سوريا - سياسة
سوريا تطوي صفحة النفوذ الروسي.. كيف رسمت دمشق علاقاتها الجديدة مع موسكو؟
أ
أحمد الكناني
نشر في: ١٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:٠٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تطوي الدبلوماسية السورية سنوات طويلة من الهيمنة الروسية على الأراضي السورية، فبعد عام ونصف من سقوط النظام المخلوع، لم يعد الوجود الروسي في سوريا كما كان عليه، إذ انسحبت معظم القواعد والنقاط العسكرية الروسية، والتي بلغ عددها في منتصف عام 2024 نحو (114) قاعدة ونقطة موزعة على مختلف المحافظات السورية، لينحسر هذا الوجود خلال عام 2025 إلى ثلاث قواعد رئيسية، أبرزها مطار القامشلي، الذي انسحبت منه القوات الروسية لاحقاً، قبل أن تنهي مذكرة التفاهم الأخيرة حول "حميميم" و"طرطوس" آخر ما تبقى من الحضور العسكري الروسي في سوريا.
وبالرغم من أن المذكرة لا تعني القطيعة مع موسكو بالمفهوم الدبلوماسي، إلا أنها تعكس تغيراً واضحاً في شكل العلاقة معها، إذ تتجه دمشق إلى إدارة منشآتها المدنية بنفسها، فيما يجري تحويل المنشآت العسكرية الروسية إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك، وبذلك ترسم سوريا علاقاتها مع روسيا على أساس التفاهم والمصالح المتبادلة، ولا سيما بعد استعادة مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس إلى إدارة الدولة السورية، تمهيداً لإدخالهما ضمن منظومة الإدارة المدنية، الأمر الذي يثير عدة تساؤلات حول طبيعة الدور والوجود الروسي المتبقي في سوريا.
حدود سياسية
تشير التقديرات السياسية إلى أن الاتفاق الجديد يعني عملياً إنهاء الصيغة العسكرية للوجود الروسي في سوريا، والتي أخذت مواقعها في البلاد بموجب الاتفاقات التي وقعها رئيس النظام المخلوع مع موسكو عامي 2015 و2017.
يشير الباحث السياسي د. حمزة المحيميد إلى أن مذكرة التفاهم المتعلقة بالقواعد الروسية غيّرت مسارات التبعية التي كان النظام قد أرسى أسسها مع روسيا، لجهة الوجود في طرطوس، بموجب اتفاق عام 2017 الذي نص على وجود روسي لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد تلقائياً لمدة 25 عاماً، وعلى الاستخدام المجاني للمنشآت والأراضي والمياه المخصصة للمركز العسكري، كذلك اتفاق عام 2015 الخاص بحميميم، والذي ينص على منح روسيا حق استخدام القاعدة الجوية والأراضي اللازمة مجاناً ولمدة غير محددة، مع السماح بإدخال الأسلحة والذخائر والمعدات من دون رسوم، وبناء على مذكرة التفاهم جرى إعادة جميع صياغة هذه الترتيبات ضمن اتفاق جديد يضمن سيادة البلدين.
وفي حديثه لـ«العين السورية»، لفت المحيميد إلى أن دمشق استعادت سيادتها على إدارة منشآت مدنية ومواقع استراتيجية على البحر المتوسط، إلا أن ذلك لا يعني قطع علاقتها مع روسيا، إذ يستمر التعاون العسكري من خلال مراكز التدريب المشتركة، ولا سيما في ظل وجود العديد من الاتفاقيات الخاصة بالتسليح والتدريب بين البلدين، والتي تراها دمشق قائمة على مصلحة متبادلة.
من جانبه، يعتقد الباحث في الشؤون الاستراتيجية غسان يوسف أن مذكرة التفاهم يمكن قراءتها باعتبارها الاتفاقية الأولى التي تجمع بين الإدارة السورية الجديدة وروسيا، إذ تقوم على التفاهم والتعاون، والانتقال من مرحلة سابقة اتسمت بالتبعية نتيجة حاجة النظام المخلوع إلى الدعم الروسي، إلى مرحلة تتولى فيها سوريا الإشراف على الميناء والمطار، وبالتالي تنتقل العلاقة مع موسكو إلى مرحلة من التعاون الواضح والمباشر بين الدولة السورية والدولة الروسية.
إشراف استراتيجي وتقني
تتولى الحكومة السورية، بموجب الاتفاق الجديد، إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.
وفي هذا السياق يوضح الباحث في الشؤون الاستراتيجية غسان يوسف إلى أنه بموجب الاتفاق سيُعاد تشغيل مطار اللاذقية المدني، ليعود إلى العمل بصورة طبيعية، بالتوازي مع الحد من الوجود الروسي في مطار حميميم العسكري بما لا يعيق حركة الرحلات الجوية السورية، ويتيح استعادة الدولة السورية سيطرتها على أجوائها الجوية، دون أن يحتاج الطيران المدني إلى التنسيق أو أخذ الإذن من القوات الروسية كما كان سابقاً.
من جانبه، لفت الباحث السياسي المحيميد إلى أن وضع الرصيف الرابع في ميناء طرطوس تحت إدارة الدولة السورية يعزز السعة الاستيعابية للمرفأ ويرفع قدرته على مناولة البضائع، ما قد يحول الميناء إلى مشغل رئيسي ومعتمد في حركة التجارة ونقل البضائع ومجالات النقل البحري. كما يعاد تفعيل مطار اللاذقية بشكله الطبيعي، ليدخل ضمن منظومة الخدمة السورية بعد أن كان مرتبطاً تشغيلياً بالقرار الروسي.
مصلحة روسية!
لا شك أن مذكرة التفاهم السورية أعادت تأطير صيغة الوجود الروسي ومصالحه الاستراتيجية في سوريا، إذ يعتقد الباحث في الشؤون الاستراتيجية غسان يوسف أن الوجود والنفوذ الروسي يمر بحالة تراجع عامة في عدة مناطق، تشمل ليبيا وسوريا وإفريقيا، نتيجة انشغال موسكو المستمر بالحروب والمواجهات العسكرية في أوكرانيا.
إلا أن موسكو قد تقرأ هذا التحول من زاوية أخرى، لناحية التفرغ وإعادة تركيز مواردها على ساحات أخرى خارج سوريا، بما يمكنها من التعامل مع الملفات الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليها، وفي مقدمتها الجبهة الأوكرانية.
ومع ذلك، بيّن يوسف أن العلاقات الثنائية الاقتصادية والسياسية قد تشهد تطوراً في مجالات محددة، مثل تزويد سوريا بالوقود، وملف القمح، أو المساهمة في إعادة الإعمار، إلى جانب استمرار مجالات التعاون العسكري بين الجانبين.
يضيف في هذا الإطار الباحث المحيميد إلى أن موسكو قد لا تتمكن من الحفاظ على كامل مصالحها الجيوسياسية في المنطقة في ظل التطورات الأخيرة والضغوط الدولية المتزايدة من عدة أطراف، بينها أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي، الذين طالبوا بإنهاء التعاون العسكري مع موسكو، ورغم ذلك، قد تستخدم موسكو ما تبقى لها من حضور في سوريا كنقطة اتصال مع قواعدها في ليبيا وإفريقيا، وهو ملف لم تحسمه مذكرة التفاهم بعد، بما في ذلك مسألة بقاء الطائرات والسفن الحربية الروسية في سوريا أو مغادرتها، وطبيعة التسهيلات التي يمكن أن تحصل عليها موسكو ضمن الترتيبات الجديدة.


