سوريا - اقتصاد
بعد خلل مزمن .. قانون جديد ينصف عمال سوريا
ن
نورا حربا
نشر في: ١٤ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٩:٢٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تعكف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حالياً، على تحديث الإطار التشريعي الناظم لسوق العمل في سوريا، في مسار يهدف - وفق تصريحات المعنيين في الوزارة - إلى مواءمة القوانين مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، وتعزيز قدرة المنظومة القانونية على الاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه الجهود ضمن حزمة تعديلات مرتقبة تشمل قانون العمل رقم 17 لعام 2010، وعدداً من القرارات الناظمة لعمل غير السوريين، بما يحقق توازناً بين تنظيم السوق وحماية فرص التشغيل المتاحة للمواطنين.
مسودة أولية
يكشف مدير تنظيم العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، خليل عواد، عن إعداد المسودة الأولية لمشروع تعديل قانون العمل رقم 17 لعام 2010، وذلك عقب سلسلة اجتماعات ضمت مختصين في الوزارة، وجهات معنية، وشركاء اجتماعيين من ممثلي العمال وأصحاب العمل، وخبراء في مجال الموارد البشرية.
ويشير عواد إلى تشكيل لجنة فنية مختصة لدراسة ومناقشة المسودة الأولية، تمهيداً لصياغة مشروع التعديل بصيغته النهائية.
لافتاً في حديثه لـ "العين السورية"، إلى أن أبرز محاور التعديل المقترحة تشمل إدخال أنماط العمل الجديدة، وتوسيع نطاق الحماية القانونية لهذه الأنماط بما يراعي طبيعتها الخاصة، إلى جانب تطوير آليات التشغيل والتدريب المهني بما يسهم في خلق فرص عمل وتعزيز نفاذ المواطنين إلى سوق العمل.
تبسيط الخدمات
كما تتضمن التعديلات -حسب عواد- مواكبة التطور التقني والتحول الرقمي على مستوى العالم، لا سيما فيما يتعلق بتبسيط الخدمات وتحسين جودتها، إضافة إلى تنظيم التزامات أصحاب العمل، وتطوير آليات التفتيش والرقابة على سوق العمل بما يعزز الحوكمة ويرفع من فعالية تطبيق القوانين الناظمة.
العمل اللائق
ويشير عواد إلى أن التوجهات تشمل أيضاً تعزيز معايير العمل اللائق، خاصة ما يتعلق بالأجور العادلة، وتنظيم العقود، وتوسيع شمول العمال بالتأمينات الاجتماعية، إلى جانب تعزيز الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج، وتشجيع الامتثال الطوعي للقوانين، وتفعيل المسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص.
تعزيز حماية العاملين
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عمر قسوم أن تنظيم سوق العمل من خلال التأمينات الاجتماعية والعقود النظامية يعزز مستوى الحماية للعاملين، ويحد من حالة الفوضى والتسيب في سوق العمل، كما يوفر للعامل شعوراً أكبر بالأمان الوظيفي والاستقرار المهني والمستقبلي.
ويؤكد قسوم في حديث مع "العين السورية" أن هذه الإجراءات تفرض في المقابل التزامات جديدة على أصحاب الأعمال، وتمثل أحد أشكال التضامن الاجتماعي الذي يضمن حقوق العاملين ويحفظ استدامة العلاقة التعاقدية بين مختلف أطراف العملية الإنتاجية.
أعباء مالية
ويلفت قسوم إلى أن بعض العاملين قد ينظرون إلى الاقتطاعات التأمينية باعتبارها عبئاً مالياً إضافياً، ما يستوجب دراسة مستويات الرواتب والأجور بصورة شاملة، بحيث تبقى الأجور الصافية بعد الاقتطاعات قادرة على تلبية الاحتياجات المعيشية الحقيقية للعاملين، ليس من حيث القيمة الاسمية فقط، بل من حيث قدرتها الشرائية الفعلية. ويلفت إلى أن هذه المهمة تتطلب تعاوناً بين الحكومة والقطاع الخاص والجهات الاقتصادية المختلفة لوضع حد أدنى واقعي للأجور يمكن البناء عليه مستقبلاً، بما ينسجم مع تكاليف المعيشة ومستويات التضخم.
استقرار وظيفي
ويرى قسوم أن العقود النظامية محددة المدة قد تمنح العامل قدراً من الاستقرار الوظيفي، وفي الوقت ذاته تتيح لأصحاب الأعمال تقييم الأداء بصورة دورية، وربط الترقيات والزيادات بالأداء والإنتاجية والمهارة والابتكار. كما أن هذا النمط من العقود يمنح المستثمرين مرونة أكبر في تطوير أعمالهم واختيار الكفاءات المناسبة لمراحل النمو المختلفة، بما يرفع مستوى التنافسية داخل سوق العمل ويشجع العاملين على تطوير مهاراتهم وخبراتهم باستمرار.
استثمارات كثيفة
بدوره، يؤكد الدكتور جمال مدكور، أستاذ القانون في جامعة دمشق، لـ"العين السورية" أن المرحلة الراهنة تتطلب التركيز على استثمارات كثيفة الاستخدام لليد العاملة، قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل وخلق فرص مهنية وحرفية جديدة، مشيراً إلى أن الأولوية الطبيعية يجب أن تكون للعامل السوري في مختلف الخطط والبرامج الاقتصادية والاستثمارية.
كما يرى أن إعادة دمج العمالة السورية في سوق العمل تعني ضخ دخول إضافية داخل الاقتصاد الوطني، الأمر الذي ينعكس على زيادة الاستهلاك والإنفاق وتحريك الأسواق وقطاع التجزئة، بما يحقق آثاراً اقتصادية تراكمية تسهم تدريجياً في تنشيط الدورة الاقتصادية وإعادة بناء القاعدة الإنتاجية.
قيمة مضافة
ويرى مدكور أن تقييم فرص العمل يجب أن يستند إلى معايير الإنتاجية والكفاءة والمهارة والمعرفة، لافتاً إلى أن الحديث عن وجود فجوات في سوق العمل لا يكفي بحد ذاته، بل ينبغي أن يترافق مع خطط واضحة لسد هذه الفجوات عبر التدريب والتأهيل ورفع كفاءة القوى العاملة. كما أن بعض القطاعات قد تحتاج إلى خبرات متخصصة غير متوفرة محلياً بالقدر الكافي، ما يستدعي تحمل تكاليف التدريب أو الاستعانة بخبرات خارجية قادرة على نقل المعرفة وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد.
اعتماد على المعرفة
ويختتم مدكور بالقول إن الاقتصاد السوري الجديد سيكون أكثر اعتماداً على المعرفة والمهارات والابتكار، الأمر الذي سيؤدي إلى تباين مستويات الأجور وفق الكفاءة والخبرة والتخصص. كما أن الانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنافسية يتطلب الاستثمار في التعليم والتدريب النوعي، وتمكين الشباب من اكتساب المهارات الحديثة، بما يضمن قدرة سوق العمل على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية وتحقيق نمو مستدام خلال السنوات المقبلة.


