سوريا - اقتصاد
ماذا يعني شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟ فرص واسعة والكرة في ملعب دمشق
ماذا يعني شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟ فرص واسعة والكرة في ملعب دمشق
م
مازن محمد
نشر في: ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٥٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم يعد السؤال بعد شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب متعلقاً بحجم القيود التي أزيلت فحسب، بل بقدرة دمشق على تحويل هذا التحول القانوني إلى نتائج اقتصادية ومالية ملموسة. فالقرار يفتح أبواباً ظلت مغلقة لعقود، لكنه لا يضمن وحده عودة المصارف والشركات والتكنولوجيا والاستثمارات إلى السوق السورية.
هذه المقاربة يقدمها الناشط السياسي السوري
محمد علاء غانم، رئيس السياسات في التحالف الأمريكي من أجل سوريا في الولايات المتحدة الأمريكية، في شرح موسع نشره عبر صفحته على فيسبوك، تناول فيه التداعيات القانونية والاقتصادية للقرار، وما يمكن أن يتغير في ملفات المساعدات والتجارة والتكنولوجيا والتحويلات المصرفية، وصولاً إلى الخطوات التي يرى أن على المؤسسات السورية اتخاذها للاستفادة من المرحلة الجديدة.
رفع العقوبات ليس شطب التصنيف
النقطة الأولى التي يتوقف عندها غانم هي ضرورة التمييز بين رفع العقوبات الاقتصادية وبين إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
فالتصنيف، بحسب شرحه، لا يقتصر أثره على العقوبات بالمفهوم الاقتصادي المباشر، وإنما يرتب مجموعة مستقلة من القيود والمحظورات القانونية، تشمل المساعدات الأمريكية، والتعاون الدفاعي، والصادرات والتكنولوجيا، إلى جانب آثار مالية وقضائية.
وعليه، فإن أهمية الشطب تكمن في إزالة طبقة إضافية من القيود كانت مرتبطة بوجود سوريا على القائمة ذاتها، ما يغير البيئة القانونية التي تتعامل ضمنها المؤسسات الأمريكية مع البلاد.
لكن هذه النقلة لا تعني أن النتائج ستظهر دفعة واحدة. فثمة فارق بين سقوط المانع القانوني وبين استجابة المؤسسات والأسواق له. بعض التغييرات يحتاج إلى تعديل لوائح أمريكية، وبعضها الآخر يتوقف على قرارات تتخذها المصارف والشركات بصورة مستقلة.
المساعدات والتعاون الدفاعي.. الممنوع أصبح ممكناً
أحد الآثار المباشرة يتعلق بالمساعدات الأمريكية.
وجود سوريا على القائمة كان يفرض قيوداً على تقديم المساعدات إليها، الأمر الذي استدعى في حالات سابقة إصدار إعفاءات أو تراخيص خاصة. وبعد إزالة التصنيف، يسقط هذا العائق المرتبط بالقائمة، لتصبح المساعدات مستقبلاً ممكنة من الناحية القانونية من دون الحاجة إلى الآلية الاستثنائية ذاتها، مع بقاء تقديمها وحجمها رهناً بالسياسة الأمريكية.
وينطبق المنطق نفسه على التعاون الدفاعي.
فالتصنيف كان يفرض قيوداً قانونية على تقديم مساعدات أو معدات أو تدريب عسكري أمريكي لسوريا. أما الشطب فلا يعني أن تعاوناً عسكرياً سيبدأ تلقائياً، وإنما يعني أن أحد الموانع القانونية أمامه قد أزيل، ليصبح أي تعاون مستقبلي مرتبطاً بوجود قرار سياسي يسمح به.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات القرار: الانتقال في بعض الملفات من "المنع القانوني" إلى "الإمكانية القانونية"، وهي مساحة مختلفة تماماً في العلاقات بين الدول.
ملف قضائي ثقيل
بعيداً عن الاقتصاد والتجارة، يلفت غانم إلى أثر أقل تداولاً لكنه شديد الأهمية، يتعلق بالحصانة السيادية للدولة السورية أمام القضاء الأمريكي.
فالدول تتمتع من حيث الأصل بحصانة أمام المحاكم، إلا أن قوانين مرتبطة بالدول المصنفة راعية للإرهاب تتيح استثناءات تسمح، في حالات معينة، بملاحقتها قضائياً والمطالبة بتعويضات.
وخلال العقود الماضية، صدرت بالفعل أحكام في قضايا أقيمت ضد الدولة السورية ووصلت قيمة التعويضات فيها، بحسب غانم، إلى مبالغ بمليارات الدولارات.
الشطب يغير البيئة القانونية التي نشأ فيها هذا النوع من الدعاوى، ويفتح الباب أمام معالجة ملف الحصانة ووقف نشوء مسار مماثل مستقبلاً. غير أن غانم يؤكد أن ذلك لا يحدث تلقائياً، وإنما يحتاج إلى متابعة قانونية من الجانب السوري.
التكنولوجيا والصادرات.. الطريق فتح لكن الإجراءات لم تنتهِ
التحول الأكثر قرباً من الحياة اليومية للسوريين قد يظهر في قطاع التكنولوجيا والصادرات الأمريكية.
فالتصنيف ارتبط بقيود مشددة على تصدير طيف واسع من المنتجات والتقنيات إلى سوريا، ولم تقتصر المشكلة على البضائع المصنعة في الولايات المتحدة، بل امتدت في بعض الحالات إلى منتجات مصنعة في دول أخرى وتحتوي على مكونات أمريكية خاضعة لضوابط التصدير.
ومع الشطب، يتغير الأساس القانوني لجزء مهم من هذه القيود، ما يتيح تخفيفها بصورة أوسع.
إلا أن الانتقال من القرار إلى التطبيق يحتاج إلى خطوة أخرى: تعديل وزارة التجارة الأمريكية للوائحها وتعليماتها التنفيذية.
ولهذا، فإن اختفاء القيود من النصوص السياسية والقانونية لا يعني أن كل سلعة أو برنامج أو تقنية ستصبح متاحة في السوق السورية في اليوم التالي. ثمة منظومة تنظيمية تحتاج إلى التحديث قبل أن يظهر الأثر الكامل للقرار.
ويمكن أن تمتد النتائج مستقبلاً إلى البرمجيات والتكنولوجيا والمعدات وبعض المنتجات ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك تقنيات ومعدات تدخل في قطاعات طبية وتكنولوجية مختلفة.
لماذا قد يبقى السوري محروماً من بعض الخدمات؟
هنا يميز غانم بين السماح للشركات بالعمل في سوريا و*إجبارها على العمل فيها*.
فبعد إزالة الموانع القانونية، تستطيع الشركات الأمريكية إعادة النظر في تعاملها مع السوق السورية، لكنها لا تصبح ملزمة بالدخول إليها أو إتاحة خدماتها للمستخدم السوري.
وهذا يعني أن عودة التطبيقات والبرمجيات والخدمات الرقمية تعتمد أيضاً على قرارات تجارية داخلية لدى كل شركة، وعلى تقييماتها للسوق والمخاطر والجدوى.
لذلك يقترح غانم ألا تكتفي المؤسسات السورية بانتظار استجابة الشركات، بل أن تعمل عبر فريق متخصص على التواصل معها بصورة مباشرة، وتوضيح التغييرات القانونية، ودفعها إلى تحديث سياساتها تجاه المستخدمين والسوق السورية.
العقدة المصرفية.. لماذا لا تعود التحويلات فوراً؟
إذا كان المواطن السوري ينتظر أثراً مباشراً للقرار، فإن التحويلات المصرفية ستكون على الأرجح الاختبار الأكثر وضوحاً.
لكنها أيضاً الملف الأكثر تعقيداً.
فالمصارف الدولية لا تتعامل مع القرارات السياسية وحدها، بل مع منظومة واسعة من حسابات المخاطر والامتثال والسمعة. ووجود سوريا لسنوات طويلة على قائمة الدول الراعية للإرهاب جعل المؤسسات المالية تنظر إليها كسوق مرتفعة المخاطر، ودفع كثيراً منها إلى تجنب التعامل معها حتى عندما كانت بعض العمليات ممكنة قانونياً.
إزالة التصنيف تسقط عن سوريا أحد أبرز عوامل المخاطر المرتبطة بالسمعة، لكنها لا تلزم أي مصرف خاص بإعادة التعامل معها.
وهنا يصبح القرار الأمريكي نصف المعادلة فقط.
الكرة تنتقل إلى دمشق
بحسب غانم، فإن المرحلة التالية تتطلب عملاً مؤسسياً سورياً تقوده بصورة أساسية الجهات المالية، وفي مقدمتها مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية.
الأولوية تتمثل في تحديث البيئة التنظيمية والمالية، وتعزيز قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير الإجراءات الاحترازية والامتثال بما يسمح للمؤسسات المالية الدولية بإعادة تقييم مخاطر التعامل مع سوريا.
ويشير غانم إلى أن الجهات الأمريكية قدمت مساعدات فنية إلى المؤسسات السورية المعنية في هذا المجال، لكنه يرى أن استكمال العمل المطلوب يبقى شرطاً رئيسياً لاستعادة ثقة القطاع المصرفي الدولي.
المعادلة هنا واضحة: يمكن للقرار الأمريكي أن يزيل الحظر، لكنه لا يستطيع أن يأمر مصرفاً دولياً بفتح قنواته مع سوريا.
ولذلك تحتاج دمشق إلى الانتقال من المطالبة بإزالة القيود إلى بناء بيئة تجعل العودة إلى السوق السورية قراراً قابلاً للدفاع عنه تجارياً وقانونياً أمام مجالس إدارات المصارف والشركات الدولية.
المرحلة المقبلة: إدارة الفرصة لا الاحتفال بها
بهذا المعنى، فإن شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل بداية مسار أكثر من كونه نهاية لمسار سابق.
لقد أزيلت عقبة قانونية كبيرة، لكن إزالة العقبة لا تعني أن الاقتصاد سيتحرك تلقائياً.
عودة العلاقات المصرفية، ودخول الشركات، واستعادة الخدمات الرقمية، وتوسيع التجارة، وجذب رؤوس الأموال، كلها نتائج تحتاج إلى تشريعات وإصلاحات ومؤسسات وسياسات قادرة على تحويل الانفتاح القانوني إلى ثقة اقتصادية.
ومن هنا ربما تكمن أهم خلاصة في طرح غانم: المرحلة السابقة كانت معركة إزالة القيود، أما المرحلة الجديدة فهي معركة استثمار ما بعد القيود.
فالقرار يمنح سوريا مساحة أوسع للحركة، لكنه لا يحدد كيف ستتحرك داخلها. والفرق بين أن يبقى الشطب تحولاً قانونياً مهماً وبين أن يتحول إلى نقطة انعطاف اقتصادية سيحدده ما ستفعله المؤسسات السورية بعده.
الفرصة باتت متاحة، لكن قيمتها الحقيقية لن تقاس بعدد القيود التي أزيلت، بل بعدد المصارف التي ستعود، والشركات التي ستدخل، والاستثمارات التي ستتحرك، والخدمات التي ستتاح، ومدى انعكاس ذلك في النهاية على الاقتصاد وحياة السوريين.
هذه المقاربة يقدمها الناشط السياسي السوري
محمد علاء غانم، رئيس السياسات في التحالف الأمريكي من أجل سوريا في الولايات المتحدة الأمريكية، في شرح موسع نشره عبر صفحته على فيسبوك، تناول فيه التداعيات القانونية والاقتصادية للقرار، وما يمكن أن يتغير في ملفات المساعدات والتجارة والتكنولوجيا والتحويلات المصرفية، وصولاً إلى الخطوات التي يرى أن على المؤسسات السورية اتخاذها للاستفادة من المرحلة الجديدة.رفع العقوبات ليس شطب التصنيف
النقطة الأولى التي يتوقف عندها غانم هي ضرورة التمييز بين رفع العقوبات الاقتصادية وبين إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
فالتصنيف، بحسب شرحه، لا يقتصر أثره على العقوبات بالمفهوم الاقتصادي المباشر، وإنما يرتب مجموعة مستقلة من القيود والمحظورات القانونية، تشمل المساعدات الأمريكية، والتعاون الدفاعي، والصادرات والتكنولوجيا، إلى جانب آثار مالية وقضائية.
وعليه، فإن أهمية الشطب تكمن في إزالة طبقة إضافية من القيود كانت مرتبطة بوجود سوريا على القائمة ذاتها، ما يغير البيئة القانونية التي تتعامل ضمنها المؤسسات الأمريكية مع البلاد.
لكن هذه النقلة لا تعني أن النتائج ستظهر دفعة واحدة. فثمة فارق بين سقوط المانع القانوني وبين استجابة المؤسسات والأسواق له. بعض التغييرات يحتاج إلى تعديل لوائح أمريكية، وبعضها الآخر يتوقف على قرارات تتخذها المصارف والشركات بصورة مستقلة.
المساعدات والتعاون الدفاعي.. الممنوع أصبح ممكناً
أحد الآثار المباشرة يتعلق بالمساعدات الأمريكية.
وجود سوريا على القائمة كان يفرض قيوداً على تقديم المساعدات إليها، الأمر الذي استدعى في حالات سابقة إصدار إعفاءات أو تراخيص خاصة. وبعد إزالة التصنيف، يسقط هذا العائق المرتبط بالقائمة، لتصبح المساعدات مستقبلاً ممكنة من الناحية القانونية من دون الحاجة إلى الآلية الاستثنائية ذاتها، مع بقاء تقديمها وحجمها رهناً بالسياسة الأمريكية.
وينطبق المنطق نفسه على التعاون الدفاعي.
فالتصنيف كان يفرض قيوداً قانونية على تقديم مساعدات أو معدات أو تدريب عسكري أمريكي لسوريا. أما الشطب فلا يعني أن تعاوناً عسكرياً سيبدأ تلقائياً، وإنما يعني أن أحد الموانع القانونية أمامه قد أزيل، ليصبح أي تعاون مستقبلي مرتبطاً بوجود قرار سياسي يسمح به.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات القرار: الانتقال في بعض الملفات من "المنع القانوني" إلى "الإمكانية القانونية"، وهي مساحة مختلفة تماماً في العلاقات بين الدول.
ملف قضائي ثقيل
بعيداً عن الاقتصاد والتجارة، يلفت غانم إلى أثر أقل تداولاً لكنه شديد الأهمية، يتعلق بالحصانة السيادية للدولة السورية أمام القضاء الأمريكي.
فالدول تتمتع من حيث الأصل بحصانة أمام المحاكم، إلا أن قوانين مرتبطة بالدول المصنفة راعية للإرهاب تتيح استثناءات تسمح، في حالات معينة، بملاحقتها قضائياً والمطالبة بتعويضات.
وخلال العقود الماضية، صدرت بالفعل أحكام في قضايا أقيمت ضد الدولة السورية ووصلت قيمة التعويضات فيها، بحسب غانم، إلى مبالغ بمليارات الدولارات.
الشطب يغير البيئة القانونية التي نشأ فيها هذا النوع من الدعاوى، ويفتح الباب أمام معالجة ملف الحصانة ووقف نشوء مسار مماثل مستقبلاً. غير أن غانم يؤكد أن ذلك لا يحدث تلقائياً، وإنما يحتاج إلى متابعة قانونية من الجانب السوري.
التكنولوجيا والصادرات.. الطريق فتح لكن الإجراءات لم تنتهِ
التحول الأكثر قرباً من الحياة اليومية للسوريين قد يظهر في قطاع التكنولوجيا والصادرات الأمريكية.
فالتصنيف ارتبط بقيود مشددة على تصدير طيف واسع من المنتجات والتقنيات إلى سوريا، ولم تقتصر المشكلة على البضائع المصنعة في الولايات المتحدة، بل امتدت في بعض الحالات إلى منتجات مصنعة في دول أخرى وتحتوي على مكونات أمريكية خاضعة لضوابط التصدير.
ومع الشطب، يتغير الأساس القانوني لجزء مهم من هذه القيود، ما يتيح تخفيفها بصورة أوسع.
إلا أن الانتقال من القرار إلى التطبيق يحتاج إلى خطوة أخرى: تعديل وزارة التجارة الأمريكية للوائحها وتعليماتها التنفيذية.
ولهذا، فإن اختفاء القيود من النصوص السياسية والقانونية لا يعني أن كل سلعة أو برنامج أو تقنية ستصبح متاحة في السوق السورية في اليوم التالي. ثمة منظومة تنظيمية تحتاج إلى التحديث قبل أن يظهر الأثر الكامل للقرار.
ويمكن أن تمتد النتائج مستقبلاً إلى البرمجيات والتكنولوجيا والمعدات وبعض المنتجات ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك تقنيات ومعدات تدخل في قطاعات طبية وتكنولوجية مختلفة.
لماذا قد يبقى السوري محروماً من بعض الخدمات؟
هنا يميز غانم بين السماح للشركات بالعمل في سوريا و*إجبارها على العمل فيها*.
فبعد إزالة الموانع القانونية، تستطيع الشركات الأمريكية إعادة النظر في تعاملها مع السوق السورية، لكنها لا تصبح ملزمة بالدخول إليها أو إتاحة خدماتها للمستخدم السوري.
وهذا يعني أن عودة التطبيقات والبرمجيات والخدمات الرقمية تعتمد أيضاً على قرارات تجارية داخلية لدى كل شركة، وعلى تقييماتها للسوق والمخاطر والجدوى.
لذلك يقترح غانم ألا تكتفي المؤسسات السورية بانتظار استجابة الشركات، بل أن تعمل عبر فريق متخصص على التواصل معها بصورة مباشرة، وتوضيح التغييرات القانونية، ودفعها إلى تحديث سياساتها تجاه المستخدمين والسوق السورية.
العقدة المصرفية.. لماذا لا تعود التحويلات فوراً؟
إذا كان المواطن السوري ينتظر أثراً مباشراً للقرار، فإن التحويلات المصرفية ستكون على الأرجح الاختبار الأكثر وضوحاً.
لكنها أيضاً الملف الأكثر تعقيداً.
فالمصارف الدولية لا تتعامل مع القرارات السياسية وحدها، بل مع منظومة واسعة من حسابات المخاطر والامتثال والسمعة. ووجود سوريا لسنوات طويلة على قائمة الدول الراعية للإرهاب جعل المؤسسات المالية تنظر إليها كسوق مرتفعة المخاطر، ودفع كثيراً منها إلى تجنب التعامل معها حتى عندما كانت بعض العمليات ممكنة قانونياً.
إزالة التصنيف تسقط عن سوريا أحد أبرز عوامل المخاطر المرتبطة بالسمعة، لكنها لا تلزم أي مصرف خاص بإعادة التعامل معها.
وهنا يصبح القرار الأمريكي نصف المعادلة فقط.
الكرة تنتقل إلى دمشق
بحسب غانم، فإن المرحلة التالية تتطلب عملاً مؤسسياً سورياً تقوده بصورة أساسية الجهات المالية، وفي مقدمتها مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية.
الأولوية تتمثل في تحديث البيئة التنظيمية والمالية، وتعزيز قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير الإجراءات الاحترازية والامتثال بما يسمح للمؤسسات المالية الدولية بإعادة تقييم مخاطر التعامل مع سوريا.
ويشير غانم إلى أن الجهات الأمريكية قدمت مساعدات فنية إلى المؤسسات السورية المعنية في هذا المجال، لكنه يرى أن استكمال العمل المطلوب يبقى شرطاً رئيسياً لاستعادة ثقة القطاع المصرفي الدولي.
المعادلة هنا واضحة: يمكن للقرار الأمريكي أن يزيل الحظر، لكنه لا يستطيع أن يأمر مصرفاً دولياً بفتح قنواته مع سوريا.
ولذلك تحتاج دمشق إلى الانتقال من المطالبة بإزالة القيود إلى بناء بيئة تجعل العودة إلى السوق السورية قراراً قابلاً للدفاع عنه تجارياً وقانونياً أمام مجالس إدارات المصارف والشركات الدولية.
المرحلة المقبلة: إدارة الفرصة لا الاحتفال بها
بهذا المعنى، فإن شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل بداية مسار أكثر من كونه نهاية لمسار سابق.
لقد أزيلت عقبة قانونية كبيرة، لكن إزالة العقبة لا تعني أن الاقتصاد سيتحرك تلقائياً.
عودة العلاقات المصرفية، ودخول الشركات، واستعادة الخدمات الرقمية، وتوسيع التجارة، وجذب رؤوس الأموال، كلها نتائج تحتاج إلى تشريعات وإصلاحات ومؤسسات وسياسات قادرة على تحويل الانفتاح القانوني إلى ثقة اقتصادية.
ومن هنا ربما تكمن أهم خلاصة في طرح غانم: المرحلة السابقة كانت معركة إزالة القيود، أما المرحلة الجديدة فهي معركة استثمار ما بعد القيود.
فالقرار يمنح سوريا مساحة أوسع للحركة، لكنه لا يحدد كيف ستتحرك داخلها. والفرق بين أن يبقى الشطب تحولاً قانونياً مهماً وبين أن يتحول إلى نقطة انعطاف اقتصادية سيحدده ما ستفعله المؤسسات السورية بعده.
الفرصة باتت متاحة، لكن قيمتها الحقيقية لن تقاس بعدد القيود التي أزيلت، بل بعدد المصارف التي ستعود، والشركات التي ستدخل، والاستثمارات التي ستتحرك، والخدمات التي ستتاح، ومدى انعكاس ذلك في النهاية على الاقتصاد وحياة السوريين.


