العالم - صحة
كيمياء الدماغ وكهربته.. كيف تصنع الخلايا العصبية حالتنا النفسية؟
ا
العين السورية
نشر في: ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٠:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لطالما اعتقد الإنسان أن المشاعر من حزن وفرح وخوف وقلق وحب وغضب هي مجرد حالات نفسية مرتبطة بما نمر به من أحداث وتجارب.
لكن العلم الحديث كشف أن وراء كل شعور تقريباً شبكة معقدة من العمليات الكيميائية والكهربائية داخل الدماغ، وأن حالتنا النفسية ليست منفصلة عن بيولوجيا أجسامنا، بل هي انعكاس لتفاعل بالغ التعقيد بين الخلايا العصبية والمواد الكيميائية والإشارات الكهربائية والدارات الدماغية.
دور النواقل العصبية في تنظيم المزاج والمشاعر
ومن هنا بدأ مفهوم مهم في الطب النفسي الحديث: الدماغ لا يعمل بمادة كيميائية واحدة، وإنما بشبكة متكاملة من النواقل العصبية والدارات العصبية التي تتفاعل باستمرار مع البيئة والهرمونات والجينات والتجارب الحياتية.
فالخلايا العصبية في الدماغ تتواصل فيما بينها من خلال إشارات كهربائية ومواد كيميائية تعرف باسم النواقل العصبية.

فالخلايا العصبية في الدماغ تتواصل فيما بينها من خلال إشارات كهربائية ومواد كيميائية تعرف باسم النواقل العصبية.
ومن أشهرها: السيروتونين، والدوبامين، والنورأدرينالين، والغابا، والغلوتامات.
يلعب الدوبامين دوراً مهماً في نظام المكافأة والتحفيز والتعلم والشعور بالمتعة.
يلعب الدوبامين دوراً مهماً في نظام المكافأة والتحفيز والتعلم والشعور بالمتعة.
بينما يرتبط السيروتونين بتنظيم المزاج والنوم والشهية وبعض الوظائف المعرفية.
أما النورأدرينالين فيشارك في الانتباه والاستجابة للضغط النفسي واليقظة.
تصحيح المفاهيم الشائعة
لكن من الخطأ اختزال الأمر في العبارة الشائعة: "الاكتئاب سببه نقص السيروتونين". فالدراسات الحديثة أظهرت أن الاضطرابات النفسية أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع أو انخفاض مادة واحدة، وأن الاختلال قد يحدث في طريقة عمل المستقبلات أو الاتصالات بين مناطق الدماغ أو في كيفية استجابة الدارات العصبية لهذه النواقل.وقد أظهرت أبحاث التصوير العصبي أن بعض مرضى الاكتئاب يعانون تغيرات في الدارات المرتبطة بالمكافأة ومعالجة المشاعر، وأن هذه التغيرات قد تختلف من شخص إلى آخر.
المزيج المذهل بين الكهرباء والكيمياء
حيث أن كل خلية عصبية قادرة على إنتاج إشارات كهربائية تنتقل عبر محورها العصبي، ثم تتحول عند نقاط الاتصـال بين الخلايا، أو المشابك العصبية، إلى إشارات كيميائية.
وهكذا يمكن تخيل الدماغ كشبكة هائلة تعمل بنظام مزدوج: كهرباء تنتقل داخل الخلايا، وكيمياء تتولى التواصل بينها.
وهذه الإشارات الكهربائية ليست عشوائية، وإنما تعمل ضمن أنماط وإيقاعات مختلفة، ويعتقد العلماء أن اضطراب هذه الأنماط يمكن أن يؤثر في النوم والانتباه والذاكرة والانفعال وحتى المزاج.
ومن هنا جاءت أهمية تقنيات مثل تخطيط كهربائية الدماغ EEG والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، إضافة إلى تقنيات أكثر تطوراً تسمح بدراسة نشاط الدارات العصبية بصورة دقيقة.
حيث أن كل خلية عصبية قادرة على إنتاج إشارات كهربائية تنتقل عبر محورها العصبي، ثم تتحول عند نقاط الاتصـال بين الخلايا، أو المشابك العصبية، إلى إشارات كيميائية.
وهكذا يمكن تخيل الدماغ كشبكة هائلة تعمل بنظام مزدوج: كهرباء تنتقل داخل الخلايا، وكيمياء تتولى التواصل بينها.
وهذه الإشارات الكهربائية ليست عشوائية، وإنما تعمل ضمن أنماط وإيقاعات مختلفة، ويعتقد العلماء أن اضطراب هذه الأنماط يمكن أن يؤثر في النوم والانتباه والذاكرة والانفعال وحتى المزاج.
ومن هنا جاءت أهمية تقنيات مثل تخطيط كهربائية الدماغ EEG والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، إضافة إلى تقنيات أكثر تطوراً تسمح بدراسة نشاط الدارات العصبية بصورة دقيقة.
مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المشاعر والانفعالات
الحالة النفسية لا تصنعها منطقة واحدة في الدماغ، هناك شبكات واسعة تشمل القشرة الجبهية، واللوزة الدماغية، والحصين، والقشرة الحزامية، ومناطق مرتبطة بنظام المكافأة.

اللوزة الدماغية، مثلًا، تلعب دورًا أساسيًا في معالجة الخوف والتهديد، بينما تساعد مناطق من القشرة الجبهية في تنظيم الاستجابات الانفعالية والتحكم بها.
وعندما يحدث خلل في التواصل بين هذه المناطق تصبح الاستجابة للخوف أو الحزن أو الضغط النفسي أكثر شدة أو تستمر فترة أطول من الطبيعي.
ولهذا يتجه علم الأعصاب النفسي الحديث بشكل متزايد من البحث عن "المادة المسؤولة عن المرض" إلى البحث عن الدارات العصبية المضطربة وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض. ويضع المعهد الوطني للصحة النفسية هذه الدارات ضمن محاور أساسية لفهم الأمراض النفسية وتطوير علاجات أكثر استهدافًا.
وعندما يحدث خلل في التواصل بين هذه المناطق تصبح الاستجابة للخوف أو الحزن أو الضغط النفسي أكثر شدة أو تستمر فترة أطول من الطبيعي.
ولهذا يتجه علم الأعصاب النفسي الحديث بشكل متزايد من البحث عن "المادة المسؤولة عن المرض" إلى البحث عن الدارات العصبية المضطربة وطريقة تفاعلها مع بعضها البعض. ويضع المعهد الوطني للصحة النفسية هذه الدارات ضمن محاور أساسية لفهم الأمراض النفسية وتطوير علاجات أكثر استهدافًا.
كيف تغير التجارب النفسية وظائف الدماغ؟
ومن أكثر الأمور إثارة للاهتمام أن العلاقة ليست باتجاه واحد. فالدماغ يؤثر في حالتنا النفسية، لكن التجارب النفسية بدورها قادرة على تغيير وظائف الدماغ.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل الصحة النفسية عن النوم والغذاء والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية والظروف الحياتية.
فالإنسان ليس "دماغًا" يعمل في فراغ، وإنما منظومة متكاملة يتفاعل فيها الجهاز العصبي والغدد والهرمونات والمناعة والبيئة باستمرار.
ومن الدراسات المهمة التي ساعدت على تغيير فهمنا للاكتئاب أبحاث استخدمت التصوير الدماغي والتلاعب المؤقت ببعض النواقل العصبية، وأظهرت أن الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الاكتئاب قد يمتلكون قابلية مختلفة لاستجابة دوائر معينة عند حدوث تغير في الدوبامين والنورأدرينالين.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل الصحة النفسية عن النوم والغذاء والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية والظروف الحياتية.
فالإنسان ليس "دماغًا" يعمل في فراغ، وإنما منظومة متكاملة يتفاعل فيها الجهاز العصبي والغدد والهرمونات والمناعة والبيئة باستمرار.
ومن الدراسات المهمة التي ساعدت على تغيير فهمنا للاكتئاب أبحاث استخدمت التصوير الدماغي والتلاعب المؤقت ببعض النواقل العصبية، وأظهرت أن الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الاكتئاب قد يمتلكون قابلية مختلفة لاستجابة دوائر معينة عند حدوث تغير في الدوبامين والنورأدرينالين.
وهذا دعم فكرة أن المشكلة ليست مجرد "نقص مادة"، وإنما اختلاف في طريقة عمل شبكة عصبية كاملة.
تعديل النشاط الكهربائي للدماغ
وفي السنوات الأخيرة أصبح الاهتمام أكبر بتعديل النشاط الكهربائي للدماغ كوسيلة علاجية. ومن أبرز الأمثلة التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة RTMS، الذي يستطيع التأثير في نشاط مناطق سطحية من الدماغ وبالتالي تعديل نشاط مناطق أعمق مرتبطة بها.
وفي دراسة مدعومة من المعهد الوطني للصحة النفسية، وجد الباحثون أن استهداف مناطق قشرية مرتبطة بالقشرة الحزامية تحت الركبية يمكن أن يؤثر في الدارات المرتبطة بالاكتئاب، وأن التغير في هذه الاتصالات ارتبط بتحسن الأعراض.
وهذا يمثل تحولاً مهماً: بدل الاكتفاء بتعديل كيمياء الدماغ بالأدوية، أصبح بالإمكان في بعض الحالات تعديل نشاط الدارات العصبية نفسها.
وفي السنوات الأخيرة أصبح الاهتمام أكبر بتعديل النشاط الكهربائي للدماغ كوسيلة علاجية. ومن أبرز الأمثلة التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة RTMS، الذي يستطيع التأثير في نشاط مناطق سطحية من الدماغ وبالتالي تعديل نشاط مناطق أعمق مرتبطة بها.

وفي دراسة مدعومة من المعهد الوطني للصحة النفسية، وجد الباحثون أن استهداف مناطق قشرية مرتبطة بالقشرة الحزامية تحت الركبية يمكن أن يؤثر في الدارات المرتبطة بالاكتئاب، وأن التغير في هذه الاتصالات ارتبط بتحسن الأعراض.
وهذا يمثل تحولاً مهماً: بدل الاكتفاء بتعديل كيمياء الدماغ بالأدوية، أصبح بالإمكان في بعض الحالات تعديل نشاط الدارات العصبية نفسها.
مستقبل الطب النفسي
يعمل الباحثون على الجمع بين التصوير الدماغي، وتخطيط النشاط الكهربائي، والتحليل الجيني، والذكاء الاصطناعي، والبيانات السريرية لمحاولة تحديد الأنماط العصبية المختلفة لدى المرضى.
وقد يسمح ذلك مستقبلًا بالانتقال من العلاج التقليدي الذي يناسب مجموعة كبيرة من المرضى إلى علاج أكثر شخصية، يتم اختيار الدواء أو التحفيز الدماغي أو التدخل النفسي وفقًا للآليات العصبية الموجودة لدى كل شخص.
وقد يسمح ذلك مستقبلًا بالانتقال من العلاج التقليدي الذي يناسب مجموعة كبيرة من المرضى إلى علاج أكثر شخصية، يتم اختيار الدواء أو التحفيز الدماغي أو التدخل النفسي وفقًا للآليات العصبية الموجودة لدى كل شخص.
تجاوز الفكرة المبسطة للأمراض النفسية
ومن وجهة نظري من أهم التطورات في الطب النفسي الحديث أننا بدأنا نتجاوز الفكرة المبسطة التي تقول إن المرض النفسي إما "مشكلة نفسية" أو "خلل كيميائي في الدماغ".
الحالة النفسية هي نتيجة تفاعل مستمر بين الكيمياء والكهرباء والدارات العصبية والجينات والهرمونات والتجارب الحياتية والبيئة.
ولهذا لا ينبغي أن يشعر المريض بالاكتئاب أو القلق بالذنب أو أن يُطلب منه ببساطة "أن يفكر بإيجابية"، كما لا ينبغي في المقابل اختزال شخصيته ومشاعره في مستوى ناقل عصبي واحد.
إن فهم الدماغ بهذه الصورة المتكاملة قد يقودنا إلى طب نفسي أكثر دقة، وأكثر قدرة على اختيار العلاج المناسب لكل مريض. والأهم أن هذا الفهم يرسخ حقيقة طبية وإنسانية مهمة: المرض النفسي مرض حقيقي له أساس بيولوجي، لكنه في الوقت نفسه يتأثر بشدة بالإنسان وبيئته وتجربته وحياته.
وربما يكون مستقبل الطب النفسي قائمًا على إعادة تنظيم الحوار بين العقل والجسد، لا على الفصل بينهما لأن العقل في النهاية ليس كيانًا منفصلًا عن الدماغ، والدماغ ليس منفصلًا عن الإنسان الذي يعيش ويتألم ويحب ويخاف ويتعافى.
الحالة النفسية هي نتيجة تفاعل مستمر بين الكيمياء والكهرباء والدارات العصبية والجينات والهرمونات والتجارب الحياتية والبيئة.

ولهذا لا ينبغي أن يشعر المريض بالاكتئاب أو القلق بالذنب أو أن يُطلب منه ببساطة "أن يفكر بإيجابية"، كما لا ينبغي في المقابل اختزال شخصيته ومشاعره في مستوى ناقل عصبي واحد.
إن فهم الدماغ بهذه الصورة المتكاملة قد يقودنا إلى طب نفسي أكثر دقة، وأكثر قدرة على اختيار العلاج المناسب لكل مريض. والأهم أن هذا الفهم يرسخ حقيقة طبية وإنسانية مهمة: المرض النفسي مرض حقيقي له أساس بيولوجي، لكنه في الوقت نفسه يتأثر بشدة بالإنسان وبيئته وتجربته وحياته.
وربما يكون مستقبل الطب النفسي قائمًا على إعادة تنظيم الحوار بين العقل والجسد، لا على الفصل بينهما لأن العقل في النهاية ليس كيانًا منفصلًا عن الدماغ، والدماغ ليس منفصلًا عن الإنسان الذي يعيش ويتألم ويحب ويخاف ويتعافى.


