سوريا - اقتصاد
ماذا يحذف الغلاء من مائدة الأسرة السورية؟
من تقليص الكميات إلى الاستدانة كيف تؤمّن الأسر السورية طعامها؟
م
مجد محمد
نشر في: ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٦:٣١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
لم تعد أم محمد تضع الفاكهة ضمن مشتريات أسرتها، قلّصت كميات الخضار، واكتفت بوجبتين يومياً، ثم لجأت إلى الاستدانة لتأمين احتياجات أخرى. وفي أسرة محمود، الأب لخمسة أطفال، باتت المشتريات تعود إلى المنزل بنصف الكميات المعتادة، أو ببدائل أقل جودة تسمح بتخفيض الفاتورة.

تختصر الشهادتان ما يفعله الغلاء بمائدة بعض الأسر السورية؛ فمحاولة التوفيق بين الدخل والنفقات تصل إلى عدد الوجبات ونوعيتها، وتمتد أحياناً إلى تأجيل العلاج أو تقليص الإنفاق على التعليم والصيانة. وبين هذه الخيارات الصعبة، يصبح السؤال اليومي كيف يكفي المال لتأمين الضروريات، وما الذي يمكن الاستغناء عنه هذه المرة؟
من ترشيد الاستهلاك إلى «الفقر الغذائي النوعي»
لم تعد آثار ارتفاع الأسعار تقتصر على تأجيل شراء بعض السلع، بل امتدت إلى نوعية الغذاء، مع تراجع القدرة على شراء اللحوم والزيوت وغيرها من المواد مرتفعة الكلفة، والاعتماد بصورة أكبر على الأغذية النشوية والبدائل الأرخص.
ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور "فادي عياش"، في حديثه مع «العين السورية»، إلى أن هذا التحول يتجاوز ترشيد الاستهلاك إلى ما يصفه بـ«الفقر الغذائي النوعي»؛ فقد تتمكن الأسرة من تأمين بعض السعرات الحرارية، لكنها تفقد تدريجياً التنوع الغذائي اللازم لتلبية احتياجاتها، بما يزيد مخاطر سوء التغذية.
وتكمن صعوبة هذا التحول في أن تخفيض الإنفاق قد يتيح للأسرة تجاوز يومها، لكنه يفرض عليها تنازلات متكررة عن أصناف كانت جزءاً من غذائها المعتاد.
شهادات الأسر حين تصبح الوجبة حساباً يومياً
تقول السيدة أم محمد، من حماة، إن أسرتها اضطرت إلى الاكتفاء بوجبتين يومياً، وتقليص كميات الخضار، والاستغناء عن الفواكه بسبب ارتفاع أسعارها، فيما أصبحت الاستدانة وسيلة لتغطية بعض الاحتياجات الأخرى.
أما محمود، وهو رب أسرة لخمسة أطفال، فيوضح أنه بات يشتري نصف الكميات التي اعتاد توفيرها لأسرته، أو يلجأ إلى منتجات أقل جودة بحثاً عن سعر يستطيع تحمله، في ظل صعوبة التوفيق بين الدخل المحدود ومتطلبات المعيشة.
ولا تتوقف الضغوط عند الطعام؛ إذ تضطر بعض الأسر إلى تقليص نفقات التعليم والصحة والصيانة لتوفير المال للغذاء والاحتياجات اليومية. وهكذا، قد يُسدّ نقص في بند من ميزانية الأسرة على حساب حاجة أساسية في بند آخر.
فجوة الدخل والإنفاق تضيق معها الخيارات
يرى الدكتور "فادي عياش" أن الفجوة بين دخول الأسر وتكاليف معيشتها تجعل المشكلة أوسع من ارتفاع أسعار السلع، لتشمل القدرة على تأمين الغذاء والسكن والطاقة.
ويشير إلى أن الحد الأدنى الرسمي للأجور يبلغ نحو 12,560 ليرة سورية جديدة، مقابل سلة إنفاق أدنى تُقدّر بنحو 173 دولاراً، تعادل قرابة 24 ألف ليرة سورية جديدة وفق سعر الصرف الذي استند إليه في تقديراته.

وبهذه المقارنة، لا يغطي الأجر كامل الاحتياجات التي تتضمنها السلة، ما يدفع الأسر إلى الاعتماد على الحوالات أو تعدد مصادر الدخل، فيما تلجأ أخرى إلى الديون واستنزاف المدخرات.
وبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» الواردة في المادة، ارتفعت كلفة سلة الإنفاق الأدنى في سوريا بأكثر من 30% على أساس سنوي حتى حزيران 2026. ورغم زيادة الحد الأدنى لأجور القطاع العام في أيار، فإنه لم يغطِّ سوى 47% من القيمة الإجمالية للسلة، ونحو 75% من كلفة احتياجاتها الغذائية الأساسية.
وتشير بيانات مبادرة الرصد المشترك للأسواق، المنشورة في أيلول 2026 استناداً إلى أسعار آب، إلى بلوغ سلة الحد الأدنى للبقاء 173 دولاراً، منها 127 دولاراً للاحتياجات الغذائية الأساسية.
ويقدّر عياش متوسط الدخل الصافي بنحو 80 إلى 100 دولار شهرياً، ويرى أن الفجوة التمويلية بين دخل الأسرة واحتياجاتها قد تتجاوز 80 إلى 90% وفق تقديراته. وتحتاج هذه النسبة إلى توضيح أساس احتسابها، إذ لا يمكن استخلاصها مباشرة من مقارنة الدخل المذكور بسلة الـ173 دولاراً وحدها.
ومهما اختلفت منهجيات القياس، تظهر الشهادات أثر العجز في اختيارات الأسر: تقليل تنوع الغذاء، وتأجيل بعض الاحتياجات، والبحث المستمر عن مورد إضافي.
تراجع الأسعار شهرياً لا يمحو غلاء عام
بحسب النشرة الشهرية لأسعار المستهلك والتضخم في سوريا، العدد السابع لشهر تموز 2026، الصادرة عن المركز السوري لبحوث السياسات، انخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9% مقارنة بحزيران، متراجعاً من 1010 إلى 991 نقطة، لكنه بقي أعلى بنسبة 24.8% مقارنة بتموز 2025.
ويعني ذلك انخفاضاً في المؤشر خلال شهر، مع بقاء المستوى العام للأسعار أعلى من مستواه قبل عام. ولذلك، لا يترجم التراجع الشهري بالضرورة إلى انفراج واضح لدى الأسر، خصوصاً عندما لا تتحسن دخولها بالقدر نفسه.
وفي المواد الغذائية، أفادت «الفاو» بأن متوسط أسعار التجزئة للطحين والأرز خلال حزيران 2026 كان أعلى بنسبة 34% و32% على التوالي مقارنة بحزيران 2025، ما يعكس استمرار الضغط على مادتين أساسيتين في استهلاك الأسر.
الشراء بالحد الأدنى لتخفيف فاتورة اليوم
تؤثر تقلبات سعر الصرف في تسعير كثير من السلع المحلية، حتى عندما تُباع بالليرة، لارتباط جزء من تكاليف إنتاجها وموادها الأولية بالعملات الأجنبية.
وبالتوازي، يتغير نمط الشراء؛ فبدلاً من العبوات الكاملة أو المؤونة التي تكفي فترة طويلة، تتجه بعض الأسر إلى شراء احتياجاتها يومياً وبكميات صغيرة، وفق السيولة المتاحة.
وقد يخفف ذلك المبلغ المطلوب عند كل عملية شراء، لكنه قد يحرم الأسرة من وفورات الكميات الأكبر، ويجعل تأمين الطعام مرتبطاً بما يتوافر معها في ذلك اليوم.
ويمتد البحث عن البدائل إلى منتجات أقل كلفة، ومن بينها بعض الأجبان المصنعة التي تستخدم الزيوت النباتية قليلة الجودة، فيما قد يؤدي ازدياد الطلب على البدائل إلى ارتفاع أسعارها أيضاً. ويظل تحديد تركيب هذه المنتجات مرتبطاً ببياناتها الفعلية، ولا يصح تعميمه على جميع الأجبان المصنعة.
لماذا لا يصل الإنتاج المحلي بسعر مناسب؟
يوضح عياش أن أسعار الغذاء تتأثر بكلفة الإنتاج الزراعي والحيواني، بما يشمل البذار والأسمدة والأعلاف والطاقة والنقل والشحن.
ويرى أن ارتفاع أسعار المدخلات، ولا سيما المستوردة، وكلفة المحروقات والكهرباء اللازمة للري والتشغيل والتبريد، يضغط على المنتجين ويحدّ من قدرتهم على الاستمرار بأسعار تنافسية.

كما تضيف حلقات الوساطة والتوزيع وهوامش الربح تكاليف إلى السعر النهائي، ما يجعل دعم الإنتاج بحاجة إلى تحسين موازٍ في قنوات التسويق، ومعالجة الاختلالات بين المنتج والسوق.
ويؤكد عياش أهمية تطوير منافذ البيع المباشر، وتعزيز دور المؤسسات المعنية بتسويق المنتجات، والرقابة على هوامش الربح والحد من الممارسات الاحتكارية، بما يساعد على وصول الغذاء إلى المستهلك بسعر أنسب، ويحافظ على جدوى الإنتاج.
الترشيد مسؤولية تتجاوز الأسر محدودة الدخل
يطرح عياش مفهوم «المرونة الاستهلاكية المسؤولة»، القائم على تكييف الاستهلاك مع الظروف الاقتصادية وتوجيه الموارد إلى استخدامات أكثر فائدة.
ويدعو إلى الانتقال من الاستهلاك التفاخري إلى الاستهلاك المنتج، بتوجيه جزء من الإنفاق على السلع الفاخرة المستوردة والولائم المكلفة إلى المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، لدعم النشاط المحلي وتوفير فرص عمل.
ويشمل ذلك الحد من هدر الطاقة والمواد الأساسية، لأن الاستهلاك المفرط قد يزيد الضغط على الموارد المحدودة وسلاسل التوريد. والترشيد، وفق طرحه، استخدام أكثر كفاءة للموارد، ولا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة الأسر التي قلّصت ضرورياتها بمزيد من الحرمان.
كما يشير إلى أهمية مراعاة الأثر الاجتماعي للمظاهر الاستهلاكية والاستعراضية في الأماكن العامة وعلى منصات التواصل، تجنباً لتعميق شعور الأسر الأقل قدرة بالتهميش.
وفي جانب التكافل، يقترح إنشاء صناديق عائلية أو مناطقية تسهم فيها الفئات القادرة، لدعم نفقات أساسية اضطرت أسر إلى تقليصها، ولا سيما التعليم والطبابة، بما يحافظ على فرص الوصول إلى الخدمات الضرورية.
حلول إنتاجية واجتماعية لحماية المائدة
يرى الدكتور عياش أن معالجة الضغوط المعيشية تتطلب إجراءات تتجاوز الاستجابة الآنية، وتتناول تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية واختلالات التوزيع معاً.
وفي الزراعة والإنتاج الحيواني، يدعو إلى دعم المحروقات والأسمدة والأعلاف، وربط الدعم بنتائج إنتاجية ملموسة، مع تطوير شبكات الري والكهرباء الزراعية والطرق الريفية.
وعلى مستوى الأسواق، يؤكد أهمية تنظيم التوزيع والحد من الاحتكار، وتطوير الرقابة الرقمية على هوامش الربح، وتوسيع البيع المباشر لتقليل الفارق بين عائد المنتج وما يدفعه المستهلك.
كما يشدد على ربط الأجور بمؤشرات المعيشة وتحسين الدخول الحقيقية، وتوجيه المنح والقروض الدولية إلى التعافي المبكر والبنية التحتية الداعمة للإنتاج، وتوفير تسهيلات ائتمانية وإعفاءات مناسبة للصناعات الغذائية الصغيرة والمتوسطة والمشاريع العائلية.
وتلتقي هذه المقترحات عند حاجة واحدة تظهر في شهادات الأسر: القدرة على تأمين طعام متنوع وكافٍ، دون الاستدانة من أجل الوجبة أو اقتطاع ثمنها من العلاج والتعليم.
فبالنسبة إلى أم محمد، سيظهر التحسن حين تستطيع إعادة ما حذفته من مشتريات أسرتها. وبالنسبة إلى محمود، حين لا يعود مضطراً إلى الاختيار بين نصف الكمية وجودة أقل لإطعام أطفاله الخمسة.
لم تعد أم محمد تضع الفاكهة ضمن مشتريات أسرتها، قلّصت كميات الخضار، واكتفت بوجبتين يومياً، ثم لجأت إلى الاستدانة لتأمين احتياجات أخرى. وفي أسرة محمود، الأب لخمسة أطفال، باتت المشتريات تعود إلى المنزل بنصف الكميات المعتادة، أو ببدائل أقل جودة تسمح بتخفيض الفاتورة.

تختصر الشهادتان ما يفعله الغلاء بمائدة بعض الأسر السورية؛ فمحاولة التوفيق بين الدخل والنفقات تصل إلى عدد الوجبات ونوعيتها، وتمتد أحياناً إلى تأجيل العلاج أو تقليص الإنفاق على التعليم والصيانة. وبين هذه الخيارات الصعبة، يصبح السؤال اليومي كيف يكفي المال لتأمين الضروريات، وما الذي يمكن الاستغناء عنه هذه المرة؟
من ترشيد الاستهلاك إلى «الفقر الغذائي النوعي»
لم تعد آثار ارتفاع الأسعار تقتصر على تأجيل شراء بعض السلع، بل امتدت إلى نوعية الغذاء، مع تراجع القدرة على شراء اللحوم والزيوت وغيرها من المواد مرتفعة الكلفة، والاعتماد بصورة أكبر على الأغذية النشوية والبدائل الأرخص.
ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور "فادي عياش"، في حديثه مع «العين السورية»، إلى أن هذا التحول يتجاوز ترشيد الاستهلاك إلى ما يصفه بـ«الفقر الغذائي النوعي»؛ فقد تتمكن الأسرة من تأمين بعض السعرات الحرارية، لكنها تفقد تدريجياً التنوع الغذائي اللازم لتلبية احتياجاتها، بما يزيد مخاطر سوء التغذية.
وتكمن صعوبة هذا التحول في أن تخفيض الإنفاق قد يتيح للأسرة تجاوز يومها، لكنه يفرض عليها تنازلات متكررة عن أصناف كانت جزءاً من غذائها المعتاد.
شهادات الأسر حين تصبح الوجبة حساباً يومياً
تقول السيدة أم محمد، من حماة، إن أسرتها اضطرت إلى الاكتفاء بوجبتين يومياً، وتقليص كميات الخضار، والاستغناء عن الفواكه بسبب ارتفاع أسعارها، فيما أصبحت الاستدانة وسيلة لتغطية بعض الاحتياجات الأخرى.
أما محمود، وهو رب أسرة لخمسة أطفال، فيوضح أنه بات يشتري نصف الكميات التي اعتاد توفيرها لأسرته، أو يلجأ إلى منتجات أقل جودة بحثاً عن سعر يستطيع تحمله، في ظل صعوبة التوفيق بين الدخل المحدود ومتطلبات المعيشة.
ولا تتوقف الضغوط عند الطعام؛ إذ تضطر بعض الأسر إلى تقليص نفقات التعليم والصحة والصيانة لتوفير المال للغذاء والاحتياجات اليومية. وهكذا، قد يُسدّ نقص في بند من ميزانية الأسرة على حساب حاجة أساسية في بند آخر.
فجوة الدخل والإنفاق تضيق معها الخيارات
يرى الدكتور "فادي عياش" أن الفجوة بين دخول الأسر وتكاليف معيشتها تجعل المشكلة أوسع من ارتفاع أسعار السلع، لتشمل القدرة على تأمين الغذاء والسكن والطاقة.
ويشير إلى أن الحد الأدنى الرسمي للأجور يبلغ نحو 12,560 ليرة سورية جديدة، مقابل سلة إنفاق أدنى تُقدّر بنحو 173 دولاراً، تعادل قرابة 24 ألف ليرة سورية جديدة وفق سعر الصرف الذي استند إليه في تقديراته.

وبهذه المقارنة، لا يغطي الأجر كامل الاحتياجات التي تتضمنها السلة، ما يدفع الأسر إلى الاعتماد على الحوالات أو تعدد مصادر الدخل، فيما تلجأ أخرى إلى الديون واستنزاف المدخرات.
وبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» الواردة في المادة، ارتفعت كلفة سلة الإنفاق الأدنى في سوريا بأكثر من 30% على أساس سنوي حتى حزيران 2026. ورغم زيادة الحد الأدنى لأجور القطاع العام في أيار، فإنه لم يغطِّ سوى 47% من القيمة الإجمالية للسلة، ونحو 75% من كلفة احتياجاتها الغذائية الأساسية.
وتشير بيانات مبادرة الرصد المشترك للأسواق، المنشورة في أيلول 2026 استناداً إلى أسعار آب، إلى بلوغ سلة الحد الأدنى للبقاء 173 دولاراً، منها 127 دولاراً للاحتياجات الغذائية الأساسية.
ويقدّر عياش متوسط الدخل الصافي بنحو 80 إلى 100 دولار شهرياً، ويرى أن الفجوة التمويلية بين دخل الأسرة واحتياجاتها قد تتجاوز 80 إلى 90% وفق تقديراته. وتحتاج هذه النسبة إلى توضيح أساس احتسابها، إذ لا يمكن استخلاصها مباشرة من مقارنة الدخل المذكور بسلة الـ173 دولاراً وحدها.
ومهما اختلفت منهجيات القياس، تظهر الشهادات أثر العجز في اختيارات الأسر: تقليل تنوع الغذاء، وتأجيل بعض الاحتياجات، والبحث المستمر عن مورد إضافي.
تراجع الأسعار شهرياً لا يمحو غلاء عام
بحسب النشرة الشهرية لأسعار المستهلك والتضخم في سوريا، العدد السابع لشهر تموز 2026، الصادرة عن المركز السوري لبحوث السياسات، انخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9% مقارنة بحزيران، متراجعاً من 1010 إلى 991 نقطة، لكنه بقي أعلى بنسبة 24.8% مقارنة بتموز 2025.
ويعني ذلك انخفاضاً في المؤشر خلال شهر، مع بقاء المستوى العام للأسعار أعلى من مستواه قبل عام. ولذلك، لا يترجم التراجع الشهري بالضرورة إلى انفراج واضح لدى الأسر، خصوصاً عندما لا تتحسن دخولها بالقدر نفسه.
وفي المواد الغذائية، أفادت «الفاو» بأن متوسط أسعار التجزئة للطحين والأرز خلال حزيران 2026 كان أعلى بنسبة 34% و32% على التوالي مقارنة بحزيران 2025، ما يعكس استمرار الضغط على مادتين أساسيتين في استهلاك الأسر.
الشراء بالحد الأدنى لتخفيف فاتورة اليوم
تؤثر تقلبات سعر الصرف في تسعير كثير من السلع المحلية، حتى عندما تُباع بالليرة، لارتباط جزء من تكاليف إنتاجها وموادها الأولية بالعملات الأجنبية.
وبالتوازي، يتغير نمط الشراء؛ فبدلاً من العبوات الكاملة أو المؤونة التي تكفي فترة طويلة، تتجه بعض الأسر إلى شراء احتياجاتها يومياً وبكميات صغيرة، وفق السيولة المتاحة.
وقد يخفف ذلك المبلغ المطلوب عند كل عملية شراء، لكنه قد يحرم الأسرة من وفورات الكميات الأكبر، ويجعل تأمين الطعام مرتبطاً بما يتوافر معها في ذلك اليوم.
ويمتد البحث عن البدائل إلى منتجات أقل كلفة، ومن بينها بعض الأجبان المصنعة التي تستخدم الزيوت النباتية قليلة الجودة، فيما قد يؤدي ازدياد الطلب على البدائل إلى ارتفاع أسعارها أيضاً. ويظل تحديد تركيب هذه المنتجات مرتبطاً ببياناتها الفعلية، ولا يصح تعميمه على جميع الأجبان المصنعة.
لماذا لا يصل الإنتاج المحلي بسعر مناسب؟
يوضح عياش أن أسعار الغذاء تتأثر بكلفة الإنتاج الزراعي والحيواني، بما يشمل البذار والأسمدة والأعلاف والطاقة والنقل والشحن.
ويرى أن ارتفاع أسعار المدخلات، ولا سيما المستوردة، وكلفة المحروقات والكهرباء اللازمة للري والتشغيل والتبريد، يضغط على المنتجين ويحدّ من قدرتهم على الاستمرار بأسعار تنافسية.

كما تضيف حلقات الوساطة والتوزيع وهوامش الربح تكاليف إلى السعر النهائي، ما يجعل دعم الإنتاج بحاجة إلى تحسين موازٍ في قنوات التسويق، ومعالجة الاختلالات بين المنتج والسوق.
ويؤكد عياش أهمية تطوير منافذ البيع المباشر، وتعزيز دور المؤسسات المعنية بتسويق المنتجات، والرقابة على هوامش الربح والحد من الممارسات الاحتكارية، بما يساعد على وصول الغذاء إلى المستهلك بسعر أنسب، ويحافظ على جدوى الإنتاج.
الترشيد مسؤولية تتجاوز الأسر محدودة الدخل
يطرح عياش مفهوم «المرونة الاستهلاكية المسؤولة»، القائم على تكييف الاستهلاك مع الظروف الاقتصادية وتوجيه الموارد إلى استخدامات أكثر فائدة.
ويدعو إلى الانتقال من الاستهلاك التفاخري إلى الاستهلاك المنتج، بتوجيه جزء من الإنفاق على السلع الفاخرة المستوردة والولائم المكلفة إلى المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، لدعم النشاط المحلي وتوفير فرص عمل.
ويشمل ذلك الحد من هدر الطاقة والمواد الأساسية، لأن الاستهلاك المفرط قد يزيد الضغط على الموارد المحدودة وسلاسل التوريد. والترشيد، وفق طرحه، استخدام أكثر كفاءة للموارد، ولا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة الأسر التي قلّصت ضرورياتها بمزيد من الحرمان.
كما يشير إلى أهمية مراعاة الأثر الاجتماعي للمظاهر الاستهلاكية والاستعراضية في الأماكن العامة وعلى منصات التواصل، تجنباً لتعميق شعور الأسر الأقل قدرة بالتهميش.
وفي جانب التكافل، يقترح إنشاء صناديق عائلية أو مناطقية تسهم فيها الفئات القادرة، لدعم نفقات أساسية اضطرت أسر إلى تقليصها، ولا سيما التعليم والطبابة، بما يحافظ على فرص الوصول إلى الخدمات الضرورية.
حلول إنتاجية واجتماعية لحماية المائدة
يرى الدكتور عياش أن معالجة الضغوط المعيشية تتطلب إجراءات تتجاوز الاستجابة الآنية، وتتناول تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية واختلالات التوزيع معاً.
وفي الزراعة والإنتاج الحيواني، يدعو إلى دعم المحروقات والأسمدة والأعلاف، وربط الدعم بنتائج إنتاجية ملموسة، مع تطوير شبكات الري والكهرباء الزراعية والطرق الريفية.
وعلى مستوى الأسواق، يؤكد أهمية تنظيم التوزيع والحد من الاحتكار، وتطوير الرقابة الرقمية على هوامش الربح، وتوسيع البيع المباشر لتقليل الفارق بين عائد المنتج وما يدفعه المستهلك.
كما يشدد على ربط الأجور بمؤشرات المعيشة وتحسين الدخول الحقيقية، وتوجيه المنح والقروض الدولية إلى التعافي المبكر والبنية التحتية الداعمة للإنتاج، وتوفير تسهيلات ائتمانية وإعفاءات مناسبة للصناعات الغذائية الصغيرة والمتوسطة والمشاريع العائلية.
وتلتقي هذه المقترحات عند حاجة واحدة تظهر في شهادات الأسر: القدرة على تأمين طعام متنوع وكافٍ، دون الاستدانة من أجل الوجبة أو اقتطاع ثمنها من العلاج والتعليم.
فبالنسبة إلى أم محمد، سيظهر التحسن حين تستطيع إعادة ما حذفته من مشتريات أسرتها. وبالنسبة إلى محمود، حين لا يعود مضطراً إلى الاختيار بين نصف الكمية وجودة أقل لإطعام أطفاله الخمسة.


