال نحو حلول اقتصادية تعالج أسباب ارتفاع الأسعار من جذورها، بالتوازي مع إجراءات تحمي ذوي الدخل المحدود من تآكل قدرتهم الشرائية.
الأسعار مشكلة اقتصادية وليست تموينية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور "عمر أسعد"، في حديثه لـ«العين السورية»، أن ضبط الأسعار يتطلب آلية متكاملة على المستويين الحكومي والمجتمعي، مشيراً إلى أن الاعتماد على الدوريات الرقابية التقليدية وتنظيم الضبوط لم يحقق النتائج المطلوبة، لأن مشكلة الأسعار اقتصادية في جوهرها، وليست تموينية بحتة.
ويوضح أسعد أن المعالجة الحكومية ينبغي أن تبدأ بتثبيت تكاليف مدخلات الإنتاج ودعمها، بدلاً من الاقتصار على دعم السلعة النهائية، وذلك عبر توفير المازوت الصناعي والزراعي والأعلاف والأسمدة بأسعار مستقرة ومدعومة للمنتجين، بما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج من المنبع، مع محاولة ربط الدعم بالمخرجات.
ويشير إلى أهمية تضييق الفجوة بين أسعار الصرف وتأمين التمويل اللازم للمستوردين، من خلال تسهيل حصولهم على القطع الأجنبي لاستيراد قائمة السلع الأساسية عبر القنوات الرسمية، للحد من لجوئهم إلى السوق الموازية وما يرافق ذلك من تكاليف إضافية.
كما يدعو إلى توسيع منافذ البيع المباشر وتقليص الحلقات الوسيطة، عبر تفعيل مؤسسات التدخل الإيجابي لشراء المحاصيل والمنتجات مباشرة من المزارعين والمصنّعين وإيصالها إلى المستهلكين، بما يحد من هوامش الأرباح التي يضيفها الوسطاء والسماسرة.
وعلى المستوى المجتمعي، يقترح أسعد تنظيم مبادرات جماعية لمقاطعة السلع غير الأساسية التي تشهد ارتفاعات غير مبررة، بما قد يدفع الجهات المحتكرة إلى مراجعة أسعارها، إلى جانب تعزيز دور جمعيات حماية المستهلك، وتكريس الشفافية في إعلان الأسعار، والإبلاغ المنظم عن حالات الاحتكار.
ويضيف أن المبادرات المحلية التكافلية يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء عن الأسر، من خلال شراء السلع الأساسية بالجملة وتوزيعها من دون تحميلها تكاليف تجارية إضافية.
اقتصاد مدولر وفجوة في أسعار الصرف
وفي تفسيره لتأثير سعر الصرف في الأسعار، يؤكد "أسعد" أن تذبذب الدولار في السوق الموازية وتجاوزه حاجز 141 ليرة سورية جديدة، وفق الأسعار التي يستند إليها في حديثه، يتركان أثراً كبيراً في السوق المحلية.
❝ويوضح أن الاقتصاد السوري يتسم بما يصفه بـ«الدولرة المستترة»، إذ تُسعّر المواد الأولية والعديد من السلع الأساسية وفق حركة الدولار في السوق الموازية، حتى عندما تُباع وتُتداول بالليرة السورية.❞وبحسب أسعد، فإن الفجوة بين السعر الرسمي الذي يحدده مصرف سوريا المركزي، والبالغ 122 ليرة سورية جديدة للدولار وفق الأرقام الواردة في تصريحه، وسعر السوق الموازية الذي تجاوز 141 ليرة جديدة، تخلق حالة من الارتباك لدى المستوردين والمنتجين، وتزيد صعوبة استقرار الأسعار.
ويشير إلى أن هذا الواقع يحد من انعكاس أي انخفاض في الأسعار العالمية على السوق المحلية، في ظل استمرار ارتباط تكاليف الاستيراد والإنتاج بتقلبات سعر الصرف وتوقعات التجار بشأن كلفة استبدال بضائعهم.
ركود تضخمي يضغط على المستهلك
يصف الدكتور "عمر أسعد" المشهد الاقتصادي السوري بأنه حالة من «الركود التضخمي»، حيث ترتفع الأسعار بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانخفاض الطلب الفعلي، معتبراً أن هذا التناقض يعكس اختلالات بنيوية في آليات السوق وتكاليف الإنتاج.
ويحدد مجموعة من الأسباب المباشرة وغير المباشرة لارتفاع الأسعار، في مقدمتها زيادة تكاليف الطاقة والمحروقات، ولا سيما بعد القرارات الرسمية المتعلقة برفع أسعار المشتقات النفطية، مثل المازوت والبنزين.
ويقول إن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس على تكاليف تشغيل المولدات والمصانع والمداجن ووسائل نقل البضائع، مقدّراً أن الزيادات في هذه التكاليف قد تتراوح بين 25 و40 بالمئة، بحسب النشاط والقطاع.
كما يشير إلى ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج المستوردة، بما يشمل المواد الخام والأعلاف والأسمدة والمكونات الصناعية، نتيجة زيادة تكاليف الشحن البحري والاضطرابات الإقليمية المحيطة.
أما الأسباب غير المباشرة، فيضع أسعد عجز الموازنة العامة والتضخم النقدي في مقدمتها، موضحاً أن العجز المالي وتراجع الإيرادات قد يفرضان ضغوطاً تضخمية، خصوصاً عندما يجري تمويل العجز بوسائل تؤدي إلى زيادة السيولة النقدية.
ويلفت كذلك إلى أن توسع الاستيراد، في ظل محدودية النقد الأجنبي، يزيد الطلب على القطع في السوق الموازية، ما يضغط على قيمة العملة المحلية وينعكس على تكاليف السلع المستوردة.
لماذا لا تنخفض الأسعار مع تراجع الطلب؟
في الظروف الاقتصادية التقليدية، يُفترض أن يؤدي انخفاض الطلب إلى تراجع الأسعار، لكن أسعد يرى أن هذه القاعدة لا تعمل بالفاعلية نفسها في السوق السورية، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وحالة عدم اليقين التي تحكم قرارات التجار والمنتجين.
ويوضح أن بعض التجار والمنتجين يرفعون أسعارهم ليس بالضرورة بهدف زيادة الأرباح، بل لتغطية تكاليف الإنتاج أو الاستيراد التي تجاوزت مستوياتها السابقة، إذ إن البيع بأقل من التكلفة قد يدفعهم إلى وقف الإنتاج أو الامتناع عن تجديد مخزونهم.
ويشير إلى آلية أخرى تتمثل في ما يسميه «التحوط المبالغ فيه»، إذ لا يحدد التاجر سعر البيع استناداً إلى تكلفة البضاعة الحالية فقط، وإنما يأخذ في الحسبان تكلفة استبدالها في المستقبل.
ويضيف أن استمرار عدم اليقين يدفع بعض البائعين إلى تسعير بضائعهم على أساس توقعات بارتفاع سعر الصرف مستقبلاً، حتى لو كان السعر الفعلي للدولار أقل من المستوى الذي اعتمدوه في حساباتهم.
وبحسب أسعد، فإن هذا السلوك يؤدي إلى تضخم مدفوع بالتوقعات، ويجعل الأسعار أكثر مقاومة للانخفاض، حتى عندما يتراجع الطلب أو تنخفض بعض التكاليف.
المواد الغذائية الأكثر تضرراً
من جانبه، يؤكد أمين سر جمعية حماية المستهلك "عبد الرزاق حبزة"، في حديثه لـ«العين السورية»، أن الأسواق تشهد ارتفاعات ملحوظة في الأسعار، ولا سيما أسعار المواد الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها الزيت النباتي.
ويوضح حبزة أن الزيت النباتي من السلع المستوردة، ما يجعله شديد التأثر بتغيرات سعر الصرف، لكنه يشير إلى أن ارتفاع أسعاره لا يرتبط بالدولار وحده، بل يتأثر أيضاً بعوامل خارجية، أبرزها التوترات الإقليمية التي رفعت تكاليف الشحن والتأمين على السفن، إلى جانب ارتفاع أسعار الزيت في بلد المنشأ.
ويشدد على ضرورة التمييز بين الزيادات الناتجة عن ارتفاع التكاليف الفعلية، وتلك التي قد يستغل فيها بعض التجار الظروف الخارجية ذريعة لرفع الأسعار وتحقيق أرباح إضافية.
وحول آليات استيراد المواد الغذائية، يوضح حبزة أن جزءاً من السلع يصل بكميات كبيرة، ثم تتولى شركات محلية توضيبها وطرحها في الأسواق، في حين تصل أصناف أخرى مستوردة وجاهزة ومعبأة، وفق اتفاقات مع الموردين في الخارج.
ويعكس اختلاف طرق الاستيراد والتوضيب والتوزيع تعدد المراحل التي تدخل في تحديد السعر النهائي، ما يجعل معرفة التكلفة الفعلية لكل سلعة أمراً ضرورياً عند تقييم الزيادات السعرية.
غياب بيانات التكلفة يضعف الرقابة
وفي ما يتعلق بآلية تحديد الأسعار، يشير حبزة إلى أن غياب بيانات واضحة عن التكلفة الفعلية، وعدم إلزام التجار بإبرازها أمام الجهات الرقابية المعنية، أسهما في جعل تحديد الأسعار أكثر صعوبة، سواء بالنسبة إلى الزيت النباتي أو غيره من السلع.
ويوضح أن الانتقال إلى اقتصاد السوق الحر التنافسي، من دون توافر بيانات دقيقة عن تكاليف الاستيراد والتعبئة والتوزيع وهوامش الأرباح، يترك مجالاً واسعاً للاجتهاد في تحديد الأسعار، ويصعّب التحقق من مدى تناسب الزيادات المعلنة مع التكاليف الفعلية.
ويطرح ذلك تساؤلات حول الأدوات المتاحة للجهات الرقابية لمراقبة حركة الأسعار، في ظل غياب صورة متكاملة عن تكلفة السلع منذ استيرادها أو إنتاجها وحتى وصولها إلى المستهلك.
وبذلك، لا تقتصر معالجة المشكلة على تكثيف الدوريات وتنظيم الضبوط، بل تتطلب أيضاً تعزيز الشفافية، وتوفير بيانات قابلة للتحقق، وتطوير آليات تتيح التمييز بين الزيادة المبررة في التكلفة والمغالاة في التسعير.
دعم الإنتاج وحماية الدخل بدلاً من الاكتفاء بمراقبة الأسعار
في ظل استمرار الضغوط المعيشية، تبرز الحاجة إلى إجراءات تتجاوز الرقابة التموينية التقليدية، وتجمع بين خفض تكاليف الإنتاج، وضبط الأسواق، وحماية الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار.
ويأتي تثبيت أسعار المحروقات المخصصة للاستخدام الزراعي في مقدمة الإجراءات المقترحة، إلى جانب توفير الأعلاف والأسمدة بأسعار مناسبة، خصوصاً للمزارعين ومربي الدواجن والثروة الحيوانية، نظراً إلى انعكاس تكاليف هذه المدخلات على أسعار المنتجات الغذائية التي تصل إلى المستهلك.
كما تبرز أهمية إعادة تفعيل منافذ البيع التابعة للمؤسسة السورية للتجارة، بما يتيح توفير السلع الأساسية بأسعار منافسة وتقليص الحلقات الوسيطة، على أن يجري ذلك ضمن آليات إدارية ورقابية واضحة تتجنب التعقيدات والاختلالات التي شابت عمل المؤسسة سابقاً.
ولا ينفصل دعم الإنتاج عن ضرورة مساندة ذوي الدخل المحدود، الذين تتراجع قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية كلما ارتفعت الأسعار بوتيرة تفوق نمو دخولهم. فحتى لو نجحت الإجراءات في الحد من بعض تكاليف الإنتاج، فإن أثرها على حياة المواطنين سيبقى محدوداً ما لم تترافق مع تدابير تخفف العبء المعيشي عن الأسر الأكثر هشاشة.
وبين تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية، تبدو معالجة الغلاء في سوريا مرتبطة بقدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق توازن بين استمرارية الإنتاج وحماية المستهلك. فالمطلوب ليس ضبط الأسعار بقرارات رقابية فحسب، بل معالجة العوامل التي تدفعها إلى الارتفاع، وضمان وصول أثر أي انخفاض في التكاليف إلى السوق، بالتوازي مع دعم الفئات التي لم تعد دخولها تكفي لمجاراة تكاليف المعيشة.


