سوريا - اقتصاد
نمو في مؤشّر تأسيس الشركات في سوريا.. ماذا عن استحقاقات ما بعد الترخيص؟
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٢ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:٣٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تشهد سوريا نمواً متسارعاً في مؤشر تأسيس الشركات الجديدة في مختلف المحافظات، واللافت أن نسبة تزيد عن 10 بالمائة من هذه الشركات تعود لرؤوس أموال أجنبية.. ما يبشّر باستجابات مرنة لمناخ الاستثمار الجديد الذي عملت وتعمل عليه الحكومة بعد التحرير.
فقد حققت مديرية الشركات في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية نمواً متصاعداً في مؤشرات تأسيس الشركات وإصدار السجلات التجارية خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة ذاتها من عامي 2025 و2024.
وأظهرت بيانات الوزارة إصدار 7,619 سجلاً تجارياً فردياً خلال النصف الأول من العام الجاري، إلى جانب تأسيس 2,087 شركة محدودة المسؤولية، و713 شركة تضامنية، و56 شركة توصية، و46 شركة مساهمة.
وأكدت الوزارة أن هذه النتائج تأتي امتداداً للنمو الذي تحقق خلال عام 2025، والذي شهد إصدار 13,598 سجلاً تجارياً فردياً، وتأسيس 2,678 شركة محدودة المسؤولية، و1,526 شركة تضامنية، و158 شركة توصية، و63 شركة مساهمة.
مقارنة بعام 2024 الذي سجل 7,421 سجلاً تجارياً فردياً، و497 شركة محدودة المسؤولية، و580 شركة تضامنية، و144 شركة توصية، و33 شركة مساهمة.
أسباب النمو المضطرد
وأرجعت وزارة الاقتصاد والصناعة هذا النمو إلى تحسن بيئة الاستثمار، وفعالية نظام النافذة الواحدة، والانفتاح الاقتصادي بعد التحرير، إلى جانب القرارات والسياسات الجديدة، والإجراءات المبسطة، والتسهيلات المقدمة لقطاع الأعمال، والتي أسهمت في تشجيع المستثمرين وتعزيز تأسيس المشاريع الجديدة.
وفي السياق ذاته، أكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، خلال مؤتمر "فود سوريا 2026" الذي عُقد في 26 تموز الفائت، أن الوزارة تواصل العمل على تهيئة بيئة استثمارية جاذبة من خلال تبسيط الإجراءات، وإزالة العقبات أمام المستثمرين، وتطوير التشريعات الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في رفع تنافسية الاقتصاد الوطني وتعزيز الإنتاج المحلي.
وشدد الشعار على أن الحكومة تنظر إلى المستثمر بوصفه شريكاً أساسياً في دعم النمو الاقتصادي، في إطار توسيع الشراكة مع القطاع الخاص وتعزيز حضور المنتجات والصناعات السورية في الأسواق الإقليمية والدولية.
مستثمرون أجانب
لم يقتصر نمو أعداد الشركات في سوريا على الشركات المحلية فقط، بل شمل مشاركة أجنبية متزايدة، حيث بات نحو 10% من الشركات الجديدة تضم مستثمرين أجانب. وتُظهر الأرقام تفضيلاً واضحاً لشكل الشركة محدودة المسؤولية لما توفره من مرونة وحماية قانونية، وتركّز غالبية الأنشطة في قطاعات التجارة والاستيراد والتصدير
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه الخبراء والمتابعون: كيف يمكن لهذه التراخيص أن تتحول إلى شركات فعّالة على أرض الواقع، تسهم في الإنتاج وخلق فرص العمل، بدلاً من أن تبقى مجرد أرقام في السجلات الرسمية؟
بين التسجيل والتفعيل
يكمن التحدي الأكبر في الفجوة بين سهولة إنجاز المعاملة الورقية وصعوبة مباشرة العمل الفعلي. وفي هذا السياق، يبرز عدد من العوائق الرئيسية، التي طالما كانت مشكلة في سوريا على مرّ سنوات طويلة، وهي تعقيد الإجراءات والروتين الإداري، رغم إنشاء "النافذة الواحدة" في وزارة الاقتصاد " هيئة الاستثمار" لتسهيل التأسيس، لا تزال العملية متعثرة بسبب تعدد الجهات المعنية وتداخل الصلاحيات. فإلى جانب مديرية الشركات، يحتاج المستثمر إلى موافقات من وزارات أخرى بحسب نشاط شركته (كالنفط أو النقل أو الصناعة)، إضافة إلى نقابات مهنية كـ"نقابة المقاولين"، ما يطيل زمن الإنجاز ويرفع التكلفة غير المباشرة.
وتظهر على السطح، الحاجة إلى بيئة قانونية واضحة ومستقرة، ولا تكمن المشكلة في القوانين ذاتها، بل في ضعف التنسيق المؤسسي وتعدد التفسيرات، ما يخلق حالة من عدم اليقين. كما أن غياب الإرشاد القانوني الواضح للمستثمرين، خاصة الجدد منهم، يؤدي إلى ارتباك قد يدفعهم لتأجيل مشاريعهم.
وتُعد رسوم تأسيس الشركات في سوريا أعلى من العديد من الدول المجاورة، ما يؤثر على تنافسية بيئة الأعمال، خاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. كما أن غياب نظام إلكتروني موحد يربط جميع الجهات المعنية يُبقي العملية معتمدة على المعاملات الورقية، مما يزيد البيروقراطية ويضعف الشفافية.
العبرة على أرض الواقع
لتحويل هذا الزخم التسجيلي إلى حراك اقتصادي حقيقي، يقترح خبراء مجموعة إجراءات، تبدأ بالرقمنة والتكامل المؤسسي، والإسراع بإطلاق منصة إلكترونية موحّدة للتسجيل، وربط قواعد البيانات بين الجهات الحكومية (كما يُخطط له في "بنك المعلومات التجاري الجديد") لتقليص المدة الزمنية والتكلفة وتعزيز الشفافية.
ثم تبسيط الإجراءات وخفض التكاليف، أي مراجعة الرسوم لتكون أكثر تنافسية، وتوحيد متطلبات التأسيس لتقليص عدد الخطوات والموافقات المطلوبة، مع تحديد مسارات زمنية واضحة لإنجاز المعاملات.
إضافة إلى تنسيق السياسات النقدية والاقتصادية، وبناء الثقة عبر القانون، عبر العمل على استقرار التشريعات وتأهيل الكوادر القانونية لتقديم إرشاد واضح للمستثمرين، وتعزيز الثقة بأن الاستثمار في سوريا ليس مغامرة، بل خطوة مدعومة بأطر قانونية عادلة وشفافة.
إن الأرقام المُسجّلة تُعبّر عن رغبة حقيقية بالاستثمار، لكن تحويلها إلى شركات منتجة يتطلب تحريراً جذرياً للاقتصاد من قيوده البيروقراطية، وإرادة سياسية موحّدة لتذليل العقبات أمام المستثمرين، وإلا ستظل هذه الأرقام مجرد وعد لم يُستكمل.


