سوريا - اقتصاد
قرار خفّض الأسعار لكنه أشعل أزمة البنزين.. هل أخفقت إدارة السوق في احتواء الطلب؟
ا
العين السورية
نشر في: ٥ يوليو ٢٠٢٦، ١٥:٤٨
3 دقيقة

في الاقتصاد، لا تتشكل الأزمات فجأة، بل تبدأ بإشارة صغيرة ثم تتحول إلى مشهد يومي يراه الجميع. وفي دمشق، لم تعد أزمة البنزين مجرد ازدحام أمام محطات الوقود، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة سوق المحروقات على استيعاب أي تغيير في الأسعار.
خمسة أيام من الطوابير، ومحطات تغلق أبوابها تباعاً، ومواطنون يبحثون عن محطة ما تزال تضخ البنزين، بينما تؤكد وزارة الطاقة أن الإمدادات مستمرة وأن البلاد تضخ أكثر من 7.3 ملايين لتر يومياً. وبين الرواية الرسمية وما يعيشه المواطن على الأرض، يبرز سؤال أكثر أهمية: إذا لم يكن هناك نقص في البنزين، فلماذا تبدو الأزمة بهذا الحجم؟
استعداد غير كامل
خفض أسعار البنزين واعتماد التسعير بالليرة السورية كان قراراً منطقياً من حيث المبدأ، إذ خفّض العبء المالي على المستهلكين، لكنه في المقابل أطلق موجة طلب واسعة لم تواكبها جاهزية كافية في منظومة التوزيع.
فعندما يهبط السعر، يتغير سلوك السوق تلقائياً. من كان يشتري عشرين لتراً أصبح يملأ خزانه بالكامل، ومن كان يؤجل التعبئة سارع إليها، فيما فضل آخرون تخزين كميات خشية تكرار الأزمات.
هذا السلوك ليس استثنائياً، بل هو أحد أبسط قوانين الاقتصاد. والاستثناء الحقيقي هو أن يحدث هذا التحول دون خطة استباقية لاحتواء الزيادة في الطلب.
المشكلة ليست في اللترات... بل في وصولها!
وزارة الطاقة أكدت أن التوريدات لم تتوقف، وأن مئات الصهاريج تنطلق يومياً من مراكز التوزيع، لكن وفرة الكميات على الورق لا تعني بالضرورة توفرها في الوقت والمكان المناسبين.
فالاقتصاد لا يقيس نجاح سلسلة التوريد بحجم المخزون، بل بسرعة وصوله إلى المستهلك. وإذا كانت محطات الوقود تنفد منها الكميات خلال ساعات، ثم تبقى مغلقة بانتظار وصول التوريدات، فإن السوق يدخل تلقائياً في دائرة اختناق، حتى لو كانت الإمدادات الإجمالية كافية.
عندما تسبق الشائعة القرار
في الأزمات، لا تتحكم الوقائع وحدها بالسوق، بل تلعب التوقعات دوراً لا يقل أهمية. ..فمجرد تداول أنباء عن احتمال تخفيض الأسعار دفع بعض المحطات إلى تأجيل طلب كميات جديدة، بينما اندفع المواطنون إلى انتظار السعر الجديد قبل التوجه للتعبئة. وبعد صدور القرار، التقت موجة الطلب المرتفعة مع مخزون منخفض، فكانت النتيجة طوابير امتدت في شوارع دمشق وغيرها من المحافظات ..
إنها حالة تُعرف اقتصادياً بـ"الطلب المؤجل"، حيث يتحول القرار السعري إلى نقطة انطلاق لازدحام كبير إذا لم تُدار المرحلة الانتقالية بدقة.
هل تكفي قرارات التقنين؟
اقتصار التعبئة على 20 أو 30 أو 40 لتراً لكل سيارة، ومنع بيع البنزين في الجالونات، قد يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه لا يعالج أصل المشكلة.
فهذه الإجراءات تبطئ الاستهلاك، لكنها لا تزيد سرعة الإمداد، ولا تمنع القلق الذي يدفع كثيرين إلى البحث عن الوقود بمجرد سماع أي شائعة.
كيف يمكن تفادي الأزمة؟
يبدو أن الحل ليس في زيادة البنزين فقط... بل في تغيير آلية إدارة السوق..
فالخبير الاقتصادي، د. باسم المصطفى يرى في حديثه لـ " العين السورية"، أن أزمة البنزين الحالية لا تعكس بالضرورة نقصاً في المادة، بقدر ما تكشف عن خلل في إدارة منظومة التوزيع والتنبؤ بالطلب، موضحاً أن أي قرار بتخفيض الأسعار يجب أن يسبقه رفع المخزون في المحطات وزيادة وتيرة التوريد، لأن انخفاض الأسعار يؤدي بطبيعته إلى قفزة في الطلب.
وأضاف أن الحلول الإسعافية، مثل تحديد كميات التعبئة أو منع بيع البنزين في الجالونات، قد تخفف الازدحام مؤقتاً، لكنها لا تعالج جذور المشكلة، مؤكداً أن المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستباقي.
واقترح الخبير خمس خطوات يمكن أن تنهي تكرار هذه الأزمة..
أولاً: إنشاء مخزون استراتيجي داخل محطات الوقود يكفي عدة أيام قبل تطبيق أي تعديل على الأسعار.
ثانياً: اعتماد نظام توزيع مرن يوجّه كميات إضافية مباشرة إلى المدن الأعلى استهلاكاً مثل دمشق وحلب عند ارتفاع الطلب.
ثالثاً: إطلاق منصة إلكترونية أو خدمة رسائل تُظهر للمواطنين المحطات التي تتوافر فيها المادة والكميات المتاحة، ما يخفف الازدحام ويمنع التنقل العشوائي بين المحطات.
رابعاً: نشر بيانات يومية بشفافية حول كميات البنزين الموردة لكل محافظة، لأن غياب المعلومات الدقيقة يفتح الباب أمام الشائعات ويزيد من عمليات التخزين.
خامساً: وضع خطة طوارئ تُفعّل تلقائياً عند أي تعديل في الأسعار، تشمل زيادة عدد الصهاريج وساعات عمل المحطات لضمان استمرار انسيابية التوزيع.
وختم الخبير بالقول: "نجاح أي سياسة لتخفيض الأسعار لا يُقاس بقيمة التخفيض فقط، بل بقدرة المواطن على الوصول إلى المادة بسهولة. فإذا تحول انخفاض السعر إلى طوابير انتظار، فإن المكسب الاقتصادي يفقد جزءاً كبيراً من أثره على حياة الناس.
تطمينات الوزارة
وكانت وزارة الطاقة أعلنت في وقت سابق اليوم الأحد، انطلاق طلبات توزيع البنزين من مركزي التوزيع في بانياس وحمص إلى مختلف المحافظات السورية، وذلك لتعزيز مخزون محطات الوقود، وتلبية الطلب على المادة في المحافظات ضمن خطة التوزيع اليومية المستمرة للمشتقات النفطية.
وذكرت الوزارة عبر قناتها على التلغرام، أن الشركات والمؤسسات المعنية بقطاع المحروقات تواصل تنفيذ عمليات التوريد والتوزيع وفق الخطة المعتمدة، فيما تتابع وزارة الطاقة، بتوجيهات مباشرة من وزير الطاقة محمد البشير، حركة توزيع الكميات ميدانياً وعلى مدار الساعة، بما يضمن سرعة وصولها إلى محطات الوقود، واستمرار انسيابية التوريد في مختلف المحافظات.
وأكد مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة عبد الحميد سلات في تصريح لـ سانا أن حركة التوزيع اليوم تشهد انطلاق 305 طلبات من البنزين تباعاً من مركزي التوزيع في بانياس وحمص، بحجم 24 ألف ليتر للطلب الواحد، وبإجمالي 7 ملايين و320 ألف ليتر، وذلك ضمن خطة التوزيع اليومية لتغذية محطات الوقود في مختلف المحافظات، لافتاً إلى أنه تم حتى ظهر اليوم الأحد، تنفيذ 164 طلباً بإجمالي 3 ملايين و936 ألف ليتر من البنزين، فيما تواصل الصهاريج انطلاقها تباعاً لاستكمال تنفيذ بقية الطلبات وفق الخطة المعتمدة.


