سوريا - رأي
فاتورة مؤجلة.. كيف تُعيد الرشوة صياغة الجيل القادم؟
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ١٦ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:٠٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في أدبيات مكافحة الفساد تمييزٌ تقنيّ لا يخلو من قسوة. هناك فسادٌ كبير، يجري في أعلى الهرم الإداري، ويشتري القاعدة القانونية نفسها (القانون والعقد والقرار)، ويُقاس بحجم ما يُنهَب من المال العام. وهناك فسادٌ صغير، يجري على شبابيك الدوائر، يشتري استثناءً من قاعدةٍ قائمة، ويُقاس بمبالغ زهيدة لا تكاد تُذكر في أيّ ميزانية. الأول يستنزف خزينة الدولة. الثاني يستنزف فكرتها.
وتُسمَّى هذه المبالغ الزهيدة في ادبيات مكافحة الفساد: رسوماً غير رسميّة. وهي في التوصيف الاقتصادي ضريبة تنازليّة، تَقتطع من دخل الفقير حصّةً أكبر مما تقتطع من دخل الميسور، حتى تبلغ حدّاً يمتنع عنده الأشدّ فقراً عن طلب العلاج أو مواصلة تعليم أبنائه. أي أنّ ما يبدو إكراميّة على شبّاك خدمة عامّة، هو في التوصيف الاقتصادي، نظامٌ ضريبيٌّ موازٍ، غير مُشرّع، وأشدّ إجحافاً من أي ضريبة مُشرّعة.
هذا ما رسخته سياسات النظام السابق في سورية عبر عقود. لم يكن الفساد فيه انفلاتاً في الإدارة، كان أسلوب إدارة قائماً بذاته: أجورٌ متدنية وإجراءات تُصمَّم مُعقَّدة كي تُبَاع تسويتها، وسلطة تعطيلٍ تُمنَح لأصغر موظفٍ خلف أصغر شبّاك.
وهكذا لم تعد خطورة الرسم غير الرسمي في شيوعه، صارت في تجذّره. فالسلوك الذي يبلغ مرتبة التجذّر يتحوّل إلى معيارٍ اجتماعي، والمعيار يُعطّل الردع من داخله، إذ يصبح المُمتنع عن دفع أو قبول الرشوة حالة استثناء. بهذا أعادت تلك المنظومة تعريف الخدمة العامة من استحقاقٍ يُطلَب بالقانون، إلى منفعةٍ تُنال بمدى القدرة على الدفع.
ومع تحرير البلاد، كان يُفترض أن تسقط هذه القناعة مع من صاغها. ومؤشر مدركات الفساد يُسجّل تحسّناً: فقد سجّلت سوريا خمس عشرة نقطة لعام 2025، بارتفاع ثلاث نقاط، لتحتلّ المرتبة الثانية والسبعين بعد المئة من أصل مئةٍ واثنتين وثمانين دولة. حركةٌ حقيقية، من قاعٍ سحيق. غير أنّ هذا المؤشر يقيس مدركات الخبراء عن فساد القطاع العام، لا تجربة المواطن مع الموظف العام. وللمنظمة نفسها أداةٌ أُخرى تقيس هذه التجربة بالسؤال المباشر: هل دفعت رشوةً هذا العام لتحصل على خدمةٍ عامّة؟ لكن سوريا لم تدخل هذا المسح بعد.
ومعالجة ترهّلٍ إداريّ تراكم على مدى نصف قرن تحتاج وقتاً، وهذا لا يحتاج دفاعاً. لكنّ الوقت وحده لا يُصلِح ما رسّخته التشريعات والإجراءات.
وهكذا لم تعد خطورة الرسم غير الرسمي في شيوعه، صارت في تجذّره. فالسلوك الذي يبلغ مرتبة التجذّر يتحوّل إلى معيارٍ اجتماعي، والمعيار يُعطّل الردع من داخله، إذ يصبح المُمتنع عن دفع أو قبول الرشوة حالة استثناء. بهذا أعادت تلك المنظومة تعريف الخدمة العامة من استحقاقٍ يُطلَب بالقانون، إلى منفعةٍ تُنال بمدى القدرة على الدفع.
ومع تحرير البلاد، كان يُفترض أن تسقط هذه القناعة مع من صاغها. ومؤشر مدركات الفساد يُسجّل تحسّناً: فقد سجّلت سوريا خمس عشرة نقطة لعام 2025، بارتفاع ثلاث نقاط، لتحتلّ المرتبة الثانية والسبعين بعد المئة من أصل مئةٍ واثنتين وثمانين دولة. حركةٌ حقيقية، من قاعٍ سحيق. غير أنّ هذا المؤشر يقيس مدركات الخبراء عن فساد القطاع العام، لا تجربة المواطن مع الموظف العام. وللمنظمة نفسها أداةٌ أُخرى تقيس هذه التجربة بالسؤال المباشر: هل دفعت رشوةً هذا العام لتحصل على خدمةٍ عامّة؟ لكن سوريا لم تدخل هذا المسح بعد.
ومعالجة ترهّلٍ إداريّ تراكم على مدى نصف قرن تحتاج وقتاً، وهذا لا يحتاج دفاعاً. لكنّ الوقت وحده لا يُصلِح ما رسّخته التشريعات والإجراءات.
من هنا تبدأ الإشكالية القانونية. فالقانون يُهزَم حين يُستغنى عنه. وهذا بالضبط ما جرى. فالنصّ الذي يُلاحِق واقعة الرشوة والمصوغ منذ عام 1949 يقف اليوم أمام عرفٍ إداريٍّ متبادَل الرضا، لا يشتكي منه طرفاه. المرتشي لا يخشى نصّاً لا يُحرّكه أحد. والراشي لا يستنجد بالقانون لأن الطريق إليه أطول من معاملته. ولا أحد يسلك طريقاً طويلاً ليستخرج ورقةً يستطيع الحصول عليها بطريقٍ أقصر.
والذي يحدث فعليّاً أنّ القاعدة الآمرة تنتقل من النص القانوني المؤيَّد بجزاء إلى مكتب الموظف الذي يضع التسعيرة. أمّا المواطن الذي يدفع مبلغاً يظنّه صغيراً ليُنجز معاملةً هي حقّه أصلاً، فهو يُسدّد قسطاً في اشتراكٍ طويل الأمد بدولةٍ غير مُنصِفة، ويوقّع بيده إقراراً بأنّ العدالة سلعةٌ لها سِعر.
والنص نفسه يشرح لماذا لا يتحرك. فالمادة 341 من قانون العقوبات السوري تعاقب الموظف الذي يقبض ليؤدي عملاً مشروعاً من أعمال وظيفته بالحبس، وترتفع العقوبة إلى الأشغال الشاقة في المادة 342 إن كان العمل منافياً لوظيفته، وتُنزِل المادة 343 العقوبتين ذاتيهما بالراشي، ثم تأتي المادة 344 لِتُعفي الراشي والمتدخل من العقاب إن اعترفا قبل إحالة القضية إلى المحكمة، وتُبقي المرتشي وحده تحت طائلتها. غاية المُشرّع هنا واضحة: أن يُغري من دفع بأن يكشف من قبض. غير أن هذا الإغراء لم يُحقق غايته، لأننا كُنّا في بلدٍ تُشترى فيه الحقوق. ومَن يدفع لا يرى في نفسه جانياً ينتظر عذراً. يرى مواطناً بحاجة ورقةٍ رسميّة وتمكّن من استخراجها.
سنكون مجحفين إن قُلنا إن الرشوة التي ظنناها أبدية مع أبد النظام السابق لم تنحسر. إنها تتراجع، وهذا صحيح ويستحق الاعتراف. فموظفون كُثُر يؤدون عملهم كما ينبغي، والفارق بين ما كان وما هو كائن حقيقيّ ولا مجاملة فيه. لكن ما تبقّى منها ليس بقايا. إنه البنية ذاتها مُصغرة. افتراضٌ ينتقل من مُراجِع إلى آخر ومن موظف إلى زميله، مفاده أنه "هكذا تسير الأمور".
وهنا يكمن الفرق بين أن تنحسر ظاهرة وأن يُكسَر منطِقها. فالمواطن الذي يمُدّ يدَه بمبلغٍ صغير من المال يفعلها لأنه يفترض أنّ غيره يفعلها، وأن الامتناع سيكلّفه وحده. والموظف الذي يتردد لحظة ثمّ يمد يده يقوم بذلك لأنه يفترض أن زملاءه فعلوا، وأن نزاهته لن تُغيّر شيئاً سوى دخله. كلٌّ منهما يتصرف بناءً على ما يظنه عن الآخر، وكلٌّ منهما بتصرفه يُثبت للآخر أنه على صواب.
هذا هو الفخ الذي أتقن النظام البائد نصبه: أن يُقنع كلّ واحدٍ فينا بأنّه النزيه الوحيد في بلدٍ من الراشين والمرتشين. وأزعم أنّ أكثر السوريين يكرهون تلك اللحظة. يكرهون الانحناء الصغير عند الشباك، والابتسامة المصطنعة، والمبلغ الذي يُدس تحت الورقة. لكن كلّاً منهم يعتقد واهماً أنّه وحده من يكرهها.
فخٌّ من هذا النوع لا يسقط بسقوط الأنظمة التي رسخته، ولا يُفكك بالوعظ وحده. يزول بإزالة ما يُبقيه قائماً: حاجةُ الموظّف للمال، وامتلاكه ما يبيعه، ويأمن من أن يُشتَكى.
الشرط الأول يُعالج بإصلاح الأجر؛ وقد صدرت مراسيم لرفع أجور القطاع العام، لكننا يجب أن نكون متصالحين مع الواقع لنعترف أن التضخم بات يلتهم الجزء الأكبر من أي زيادة، فتبقى المسافة بين الأجر وتكاليف الحياة كبيرة. الأجر ليس رقماً مجرداً، إنّه ما يشتريه هذا الرقم في السوق.
أما الشرط الثاني فهو الأهمّ، والأقل حضوراً في النقاش. كل معاملة تمر بيدٍ بشرية تملك تعطيلها، معاملةٌ قابلةٌ للبيع. ومن هنا تصبح أتمتة الخدمات العامة أداةً لمكافحة الفساد قبل أن تكون تحديثاً إداريّاً. فالمعاملة التي تُنجز من شاشةٍ لا تُطلب عليها إكرامية، والموظف الذي لا يملك سلطة التعطيل لا يملك ما يبيعه. الأتمتة هنا إجراء تشريعي بأثرٍ عقابيّ، من دون نصٍّ جديد.
ولنا في حملة وزارة المالية درسٌ يستحقّ التأمّل. فحين مُنِعَ أكثرُ من مئة مُعقّب معاملات من دخول مبنى الوزارة ومديرياتها، انكشف أنّ طبقة كاملة من الوسطاء كانت تعيش بيننا وبين أوراقنا بشكلٍ مرخص. أي أن الدولة اعترفت رسميّاً ولعقود بأنّ المواطن يحتاج من يقف بينه وبين مُعاملته. صحيحٌ أنّ المعقب صاحب مهنة نظمها القانون وله هوية حرفية، وشعار، وأجور محددة بقرار. لكنّ من يُعالج دور الوسيط ويُسعرّه دون أن يُعالِج تعقيد الإجراءات الإدارية ذاتها التي استلزمت الوسيط، كمن يقطع الفرع ويترك الجذر.
ويبقى الشرط الثالث وهو الأصعب: أن يطمئنّ الموظف إلى أنّ أحداً لن يشكو. والقانون هنا حاضراً. فالمادة 344 تُعفي من دفع إن بادر بالاعتراف قبل الإحالة إلى المحكمة. غير أنّ إعفاءً يأتي بعد أن تصير متّهماً لا يُغري أحداً. من ابتُزّ لا يبحث عن عذرٍ يمحو جريمته، يبحث عن ألّا تكون له جريمة أصلاً. وهو، إلى ذلك، مُطالَبٌ بأن يُثبت واقعةً بلا إيصالٍ ولا شاهد، ثم يعود بعد الشكوى إلى الشبّاك نفسه، وأوراقه ما زالت في الدرج.
ومن هنا يبدأ التعديل التشريعي المطلوب: أن يُنقَل الإعفاء من نهاية المسار إلى بدايته. أن تُفتح لمن يدفع مُكرَهاً قناة إبلاغٍ محميّة تسبق التجريم، وأن تُضمَن له معاملته بعدها. حينها فقط يصير النصّ نصاً يُطبَّق.
الرشوة التي تُدسّ تحت الأوراق الرسمية لإنجاز معاملة روتينية لا تشتري توقيعاً فحسب، إنها تشتري لابنك قاعدةً سيكبر عليها: أنّ لِحقّه سعراً، وأنّ من لا يملك السعر لا يملك الحق. سيتعلمها منك وهو واقفٌ إلى جانبك في الطابور، من دون أن تقول له كلمةً واحدة. وسيدفعها بعدك بثقةِ من ورِثَ مهارةً لا بخجل من اقترف خطأ.
هذه هي الفاتورة الحقيقية. تُدفع مرّة واحدة عند شباك الخدمة العامة، ثم تُقسّط على جيلٍ كامل.
نحن الآن في اللحظة التي يُقرَّر فيها ما الذي سيرثه هذا الجيل: دولةٌ يُنال فيها الحقّ لأنه حقّ. أم دولةٌ يُنال فيها الحق لأنك دفعت تسعيرته. واللحظة قصيرة، فالعادات التي تُترَك بِلا مُعالجة في سنوات البناء الأولى تصيرُ بعدَ عقدٍ ثقافةً يُدَافَع عنها.
ما نطلبه في النهاية بسيطٌ جداً: أن يخرج المواطن من دائرةٍ رسمية وهو يشعر أنه أخذ ما هو له، لا أنه اشتراه. أن يكون الحقّ حقًّا، بلا لاحقة. هذه هي المسافة التي تفصلنا عن الدولة التي نعمل جميعاً لأجلها.

