سوريا - محليات
فوضى الدواء تُربك طبيب وصيدلي ومواطن.. سوق مثقلة بالضغوط
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٨ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٥٩
3 دقيقة

لم يعد المشهد الدوائي في درعا اليوم مجرد ارتفاع في الأسعار أو نقص في بعض الأصناف، بل تحول إلى صورة مركّبة تتشابك فيها التحديات الاقتصادية مع الإشكاليات التنظيمية والسلوكيات الفردية الخارجة عن الإطار المهني، لتتشكل سوق دوائية مثقلة بالضغوط، يقف فيها الصيدلي والمريض على طرفي معاناة واحدة، داخل مشهد يتكرر يومياً بأشكال مختلفة.
وفي قراءة لهذا المشهد، يشير خازن نقابة صيادلة درعا، الدكتور معتز الكراد، إلى أن الواقع الدوائي في المحافظة يشهد تشعباً واضحاً في الإشكاليات، يبدأ من تفاوت توفر الأصناف بين دواء وآخر، ويمر بارتفاع أسعار بعض الأدوية الأجنبية، وصولاً إلى ضغوط متزايدة تطال الصيدلي والمريض في الوقت ذاته.
اختلاط أوراق السوق
ويلفت الكراد إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بغياب صنف محدد أو نقص مؤقت في بعض المواد، بل باتت مرتبطة ببنية السوق نفسها وآليات حركة الدواء منذ خروجه من خطوط الإنتاج وحتى وصوله إلى المريض، موضحاً أن الأدوية السورية المدعومة لا تزال تحافظ على درجة من الاستقرار النسبي من حيث التسعير، إلا أن الإشكال الأكثر حضوراً يتمثل في عدم استقرار كلفة إعادة التوريد.
تهريب
وفي سياق أكثر حساسية، يشير الكراد إلى وجود حالات تتعلق بالأدوية المهربة أو غير النظامية التي تصل عبر قنوات غير رسمية، موضحاً أن خطورتها لا تكمن فقط في غياب الرقابة، بل في صعوبة تمييزها أحياناً عن الدواء النظامي رغم اختلاف المصدر والجودة، ما يشكل خطراً مباشراً على المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة.
ارتباك تجاري
ويتابع الكراد أن الصيدلي يجد نفسه أمام معادلة صعبة يومياً؛ فهو يبيع الدواء بالسعر الرسمي المحدد، ثم يعود لإعادة شراء الصنف ذاته بأسعار جديدة أعلى، ما يؤدي تدريجياً إلى تآكل رأس المال وتراجع القدرة على المحافظة على المخزون نفسه داخل الصيدلية. ويمتد هذا التفاوت، بحسب الكراد، إلى البعد الجغرافي داخل المحافظة، حيث تبدو الاختلالات أكثر وضوحاً في الأرياف المحيطة بدرعا مقارنة بمركز المدينة، نتيجة عوامل متعددة ترتبط بضعف الرقابة، وصعوبة وصول الإمدادات بشكل منتظم، وارتفاع تكاليف النقل، إضافة إلى تعدد حلقات التوزيع، الأمر الذي يخلق فجوات سعرية واضحة داخل السوق الواحد.
سوق حليب الأطفال غير مستقرة
وفي أحد أكثر الملفات حساسية، يلفت الكراد إلى أن حليب الأطفال أصبح جزءاً من المشهد الضاغط الذي تواجهه العائلات بشكل يومي، إذ يشهد نقصاً متكرراً وارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، ما يجعل تأمينه تحدياً لا يقل صعوبة عن تأمين العلاج الدوائي نفسه، خاصة بالنسبة للأسر التي تعتمد عليه بصورة أساسية. ويضيف أن أي اضطراب في حركة الاستيراد أو التوريد ينعكس مباشرة على توفره في الأسواق، الأمر الذي يجعل العائلات في حالة قلق مستمرة خشية انقطاعه أو عدم القدرة على تأمينه.
خلل بين الطبيب والصيدلاني
وبين هذا الواقع ومحاولات التنظيم، تبدأ تفاصيل أكثر تعقيداً بالظهور داخل الصيدليات نفسها. ففي حي السبيل بمدينة درعا، يوضح أحد أصحاب الصيدليات، والذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن المهنة باتت أقرب إلى تنفيذ الوصفة منها إلى ممارسة دور مهني مرن، موضحاً أن بعض الوصفات الطبية تأتي بأسماء تجارية محددة، ويتمسك المرضى غالباً بالحصول على الدواء المدوّن في الوصفة ذاته بالاسم، ما يحد من قدرة الصيدلي على استخدام البدائل المتاحة. ويضيف أن المشكلة لا تتوقف عند حدود توفر الدواء، إذ إن غياب المعرفة الكافية بالبدائل أو ضعف الثقة بها يجعل الصيدلي في مواجهة مباشرة مع المريض عند أي انقطاع، رغم أن البديل غالباً يحمل المادة الفعالة نفسها، ما يزيد من الضغط داخل الصيدليات ويخلق حالة من التوتر اليومي بين الطبيب والصيدلي والمريض.
تراكمات تنظيمية
ومن زاوية أخرى للمشهد، يوضح أمين سر نقابة صيادلة درعا، واصف يوسف الرشدان، أن جزءاً من الاختلالات الحالية يعود إلى تراكمات تنظيمية سابقة خلال سنوات الحرب، والتي أدت إلى تشعب قنوات التوريد وضعف الضبط في بعض المراحل، وهو ما انعكس لاحقاً على استقرار السوق الدوائي. ويضيف أن هذه التراكمات أوجدت مسارات متعددة لحركة الدواء، بحيث لم يعد ينتقل وفق مسار واضح ومستقر من المعمل إلى الصيدلية، الأمر الذي ساهم في ظهور تفاوتات في التوزيع والأسعار بين منطقة وأخرى.
إغلاقات وضبوط
وفي الجانب الرقابي، يلفت الرشدان إلى أن النقابة نفذت خلال الفترة الماضية حملات ميدانية أسفرت عن إغلاق أو تسوية أوضاع عشرات الصيدليات والمنشآت غير المرخصة، في إطار جهود تهدف إلى حماية المهنة وضمان سلامة المريض. ويوضح أن بعض الحالات التي تمت متابعتها تعلقت بإدارة صيدليات من قبل غير مختصين، بينهم ممرضون وأشخاص متطفلون على المهنة، الأمر الذي استدعى اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية شملت الإغلاق والغرامات والإحالة إلى الجهات القضائية، نظراً لما قد ينتج عن غياب التأهيل العلمي من أخطاء دوائية تمس سلامة المرضى بشكل مباشر.
خطورة وحساسية
وفي ملف آخر، يشير الرشدان إلى وجود حالات علاجية لا يجوز فيها تغيير الشركة الدوائية التي يحددها الطبيب، خاصة لدى الأطفال الخدّج وبعض المرضى العصبيين والحالات المزمنة الحساسة، لأن اختلاف الشركة قد يؤدي إلى تباين في الامتصاص أو الاستجابة العلاجية، وهو ما قد ينعكس مباشرة على استقرار الحالة الصحية للمريض. ويشير الرشدان إلى أن ملف الأدوية النفسية والمقيدة لا يقتصر على ضبط عمليات الصرف والسجلات الطبية فقط، بل يمتد إلى مواجهة ممارسات مخالفة يتم رصدها أحياناً داخل السوق، موضحاً أن بعض النفوس الضعيفة قد تلجأ إلى صرف أو بيع هذه الأدوية دون وصفات طبية نظامية، بحثاً عن مكاسب مادية أو نتيجة عدم الالتزام بالضوابط المهنية المعتمدة.
ويضيف أن خطورة هذه الأصناف لا تكمن في كونها أدوية علاجية فحسب، بل في طبيعتها الحساسة وإمكانية تحول بعضها إلى مواد ذات تأثير إدماني عند إساءة استخدامها أو تداولها خارج الإشراف الطبي، إذ تُستخدم بعض هذه الأدوية لعلاج اضطرابات نفسية وعصبية وحالات مرضية دقيقة تحتاج إلى جرعات محددة ومتابعة مستمرة، وأي استخدام عشوائي لها قد يؤدي إلى مضاعفات صحية وسلوكية خطيرة. ويؤكد الرشدان أن النقابة تتعامل مع هذا الملف بصرامة عالية بالتنسيق مع الجهات المختصة، من خلال أنظمة وصفات وسجلات مراقبة تتبع حركة هذه الأدوية منذ استلامها وحتى صرفها للمريض، مشدداً على أن أي مخالفة تتعلق ببيع الأدوية النفسية والمقيدة خارج الأطر القانونية ستعرض مرتكبها لإجراءات قانونية وإدارية قد تشمل الغرامات والإغلاق والإحالة إلى الجهات القضائية، نظراً لما يشكله ذلك من خطر مباشر على الصحة العامة وسلامة المجتمع.
اضطراب الوفرة
وفي الجانب الإنساني، تبدو الأزمة أكثر وضوحاً في تفاصيل حياة المرضى اليومية. فحليمة الرفاعي، المصابة بالسكري، قالت لـ"اللعين السورية": إن معاناتها لم تعد مرتبطة بارتفاع الأسعار فقط، بل بعدم استقرار العلاج نفسه نتيجة تغير الشركات المنتجة أو انقطاع بعض الأصناف بصورة متكررة، ما يبقيها في حالة قلق دائم على استقرار وضعها الصحي. أما المواطن يحيى أبو نبوت، وهو مريض ضغط وقلب، فيوضح أن الأدوية أصبحت جزءاً من الأعباء المعيشية اليومية، وأن الحصول على العلاج لم يعد مجرد حاجة صحية، بل التزاماً مالياً ثابتاً يزداد ثقله مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. ويشير مرضى آخرون إلى أن الأزمة لم تعد تتمثل في نقص الدواء أو ارتفاع تكلفته فحسب، بل في حالة عدم الاستقرار المستمرة التي تحيط بالعلاج نفسه، وما يرافقها من أعباء نفسية وجسدية إضافية.
وفي ختام المشهد، تبدو صورة القطاع الدوائي في درعا أكثر تعقيداً من مجرد أزمة أسعار أو نقص أصناف، إذ تتداخل آثار الحرب مع ضغوط الواقع الاقتصادي الحالي ومحاولات التنظيم وإعادة الضبط، في وقت تحاول فيه نقابة الصيادلة ترميم ما أفسدته سنوات الحرب، وإعادة بناء منظومة أكثر استقراراً، يكون فيها الدواء حقاً صحياً قبل أن يكون سلعة تخضع لتقلبات السوق.


