سوريا - سياسة
دمشق وأربيل.. وساطة كردية أم شراكة إقليمية يحملها بارزاني؟
أ
أحمد الكناني
نشر في: ٤ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٤١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق إلى سوريا اعتياديةً من حيث التوقيت، وطبيعة التطورات الحاصلة في المنطقة، لا سيما أنها الزيارة الأولى لمسؤول كردي عراقي رفيع المستوى يصل إلى دمشق منذ سقوط النظام، وسبقها عدة لقاءات جمعته بالرئيس أحمد الشرع على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، ما يجعل هذه الزيارة استكمالًا لمسارٍ تراكمي، وليست حدثًا سياسياً معزولًا عن المحادثات السابقة التي تناولت العلاقة بين الإقليم ودمشق في ظل الظروف السياسية الراهنة.
تشير التقديرات السياسية إلى أن زيارة نيجيرفان بارزاني، خطوة فاعلة في تطوير العلاقات بين دمشق وأربيل، ورفع مستوى التنسيق السياسي بينهما، إذ يرتبط إقليم كردستان العراق بعلاقات سياسية متشعبة أكسبته هامشًا واسعًا للتعامل مع العديد من الملفات، سواء على مستوى العراق، أو في علاقته مع تركيا، إضافة إلى حدوده المشتركة مع إيران، الأمر الذي يمنح الزيارة أبعادًا جيوسياسية واقتصادية، فضلًا عن الملف الكردي الواجهة الرئيسية لجدول الأعمال.
أبعاد سياسية وأمنية
رغم أن الملف الكردي أحد أبرز الملفات الحاضرة في زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، فإن الزيارة حملت في طياتها العديد من الأبعاد والمصالح المشتركة بين الجانبين.
يعتقد الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عزيز موسى أن زيارة بارزاني تكتسب أهميتها بالنظر الوساطة التي يؤديها بين دمشق والقوى الكردية في شمال وشرق سوريا، باعتبار أن الإقليم يُمثل مرجعية كردية إقليمية، وعليه لعبت أربيل دورًا إيجابيًا في إتمام الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"، والدفع نحو تسريع هذا المسار بما يضمن مشاركة كردية فاعلة ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهو ما تراه دمشق أمرًا مهمًا نظرًا لتأثيره المباشر في البيئة الكردية، مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الكردية والسورية المشتركة.
ولفت موسى إلى أن توقيت الزيارة يتزامن مع رصد تحركات لفصائل عراقية قرب الحدود السورية، على خلفية استمرار التوترات في منطقة الخليج، والتهديدات الأمريكية بقصف منشآت إيرانية، ما يمنح الزيارة بُعدًا أمنيًا يتمثل في تبادل التقييمات الأمنية بين أربيل ودمشق في ظل ظرف إقليمي شديد التقلب.
من جانبه، يشير الكاتب السياسي عبد الله الحمد إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في تعقيدات الملف الكردي-التركي، ولا سيما بعد إخلاء حزب العمال الكردستاني 81 موقعًا على الحدود العراقية-التركية، في خطوة جديدة لتسريع طرح "القانون الإطاري" الخاص بعملية السلام التركية مع الأكراد، وبناءً على ذلك، من الواضح أن أربيل تتجه للانخراط في محور (أنقرة – دمشق – الرياض – عمّان – الدوحة)، الذي يشكل اليوم أبرز التكتلات الإقليمية الفاعلة، بهدف رسم ملامح الأمن والاستقرار والشراكة، بالتنسيق مع العاصمة العراقية بغداد.
وأضاف الكاتب الحمد بأن وجود العديد من الملفات الأمنية والعسكرية جرى بحثها، وفي مقدمتها استمرار جهود مكافحة تنظيم "داعش"، ومواجهة التهديدات الصادرة عن الميليشيات الطائفية والأذرع الإيرانية في العراق، ولا سيما في ظل احتمالات إعادة تموضع القوات الأمريكية أو انسحابها.
جوانب اقتصادية
شكّلت الملفات الاقتصادية أحد أبرز المحاور التي جرى بحثها بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، وفي هذا الإطار، ينوّه الباحث في الشؤون الاستراتيجية عزيز موسى إلى وجود منافذ حدودية مشتركة مع الإقليم، أبرزها معبر "سيمالكا"، حيث يجري بحث إمكانية استثمار هذا التداخل الحدودي في تطوير العلاقات التجارية، وتحويله إلى منفذ للتبادل التجاري بين دمشق وأربيل، عدا عن وجود رغبة إقليمية أن تكون سوريا عقدة ربط، بالتعاون مع بغداد، خاصة وأن الأخيرة تسعى إلى تنويع منافذها التجارية ومسارات الطاقة عبر الأراضي السورية.
في المقابل، يرى الكاتب السياسي عبد الله الحمد أن أربيل تستكمل مسار تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، ولا سيما في ملف الطاقة، إضافة إلى مشاريع ربط خطوط نقل الطاقة بين شمال العراق والداخل السوري، مشيراً إلى أن خط كركوك – بانياس يمثل أحد أبرز الملفات المطروحة، إلى جانب مشروعات أخرى محتملة لربط مزيد من خطوط الطاقة عبر سوريا وصولًا إلى تركيا، بما يسهم في إيجاد بدائل لمسارات التصدير التقليدية في ظل التحديات المرتبطة بمضيق هرمز.
"قسد" على طاولة الحوار
شكّل ملف دمج "قسد" والإدارة الذاتية مع دمشق الواجهة الرئيسية لزيارة رئيس إقليم كردستان إلى سوريا. وبينما يسير هذا الملف في الاتجاه الصحيح، فإن وتيرته لا تزال بطيئة، وتواجهه عدة تحديات.
وفي هذا السياق، يشير الباحث عزيز موسى إلى وجود تيارات داخل "قسد" تعارض عملية الاندماج وتحاول عرقلتها، وهنا يأتي دور أربيل في ردم فجوات الخلاف، والدفع نحو آلية الاندماج بما يضمن الحقوق الكردية من جهة، وتكريس سيادة سوريا واستقرارها من جهة أخرى، في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد.
في المقابل، يرى الكاتب السياسي عبد الله الحمد أن بارزاني حمل رسالة إلى قيادات "قسد" مفادها ضرورة الإسراع في عملية الدمج ضمن مؤسسات الدولة، سواء المدنية أو العسكرية، واستكمال تسليم ما تبقى من الملفات المتفق عليها، كما يتوقع أن تسهم هذه الزيارة في تذليل العقبات وتجاوز التحديات التي تعترض مسار الدمج، ولا سيما بعد أن أبدت الدولة السورية مرونة سياسية ملحوظة، وكلّفت مندوبًا عن الرئاسة بمتابعة هذا الملف.
وكان رئيس إقليم كردستان العراق قد رحّب باتفاق يناير 2026 بين دمشق و"قسد"، معتبرًا أنه يمثل "خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح"، وأعرب آنذاك عن أمله في أن "يمهد الطريق لإعادة بناء سوريا موحدة، وحماية حقوق الأكراد وجميع المكونات في الدستور المقبل، وتحقيق السلام لسوريا والمنطقة بأسرها".


