سوريا - رأي
لماذا يحتاج الاستثمار في سوريا الجديدة نصّاً جديداً؟
ا
العين السورية - شذا ابراهيم
نشر في: ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٣٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يبني المستثمر قراره على معرفة أن القاعدة القانونية اليوم ستبقى ثابتة للغد، فالمال جبانٌ بطبعه، يفرّ من حيث لا يستطيع التنبّؤ، ويستقرّ حيث يُمكنه قراءة المستقبل قبل أن يخطوه.
ما يقرأه المستثمر قبل أن يُباشِر استثماراته
المستثمر، قبل أن يسأل عن الإعفاءات الضريبية أو حجم السوق، يسأل عن مدى ثبات القاعدة القانونية.
الاستثمار وسيلة ونحن الغاية
يسهل في زحمة السعي وراء رأس المال أن يُنسى لماذا نريده أصلاً، فهو أداةٌ غايتها أن يجد العاطل عملاً، وأن تبقى ثروة البلد تُدار لصالح أهلها. وعندما ينقلب الترتيب، ويصير جذب المستثمر غايةً بحدّ ذاتها، يصبح مقياس النجاح حينها حجم ما استُقطِب.
تنميةٌ تتّسع للأطراف
وكما جعلت سياسات النظام السابق المواطن ضيفاً على أرضه، جعلت مكانه هامشيّاً على خريطة الفرص والتنمية. وأعتقد أنّ أخطر ما ورثناه في ملفّ التنمية هو طريقة توزيع الموارد.
ولهذا لم يكن عبثاً أن يربط الفلاسفة بين القانون والطمأنينة، فقد رأى كانط أن السلم بين الناس حالة حقوقية قبل أن يكون توقفاً عن الحرب، وهذه الحالة لا تقوم إلّا على قواعدَ قانونيةٍ مُعلَنةٍ عامّةٍ يثق كلّ شخصٍ بأنها تسري عليه وعلى غيره بالقدر ذاته.
أما القاعدة التي كانت تُفصَّل على مقاس فلانٍ وتُبدَّل لأجل غيره، فقد أنتجت ريبةً دائمة، لأنه لا أحد يعرف متى يأتي دوره في التبديل، فأصبح التبديل والتعديل هو العادة، والثبات هو الاستثناء.
وهذا المبدأ، الذي تسمّيه فلسفة القانون "الأمن القانوني"، ليس مجرد حشوٍ نظريٍّ أو رفاهية في بلدٍ يعيد بناء اقتصاده من تحت الركام.
أقام النظام البائد منظومته التشريعية وفق هندسة تحكميّة مدروسة بعناية، فالنصوص كانت وفيرة، وقد فاقت التعديلات والتعليمات التنفيذية والقرارات اللاحقة والمبنية على التشريعات، القوانين نفسها.
أقام النظام البائد منظومته التشريعية وفق هندسة تحكميّة مدروسة بعناية، فالنصوص كانت وفيرة، وقد فاقت التعديلات والتعليمات التنفيذية والقرارات اللاحقة والمبنية على التشريعات، القوانين نفسها.
والمشكلة الحقيقية أنه صاغها وعدلها باستمرار لتناسب رجالات السلطة، مُرسِّخاً بذلك "رأسمالية المحاسيب" التي حوّلت التشريع الاقتصادي إلى "مكرُمة" تُمنح فيها الامتيازات بمقدار القرب من مركز القرار، وتُوزَّع مقدّرات البلد كأنها غنيمةٌ خاصة.
وكان ذلك اختياراً محسوباً لمن مَلَكَ تفصيل القاعدة وتوزيع الثروة، وليس قصوراً في التخطيط كما يحلو للبعض أن يصوّره.
من هذا الإرث تخرج سوريا الجديدة، وأمامها سؤالٌ مفصليٌّ: أتبني بيئتها الاستثمارية القانونية على قانونٍ واحدٍ راسخ، أم تكتفي بتعديل ما ورثته؟
من هذا الإرث تخرج سوريا الجديدة، وأمامها سؤالٌ مفصليٌّ: أتبني بيئتها الاستثمارية القانونية على قانونٍ واحدٍ راسخ، أم تكتفي بتعديل ما ورثته؟
ما يقرأه المستثمر قبل أن يُباشِر استثماراته
المستثمر، قبل أن يسأل عن الإعفاءات الضريبية أو حجم السوق، يسأل عن مدى ثبات القاعدة القانونية.
فرأس المال الجادّ يحتمل الربح المنخفض لكنّه يخاف المجهول ويهرب منه، والمشروعات المُعلن عنها والعقود مهما بدت مُحكمة، لا تستمر في أرضٍ قانونية غير ثابتة؛ وهذا موضع التخوّف الموروث من أسلوب منظومة الأسد وتحديداً في سنواتها الأخيرة.
حيث سيطرت المراسيم التشريعية على التشريع بدلاً من أن يُصاغ القانون تحت قبة مجلس الشعب الذي أُفرِغَ من وظيفته التشريعية.
ومن المُنصِف أن نذكر أنّ بلداً خارجاً من حربٍ كسوريا، لا يملك ترف البطء، وإن التعديلات السريعة التي جرت ثمنٌ مقبولٌ لاستقطاب رأس المال بسرعة.
ومن المُنصِف أن نذكر أنّ بلداً خارجاً من حربٍ كسوريا، لا يملك ترف البطء، وإن التعديلات السريعة التي جرت ثمنٌ مقبولٌ لاستقطاب رأس المال بسرعة.
فالتعديل على قانون الاستثمار صيف ٢٠٢٥ كان في محلّه. والبلد الخارج من عقودٍ من العزلة يحتاج أن يقول لرأس المال المتردّد إن الباب فُتح، دون أن يملك ترف انتظار بناءٍ تشريعيٍّ مُكتمل.
وقد جاء التعديل بضماناتٍ يطلبها كل مستثمر كحماية الملكية بموجب الأحكام القضائية والتعويض العادل، وربط الحوافز بموقع المشروع وقطاعه وعمالته، ونافذةٍ واحدة، وبابٍ للتحكيم. تلك الأرضية الصالحة للبداية.
لكنّ الاعتراف بالخطوة لا يتوقف عندها. فالتعديل، مهما حسُن، ليس قانوناً وُلد من عقل الدولة الجديدة؛ لأنه في جوهره مازال القانون القديم ذاته بأحكامه.
لكنّ الاعتراف بالخطوة لا يتوقف عندها. فالتعديل، مهما حسُن، ليس قانوناً وُلد من عقل الدولة الجديدة؛ لأنه في جوهره مازال القانون القديم ذاته بأحكامه.
لذلك فإنّ إصدار قانون بهذا الوزن من صميم ولاية مجلس شعبٍ يُمثّل السوريين، وقد بات حاجةً مُلحّة، لأن القاعدة تكتسب شرعيتها حين تُولَد في قبّة التشريع.
ولا يمكننا اليوم بناء سوريا الجديدة بمجرد تعديل قوانين ورثناها عن النظام السابق وكانت سبباً رئيسياً في الظلم الاقتصادي الذي عانى منه السوريون.
الاستثمار وسيلة ونحن الغاية
يسهل في زحمة السعي وراء رأس المال أن يُنسى لماذا نريده أصلاً، فهو أداةٌ غايتها أن يجد العاطل عملاً، وأن تبقى ثروة البلد تُدار لصالح أهلها. وعندما ينقلب الترتيب، ويصير جذب المستثمر غايةً بحدّ ذاتها، يصبح مقياس النجاح حينها حجم ما استُقطِب.
وقد وقعت دولٌ كثيرة في هذا الفخ بعد مراحل قاسية من الحروب، فاختزلت الانفتاح الاستثماري بمنح الأراضي بأثمانٍ بخسة، وإغداق إعفاءات للمستثمرين كانت تظنها أداة جذبٍ إلا أنها تحولت إلى استنزافٍ للخزينة العامة.
النظام السابق خطّ مساره بطريقةٍ مُعاكسة، عبر عقود من السيطرة الاقتصادية على مقدرات البلاد، واحتكارها وتوزيعها بشكل صوري ومُقنن على الاقتصاديين الذين صنعهم.
وبين الإفراط في الاستئثار والاحتكار، والافراط في المنح والعطاء، مساحةٌ واسعة وقف فيها سابقاً المواطن ليفتش عن حصته في الكهرباء والخبز والدواء دون أن يحصل على أدنى حصة مخصصة له.
الانفتاح الاستثماري كلمةٌ أوسع من أن تُختزل بإعفاءاتٍ ومنح، وعندما يضيق معناه إلى هذا الحد، يُدفع الفرق من حصّة المواطن الذي هو في الأصل غاية الاستثمار، وليس الكلفة في معادلة الجذب.
النظام السابق خطّ مساره بطريقةٍ مُعاكسة، عبر عقود من السيطرة الاقتصادية على مقدرات البلاد، واحتكارها وتوزيعها بشكل صوري ومُقنن على الاقتصاديين الذين صنعهم.
وبين الإفراط في الاستئثار والاحتكار، والافراط في المنح والعطاء، مساحةٌ واسعة وقف فيها سابقاً المواطن ليفتش عن حصته في الكهرباء والخبز والدواء دون أن يحصل على أدنى حصة مخصصة له.
الانفتاح الاستثماري كلمةٌ أوسع من أن تُختزل بإعفاءاتٍ ومنح، وعندما يضيق معناه إلى هذا الحد، يُدفع الفرق من حصّة المواطن الذي هو في الأصل غاية الاستثمار، وليس الكلفة في معادلة الجذب.
تنميةٌ تتّسع للأطراف
وكما جعلت سياسات النظام السابق المواطن ضيفاً على أرضه، جعلت مكانه هامشيّاً على خريطة الفرص والتنمية. وأعتقد أنّ أخطر ما ورثناه في ملفّ التنمية هو طريقة توزيع الموارد.
فذلك النظام رسم خريطةً اقتصادية ضيّقة، خطّاً شاقوليّاً يمتدّ من دمشق إلى حلب تتكدّس على جانبيه المصانع والاستثمارات، تُركت فيه الأطراف ظهيراً للمركز لا يعود إليها إلا الفتات.
وقصدُ هذا التركيز أن تبقى الأطراف خزّاناً بشريّاً يُصدّر الجنود والعمالة إلى المركز، فتظلّ معتمدةً عليه في رزقها، واعتمادُها هذا ولّد عبر السنين ولاءً قسريّاً. وهكذا انقسمت جغرافيا البلد إلى قلبٍ يتضخّم وأطرافٍ تذبل.
أعاد النظام تعريف موقع الأطراف في الخريطة بوصفها «الخزّان والمستودع»، ورسّخ هذه الصورة عبر عقود حكمه حتى أصبح الفتاتُ نصيبَها الطبيعيّ، والحرمان صار بديهيّاً لا يُسأل عنه.
وهنا أرى في قانون الاستثمار أداةً لإعادة رسم هذه الخريطة. فحين تُربط الحوافز بموقع المشروع، تستطيع الدولة أن توجّه رأس المال إلى حيث تحتاجه التنمية.
أعاد النظام تعريف موقع الأطراف في الخريطة بوصفها «الخزّان والمستودع»، ورسّخ هذه الصورة عبر عقود حكمه حتى أصبح الفتاتُ نصيبَها الطبيعيّ، والحرمان صار بديهيّاً لا يُسأل عنه.
وهنا أرى في قانون الاستثمار أداةً لإعادة رسم هذه الخريطة. فحين تُربط الحوافز بموقع المشروع، تستطيع الدولة أن توجّه رأس المال إلى حيث تحتاجه التنمية.
وقد بدأت السلطة الجديدة خطوةً في هذا الاتجاه حين ربطت بعض المزايا بمنطقة المشروع؛ وكلّنا أمل أن تتسع من إشارةٍ إلى استراتيجيةٍ صريحة، كإعفاءات أعمق للأرياف والمناطق التي أنهكتها الحرب، وبنية تحتية تسبق المستثمر إليها.
فالبلد الذي تنمو أطرافه يعالج جذر احتقانٍ قديم، إذ يشعر ساكن الأطراف أن التنمية وصلت إليه أخيراً.
يبدأ الاستثمار بثقةٍ فردية عندما يصدّق صاحب المال أن ما يبنيه اليوم لن يُنتزع منه غداً بقرارٍ مزاجيّ. وينتهي بأثرٍ جماعي عندما يجد السوريّ عملاً قرب بيته، ويشعر ابن المناطق التي همشها النظام البائد أنه في قلب الوطن. وحتى يتحقق ذلك كلّه يلزمنا مفتاح مرحلة البناء: قانون الاستثمار.
لذلك تتوجّه الأنظار اليوم إلى حيث تُصنع القاعدة القانونية، إلى مجلس الشعب صاحب الولاية على التشريع.
يبدأ الاستثمار بثقةٍ فردية عندما يصدّق صاحب المال أن ما يبنيه اليوم لن يُنتزع منه غداً بقرارٍ مزاجيّ. وينتهي بأثرٍ جماعي عندما يجد السوريّ عملاً قرب بيته، ويشعر ابن المناطق التي همشها النظام البائد أنه في قلب الوطن. وحتى يتحقق ذلك كلّه يلزمنا مفتاح مرحلة البناء: قانون الاستثمار.
لذلك تتوجّه الأنظار اليوم إلى حيث تُصنع القاعدة القانونية، إلى مجلس الشعب صاحب الولاية على التشريع.
فأمامه، بين ما ينتظره من ملفّات، مهمةٌ لا تحتمل التأجيل: أن يضع لسوريا الجديدة قانون استثمارٍ جامعاً واحداً، يجمع ما تناثر في المراسيم والتعليمات، ويُغلق باب التعديلات التي قد تُربك من نستقطب. هناك يُصنع القانون بالمداولة بإرادة من يمثل الشعب بعد أن كان يُفصّل بأهواء السلطة في عهد الأسدين.
ما ينتظره الجميع اليوم "المواطن والمستثمر" قانونٌ قادرٌ على تحويل الوعود الاستثمارية إلى استثماراتٍ فعليّة تستهدف المناطق والفئات كافةً، تُوزَّع فيها التنمية على كامل الجغرافيا السورية. سوريا اليوم تحتاج قانوناً يجذب المال بثباته، ويحمي المواطن بعدالته، ويكون عقداً بين الدولة وأجيالها: أن ما نبنيه اليوم نبنيه ليبقى.
ما ينتظره الجميع اليوم "المواطن والمستثمر" قانونٌ قادرٌ على تحويل الوعود الاستثمارية إلى استثماراتٍ فعليّة تستهدف المناطق والفئات كافةً، تُوزَّع فيها التنمية على كامل الجغرافيا السورية. سوريا اليوم تحتاج قانوناً يجذب المال بثباته، ويحمي المواطن بعدالته، ويكون عقداً بين الدولة وأجيالها: أن ما نبنيه اليوم نبنيه ليبقى.


