سوريا - ثقافة
في اليوم الثاني لمهرجان أبي تمام بدرعا.. الشعر يعيد فتح أسئلة المعنى الثقافة بوصفها وعياً حياً
د
درعا ـ ليلى حسين
نشر في: ٢٩ يونيو ٢٠٢٦، ٢١:١٠
3 دقيقة

في مساحةٍ يتقاطع فيها الشعر مع الذاكرة وتستعيد فيها الكلمة دورها في تشكيل الوعي... تبرز فعاليات مهرجان أبي تمام في مدينة درعا بوصفها حدثاً ثقافياً يعيد فتح نوافذ الأدب على أسئلة الإنسان ومعانيه العميقة ، حيث يتجاور الإبداع الأدبي مع الحضور الفني في مشهد ينهض بالثقافة بوصفها فعلاً حياً لا مناسبة عابرة.
في اليوم الثاني من المهرجان افتتح عريف الحفل مهند الجنيد الفعاليات قبل أن يقدم مدير المراكز الثقافية أنس دغيم مداخلة استحضر فيها مكانة أبي تمام، مؤكداً أنه لم يكن شاعراً يكتفي بوصف الحدث بل كان يذهب إلى ما وراءه، ليقرأ ملامح القوة والانتصار قبل تحققها.
وأشار دغيم إلى أن تجربة أبي تمام ما تزال حاضرة في الوجدان الأدبي لأنها لا تقف عند حدود اللحظة بل تمتد إلى المعنى الإنساني العميق القائم على الصبر ومواجهة الشدائد والإيمان بأن لكل محنة نهاية مهما اشتدت.
وتخللت الفعاليات قراءات شعرية استلهمت روح أبي تمام وحملت دلالات رمزية وجمالية أعادت تقديم الشعر بوصفه أفقاً للتأمل ومساحة لقراءة الحياة خارج حدود المعنى المباشر حيث تتحول الكلمة إلى فكرة والفكرة إلى وعي.
وفي البرنامج الثقافي قدم مدير التربية في درعا محمد سليمان الكفري محاضرة تناول فيها العلاقة بين التربية والثقافة ، مؤكداً أن بناء الإنسان لا يقوم على مؤسسة واحدة بل على منظومة متكاملة تتكامل فيها أدوار التعليم والثقافة والتربية في صناعة الوعي والقدرة على التفكير والإبداع.
وأوضح الكفري أن تعزيز القراءة الحرة في المدارس وتوسيع الأنشطة الثقافية والإبداعية ورعاية المواهب وتوثيق التراث المحلي وتوظيف التكنولوجيا في خدمة الثقافة تمثل ركائز أساسية في بناء جيل قادر على الفعل والمبادرة.
وأضاف أن التعليم يمنح الإنسان المعرفة بينما تمنحه الثقافة المعنى فالتعليم يعلمه كيف يقرأ أما الثقافة فتعلمه ماذا يقرأ ولماذا يقرأ، مشيراً إلى أن بناء الإنسان لا يكتمل إلا بتكامل المعرفة مع الوعي وأن الفصل بينهما يخل بالتوازن الفكري للمجتمع.
وتخلل المهرجان مشاركة فنية للمنشد ضياء الشريف إضافة إلى فقرة قدمتها الطفلة وتين المصري التي أضفت حضوراً لافتاً ضمن فقرات اليوم الثقافي بما حملته من تلقائية وبساطة فنية في القائها لقصيدة شعرية لأبي تمام .
كما شهدت الفعاليات أمسية شعرية امتدت لنحو ساعة كاملة شارك فيها ثلة من الشعراء من سوريا والأردن من بينهم محمود الطويل ووردة سعيد وبراء الشامي وإبراهيم الحربي وتمام طعمة، وصلاح الخضير، ويوسف فتح الله، وعبد الله الأسعد وجمال أحمد، حيث تنوعت النصوص بين الوجداني والوطني .
ولن ينسى الحضور ما قدمه الشاعر عبد الله الأسعد حيث جاءت مشاركته بقصائد نبطية جزلة الألفاظ ، عميقة الإيقاع عكست حضور هذا اللون الشعري في وجدان جمهور درعا وتعلّقه به وأحدثت تفاعلاً واضحاً بين الجمهور في مشهد يعكس استمرار حضور الشعر كأداة تعبير وتفاعل مع الواقع.
واختُتم اليوم الثاني من المهرجان بتكريم المشاركين في مشهد حمل دلالة رمزية على أهمية هذه الفعاليات في ترسيخ الحضور الثقافي وتنشيط المشهد الأدبي المحلي وتعزيز حضور الأدب كمساحة رحبة للالتقاء والحوار وصناعة الجمال بعيداً عن حدود المناسبة إلى فضاء أوسع من التأثير والاستمرارية.
ومع تداخل القراءات الشعرية مع المحاضرات الفكرية والفقرات الفنية .. اتسع المشهد الثقافي في درعا ليعكس صورة متكاملة عن الثقافة بوصفها فعلاً حياً لإعادة صياغة الوعي وبناء الإنسان. وبين إرث أبي تمام الذي استحضر في أكثر من محطة وأصوات المشاركين من شعراء ومثقفين برزت الكلمة كجسر يصل بين الفكرة والجمال ويعيد وصل الإنسان بجذور الفكر والإبداع في دلالة تؤكد أن الثقافة تظل مساحة مفتوحة للتأمل والتعبير والتأثير... وأن حضورها يتجاوز اللحظة إلى أثرٍ أعمق في الوعي والوجدان


