العالم - اقتصاد
كيف تحول " هرمز" إلى طوق حصار لإيران ؟
ا
العين السورية
نشر في: ٢٦ أبريل ٢٠٢٦، ١٠:٣٤عدل في: ٢٦ أبريل ٢٠٢٦، ١٠:٣٤
3 دقيقة
1

بات «مضيق هرمز» ورقة ضغط على إيران وتحوّل إلى عامل ارتداد اقتصادي يزيد من تعقيد أزمتها الداخلية.
فبينما سعت طهران لاستثمار موقعها كورقة نفوذ في سوق الطاقة، جاءت القيود البحرية الأميركية لتقلب المعادلة، عبر تضييق حركة صادراتها النفطية وتعطيل سلاسل الإمداد.
الحصار الذي بدأ في 13 نيسان الجاري، بعد نحو 40 يوماً من غلق «هرمز»، يراه خبراء طاقة، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، يضاعف الضغوط على الاقتصاد الإيراني، مع انخفاض حاد في الإيرادات وتدهور حاد في العملة الوطنية والأداء الاقتصادي، لافتين إلى أن تدابير المواجهة بتنشيط المسار البري وما شابه يساعد في دعم نشاط اقتصادي محدود لا أكثر، وسط توقعات باستمرار الحصار وتفاقم الأزمة الاقتصادية دون انهيار كامل.
خسائر بمئات مليارات الدولارات
وفي 14 نيسان الجاري، قدرت طهران الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يقترب من إجمالي الناتج المحلي السنوي للبلاد، واعتبرت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني، بأنه قابل للزيادة المفتوحة.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية عن تقديرات تشير إلى أن حصار واشنطن على إيران، يكلفها أكثر من 500 مليون دولار يوميا، وهو رقم أكده الرئيس دونالد ترامب قبل أيام معتبراً أن هذا الرقم لا يُمكن تحمله حتى على المدى القصير.
ويعتمد اقتصاد إيران شكل كبير على التجارة البحرية إذ يمر أكثر من 90% من التجارة السنوية عبر «مضيق هرمز». ووفق تقديرات غير رسمية، كانت إيران تصدر قبل الحصار حوالي 1.5 مليون برميل يومياً بعائدات تقدر بنحو 139 مليون دولار، وصادرات البتروكمياويات بنحو 54 مليون دولار يوميا وصادرات المعادن والمنتجات غير النفطية بقيمة نحو 79مليون دولار يومياً بالمقابل تستورد بحوالي 159 مليون دولار من السلع يومياً.
معادلة مقلوبة
ويرى عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات، وضاح الطه، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن قيام إيران بتعطيل «مضيق هرمز»، بات حالياً يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني، بعد الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران، معتبرا أن هذا الحصار هو نتيجة طبيعية، أو أحد النتائج المتوقعة.
وأوضح الطه، أن الاقتصاد الإيراني يعاني جراء هذا السلوك الذي تبنته طهران، حيث كانت تحاول من خلاله الضغط على الولايات المتحدة برفع أسعار الطاقة والتأثير بشكل مباشر على ميزانية الفرد الأميركي خاصة ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المتمثل في الانتخابات النصفية في نوفمبر من هذا العام، مشيراً إلى أن الواقع الحالي بعد الحصار جعل إيران تدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً.
ويعتقد الطه، أن واشنطن ستستمر في هذا الحصار لأسباب أولها مفاقمة خسائر إيران والضغط عليها اقتصادياً مع خسائر بالإيرادات وارتفاع التضخم وإمكانية غلق آبار وتهديد قدراتها الإنتاجية مستقبلاً، بخلاف معاقبة أوروبا التي لم تشارك معها في هجماتها ضد طهران، وباتت تعاني موازناتها من عجز كبير وباتت المتضرر الأكبر من عملية الغلق كونها تستورد الغاز والنفط الخام من هذه المنطقة.
وحاولت دول أوروبية مثل إسبانيا، دعم أسعار الطاقة بمبلغ 5 مليارات، كما عملت على تخفيض ضريبة البنزين من 21% إلى 10%، بينما وصل العجز في الموازنة الفرنسية إلى 5.1%، متجاوزا الحد الأقصى المسموح به في الاتحاد الأوروبي والبالغ 3%، بحسب الطه.
واشنطن تزيد القبضة
ويخنق هذا الحصار الأميركي، نحو 90% من النفط الإيراني المصدر والذي يبلغ تقريباً 1.7 مليون برميل يوميا، لافتاً إلى أن هذا النفط كان يوجه للصين، مما أدى لضغوط اقتصادية على بكين أيضاً.
وما يجعل واشنطن تفضل استمرار خيار الحصار البحري فترة أطول، وبقاء الأوضاع على ما هي عليه رغم استطاعتها أن تحسم أمر فتح المضيق عسكرياً في يومين ثلاثة بحسب الطه، هو أن الولايات المتحدة مستفيدة من ارتفاع الأسعار من ناحية الصادرات.
أميركا تربح
وأوضح الطه أن الصادرات الأميركية ارتفعت بشكل كبير وبأسعار عالية، حيث بلغت أكثر من 5 ملايين برميل يوميا مقتربة من أن تصبح مصدراً صافياً ولا يتبق أمامها سوى تصدير حوالي 66 ألف برميل إضافي لتتحول رسمياً إلى ذلك، وكانت آخر مرة كذلك في عام 1943.
وقال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، في 24 أبريل الجاري إن الحصار البحري على إيران يتوسع، والولايات المتحدة «ليست متلهفة» للتوصل إلى اتفاق معها، بحسب «رويترز».
الريال الإيراني يتآكل
ويرى الخبير الاستراتيجي في الطاقة والزميل الزائر بجامعة جورج ميسون الأميركية، أوميد شكري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الحصار واستمراره سيكونان بمثابة خسارة فادحة لإيران.
وأوضح شكري أن الحصار البحري على إيران يؤدي في البداية إلى تعطيل صادرات النفط الخام من خلال تقييد وصول ناقلات النفط، مما يقلل من عمليات التحميل في الموانئ الرئيسية مثل جزيرة خرج، وهذا بدوره سيحد سريعاً من المصدر الرئيسي لعائدات إيران من العملات الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، ستتأثر الصادرات غير النفطية، بما في ذلك البتروكيماويات والمعادن وغيرها من السلع المنقولة بحراً، مما سيحدّ بشكل أكبر من تدفقات النقد الأجنبي لإيران، وفق شكري.
وسيكون الأثر الاقتصادي المباشر انخفاضاً حاداً في إيرادات إيران، حيث لا تزال صادرات النفط مصدراً حيوياً للدخل المالي، مما يؤدي إلى صعوبة تمويل الواردات واستقرار سعر الصرف، ويضغط على الريال الإيراني نحو الانخفاض، بحسب شكري.
ومن المرجح أن يترجم هذا الحصار البحري على إيران إلى ارتفاع التضخم، وزيادة تكاليف الاستيراد، وتفاقم النقص في القطاعات الرئيسية، وفق شكري، معتقداً أن ذلك لن يصل التقدير المبالغ المرتبط بالشلل الاقتصادي التام، ولو هناك تدهور حاد في الأداء الاقتصادي.
مسارات بديلة
إلا أن الاقتصاد الإيراني «سيواصل العمل بطاقة إنتاجية مُخفضة. والنتيجة الأكثر واقعية ليست إغلاقاً تاماً، بل انخفاض في الكفاءة، وتفاقم الاختناقات، وتباطؤ اقتصادي أعمق»، وفق تقدير شكري.
وعن خيارات طهران، لتجاوز الحصار أو التخفيف من تداعياته، أضاف: «طورت إيران عدة آليات للتخفيف من آثار الضغوط الخارجية، وتشمل هذه الوسائل التجارة البرية مع بعض الدول، واستخدام شبكات الشحن غير الرسمية، وعمليات النقل بين السفن، والقنوات المالية غير الرسمية، وإعادة توجيه الصادرات عبر مسارات بديلة».
مع أن هذه الاستراتيجيات بحسب شكري «قد تساعد في دعم نشاط اقتصادي محدود، إلا أنها بطبيعتها أقل كفاءة وأكثر تكلفة وأصغر نطاقاً من التجارة البحرية التقليدية. ونتيجة لذلك، يمكنها التخفيف من الأثر المباشر، لكنها لا تستطيع التعويض الكامل عن الخسائر».
وعملياً، من غير المرجح أن تعوض هذه الاستراتيجيات بشكل كامل الأثر الهيكلي لحصار طويل الأمد، وفق تقديرات شكري.
وعن المسار المحتمل للاقتصاد الإيراني، أضاف شكري: «في ظل حصار طويل الأمد، من المرجح أن يشهد الاقتصاد الإيراني انكماشاً مستمراً بدلاً من التكيف الكامل، وسيستمر النشاط الاقتصادي عبر قنوات بديلة، لا سيما الاقتصاد غير الرسمي وشبكات التجارة الإقليمية، لكن هذه القنوات تعتمد على نقاط الوصول المادية ولا يمكنها أن تحل محل الصادرات البحرية على نطاق واسع».
لكن بمرور الوقت، ستؤثر انخفاضات الإيرادات وضغوط العملة وتقييد الإنتاج الصناعي سلباً على النمو، مما يؤدي إلى انكماش مطول، وفق شكري، مشيراً إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو سيناريو هجين يتمثل في «تكيف جزئي يسمح للنظام بالعمل، ولكن بمستويات كفاءة وإنتاج أقل بكثير، بما لا يقود لانهيار لاقتصاد تماماً، لكنه سيواجه صعوبة في العودة إلى ظروف النمو الطبيعية طالما استمر الحصار».


