سوريا - محليات
بين حماية الحقوق وفهم أسباب تقييدها: قراءة قانونية في قرار تجميد البيوع العقارية في السويداء
ش
شذا حسن إبراهيم
نشر في: ٢٥ مايو ٢٠٢٦، ١٤:٤٦
3 دقيقة
22

في النقاشات القانونية الكلاسيكية، غالباً ما يُستدعى مبدأ يعود إلى شريعة حمورابي، مفاده أن جوهر القانون يكمن في "منع القوي من ظلم الضعيف" ورغم بساطة هذه العبارة، إلا أنها تختزل إشكالية مستمرة: كيف يمكن للقانون أن يحمي الحقوق دون أن يتحول، في ذاته، إلى مصدر قيد عليها؟
هذا السؤال يفرض نفسه مع القرار الأخير الصادر عن وزارة العدل، القرار رقم (1475/ل) والذي يقضي بوقف النظر في دعاوى البيوع العقارية وتعليق إجراءات نقل الملكية في محافظة السويداء، إضافة إلى تقييد تنظيم الوكالات المرتبطة بالتصرف بالعقارات. وقد جاء هذا القرار – بحسب ما أعلنته الجهات الرسمية – في سياق حماية حقوق المواطنين ومنع استغلال الظروف الاستثنائية، من قبل قوى مسلحة قادرة على فرض واقع ديمغرافي جديد يخدم مصالحها، وقد يجور على مصالح الآخرين، وهي غاية منسجمة مع الوظيفة الأساسية للقانون والسلطة الشرعية.
تماس مع أكثر الحقوق رسوخاً
إن القراءة القانونية لهذا الإجراء تضعه في تماس مباشر مع أحد أكثر الحقوق رسوخاً واتساعاً، وهو حق الملكية. فهذا الحق، كما يستقر في الفقه القانوني، لا يقتصر على مجرد الحيازة، بل يمتد إلى سلطة الاستعمال والاستغلال والتصرف. ومن هنا، فإن أي تقييد لحرية التصرف، حتى وإن كان مؤقتاً، يلامس جوهر الحق لا هامشه.
كما أن قراءة هذا القرار لا تكتمل بالوقوف عند طابعه التقييدي، بقدر ما تستدعي النظر إلى السياق الذي صدر فيه، وما يفرضه من تحديات على مستوى الواقع. فالقانون، في جوهره، لا يقاس فقط بنصوصه، بل بقدرته على حماية الحقوق في الظروف التي يطبق فيها. خاصة عندما لا تكون تلك الظروف مستقرة.
احتراز لحماية الحقوق
في البيئات التي تشهد اختلالاً في موازين القوى، قد لا تكون إرادة الأفراد وخاصة غير المنخرطين بالخلافات السياسية، حرة بالكامل، إذ يمكن أن تتأثر بضغط الواقع أو بعوامل تتجاوز الإطار القانوني. وفي مثل هذه الحالات يصبح التمسك بحرفية النص دون مراعاة البيئة المفروضة وطبيعتها، أمراً إشكالياً، إذ قد تؤدي إلى نتائج معاكسة للغاية بحيث يتحول حق الملكية –المصان نظرياً- إلى أداة تُستغل لإضفاء "الشرعية" على نقل الملكيات تحت الضغط أو في ظروف غير عادلة.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم القرار بوصفه تدخلاً احترازياً يهدف إلى تجميد آثار واقع مختل. ومنع تطوره إلى نتائج دائمة. فتقييد البيع والتصرف في هذه المرحلة لا يعني الانتقاص من جوهر الحق، بل يشكل وسيلة لحمايته من التآكل في ظل ظروف لا تتيح ممارسته بحرية كاملة.
إملاءات الظرف
في الإطار ذاته، يفتح القرار باباً لنقاش قانوني أعمق يتعلق بحدود الاختصاص، لا سيما فيما يتصل بتعليق دعاوى قضائية والتأثير المباشر على حق التقاضي وحق الملكية، وهما من الحقوق التي تحظى بحماية دستورية في أصلها.
غير أن هذا النقاش، في مثل هذه الحالات، لا يمكن فصله تماماً عن طبيعة الظروف التي صدر فيها القرار، إذ إن القواعد العامة التي تُناط بالمشرّع في تنظيم القيود الجوهرية على الحقوق الأساسية، تفترض في أساسها بيئة مستقرة تسمح بإجراءات تشريعية متأنية ومتدرجة.
أما في الظروف الاستثنائية، فقد تبرز الحاجة إلى تدخلات سريعة من قبل السلطة الشرعية تفرضها الوقائع، وهو ما يضع القرارات التنظيمية الصادرة عن الجهات التنفيذية في موقع أكثر حساسية، بين ضرورة الاستجابة الفورية، ومتطلبات الالتزام بالإطار الدستوري. وهنا لا يُطرح التساؤل بوصفه حكماً على مشروعية القرار، بقدر ما هو محاولة لقراءة موقعه ضمن توازن دقيق بين مبدأ حماية الحقوق، ومقتضيات التدخل السريع الذي قد تفرضه الضرورة.
أما في الظروف الاستثنائية، فقد تبرز الحاجة إلى تدخلات سريعة من قبل السلطة الشرعية تفرضها الوقائع، وهو ما يضع القرارات التنظيمية الصادرة عن الجهات التنفيذية في موقع أكثر حساسية، بين ضرورة الاستجابة الفورية، ومتطلبات الالتزام بالإطار الدستوري. وهنا لا يُطرح التساؤل بوصفه حكماً على مشروعية القرار، بقدر ما هو محاولة لقراءة موقعه ضمن توازن دقيق بين مبدأ حماية الحقوق، ومقتضيات التدخل السريع الذي قد تفرضه الضرورة.
صيانة حقوق الملكيّة
وفي موازاة هذا النقاش القانوني لا بد من استحضار السياق الأوسع الذي عاشته سوريا خلال سنوات الحرب، حين لم تكن العلاقة بين النص القانوني والواقع مستقرة أو متطابقة. ففي تلك المرحلة، لم يبرز إطار تشريعي معلن يوقف بشكل كامل التصرف بالعقارات، إلا أن الواقع العملي، في كثير من المناطق، أنتج شكلاً آخر من التقييد يمكن وصفه بالتعطيل غير المقنن.
في تلك البيئة، لم يكن الأفراد بحاجة إلى نص قانوني يمنعهم من البيع أو نقل الملكية، بقدر ما كانوا يواجهون تعقيدات أمنية وإجرائية حالت دون ممارسة حقهم بشكل طبيعي. وقد أدى تداخل السلطات وصعوبة الوصول إلى المؤسسات الرسمية، إلى جانب متطلبات الموافقات الأمنية، إلى إضعاف القدرة الفعلية على التمتع بحقوق الملكية.
ورغم أن هذا التعطيل لم يكن مؤسساً على قواعد قانونية صريحة، إلا أن نتائجه كانت عميقة، وأكثر قسوة، كونه جمع بين غياب التنظيم وغياب الضمانات. ففي تلك الحالة، لم يكن المالك مقيداً بنص واضح يمكن الطعن فيه أو التظلم منه، بل بواقع متغير يصعب التنبؤ به، وخاضع لسلطة الأمر الواقع وتقلباتها.
تقييد مقونن
في المقابل، يأتي القرار الحالي ليضع التقييد ضمن إطار قانوني معلن ومحدد الأهداف، تحت عنوان حماية الحقوق ومنع الاستغلال، وهو ما يعكس توجهاً نحو ضبط الواقع بقواعد قانونية واضحة، بدلاً من تركه رهينة للظروف ولمزاج سلطة أمر واقع كما هو الحال في منطقة تنفيذ القرار.
في ضوء ذلك، تبدو المقارنة بين مرحلتين – مرحلة التعطيل غير المقنن، ومرحلة التقييد القانوني المعلن – ذات دلالة، لا من حيث المفاضلة، بل من حيث فهم طبيعة التحول في العلاقة بين القانون والواقع.
ففي المرحلة السابقة، أدى غياب الإطار القانوني الواضح إلى حالة من اللايقين أضعفت ثقة الأفراد بحقوقهم، وأثرت بشكل مباشر على استقرار معاملاتهم.
أما اليوم، فإن وجود قرار تنظيمي معلن، يستند إلى أهداف محددة، يعكس سعياً نحو إعادة ضبط هذه العلاقة ضمن قواعد أكثر وضوحاً وشفافية.
مقاربة مدروسة
ولا بد من الإشارة إلى البعد الزمني، إذ وُصف القرار بأنه مؤقت، لكنه لم يرتبط بمدة زمنية محددة، بل بظروف قد تستدعي تعديله أو إنهاءه. وهذا النمط من التدابير يطرح بطبيعته تحديات تتعلق باستقرار المعاملات وإمكانية التخطيط، خاصة في القضايا المرتبطة بحقوق الملكية. فما تُظهره التجارب القانونية أن جوهر التحدي لا يقتصر على فرض القيود عند الحاجة، بل يمتد إلى القدرة على إنهائها في التوقيت المناسب، ومنع تحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة.
في المحصلة، لا يبدو القرار معزولاً عن واقع معقد فرض شروطه، ولا عن محاولة تنظيم هذا الواقع ضمن إطار قانوني يحدّ من آثاره. فبين تجميد بعض مظاهر التصرف مؤقتاً، وخطر ترك الحقوق عرضة لموازين قوة غير متكافئة، تبرز الحاجة إلى مقاربة تأخذ بعين الاعتبار حماية الحق في مضمونه لا في شكله فقط.
ورغم ما يثيره القرار من تساؤلات مشروعة، خاصة على المستوى الزمني والدستوري، فإن الحكم عليه يبقى مرتبطاً بمدى قدرته على تحقيق الغاية التي أُقر من أجلها: ضبط مسار الملكية، ومنع استغلال الظروف، وتعزيز إحساس الأفراد بأن حقوقهم مصانة فعلياً لا نظرياً.
وفي هذا التوازن الدقيق، يتحدد موقع القرار، ليس كنص قانوني فحسب، بل كاختبار لإمكانية ترجمة الحماية إلى واقع، والاستجابة لمتطلبات مرحلة تفرض سرعة التدخل، دون أن تفقد القانون روحه الأساسية.


