سوريا - محليات
ملف الرعاية الصحية للموقوفين إلى الواجهة..احتياج ومتطلبات قانونية
أ
أحمد الكناني
نشر في: ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٧:٤٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

أعادت قضية وفاة الشاب محمد غميرة ملف الإجراءات القانونية والقضائية المتعلقة بآليات التعامل مع الموقوفين والكشف الطبي عليهم إلى الواجهة، إذ خلصت التحقيقات التي أجرتها وزارة الداخلية السورية إلى أن وفاة الشاب غميرة جاءت نتيجة مضاعفات نزيف دماغي كونه مصاب بمرض "الناعور" على خلفية توقيفه في قسم شرطة الحفة بمحافظة اللاذقية، ما حمّل أفراد المخفر مسؤولية مباشرة، بعدما كشفت التحقيقات عن تعرضه للضرب من أحدهم، وعدم أخذ حالته الصحية في الحسبان رغم إبلاغ ذويه للشرطة بها.
تثير الحادثة بالضرورة، ملف الرعاية الصحية للموقوفين في أماكن الاحتجاز السورية، إذ اعتمد النظام البائد سياسة إهمال الحالات الصحية للموقوفين وتعريض حياتهم للخطر، إلى جانب ممارسات التعذيب والانتهاكات، وهو ما يتناقض مع النهج الذي تعمل الإدارة السورية الجديدة على ترسيخه، وما نص عليه إعلانها الدستوري من ضمانات تتعلق بكرامة الإنسان وسلامته الجسدية، الأمر الذي يسلط الضوء على أهمية التعامل بجدية مع مثل هذه الحالات، وإعادة النظر في آليات الرعاية الصحية للموقوفين.
حقوق دستورية
يشير الخبير في القانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، إلى أنه منذ اللحظة الأولى التي يصبح فيها الشخص تحت سيطرة الشرطة أو إدارة السجن، تتحمل الدولة مسؤولية مباشرة ومشددة عن سلامته الجسدية والنفسية. ولا تقتصر هذه المسؤولية على منع التعذيب أو الضرب، بل تشمل أيضاً اتخاذ تدابير إيجابية لحمايته من المرض والإصابة وتدهور حالته الصحية.
ويقول الكيلاني إن ذلك يقتضي إجراء فحص طبي للموقوف عند دخوله إلى مكان الاحتجاز، وتسجيل الأمراض المزمنة التي يعاني منها، والأدوية التي يستخدمها، وأي إصابات ظاهرة على جسده، إضافة إلى تقييم حالته النفسية ومخاطر الانتحار أو إيذاء النفس، بما في ذلك تأمين الغذاء الكافي، والمياه الصالحة للشرب، والتهوية، والإضاءة، والنظافة، والمرافق الصحية، والفراش المناسب، لافتاً إلى إمكانية تقديم الشكوى إلى الجهات المستقلة في حال تعرضه للضرب أو الإهمال الطبي، مع ضمان حمايته من أي شكل من أشكال الانتقام.
وفي هذا الإطار، يؤكد عضو مجلس الشعب والطبيب محمود مصطفى ضرورة عرض الموقوفين على لجنة طبية مختصة لفحصهم، وفتح ملف طبي خاص بكل موقوف، وتسجيل جميع الشكاوى الصحية والأخذ بها، مع التأكيد على عدم انقطاع الأدوية التي كان يتناولها قبل التوقيف بعد الـتأكد منها، وفقاً لحالته الصحية، ولا سيما في حالات الأمراض المزمنة ومرضى القلب وغيرهم ممن تستوجب حالاتهم المتابعة والرعاية الصحية.
وحول انتشار بعض الانتهاكات في عدد من المخافر، لفت عضو مجلس الشعب مصطفى إلى أن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 يحظر التعذيب المادي والمعنوي، ويقرر عدم سقوط جرائم التعذيب بالتقادم، كما يجعل الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا جزءاً من الإطار الدستوري الداخلي، مطالباً بضرورة أن تستند عمليات التوقيف إلى أوامر قضائية، لما في ذلك من تبعات قانونية تتعلق بضمان حقوق الموقوفين وسلامتهم.
حالات طارئة
يتعرض عدد من الموقوفين السوريين لحوادث داخل أماكن الاحتجاز قد تكون ناجمة عن إصابة أو حالة صحية طارئة، وجميعها حالات تستوجب التدخل الطبي المباشر والسريع، تفادياً لتفاقم الحالة أو عدم تقييمها بالشكل الصحيح.
ينوه الخبير الكيلاني إلى المبدأ 24 من مجموعة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحق الأشخاص المحتجزين في الرعاية الصحية، والذي يؤكد ضرورة توفير الرعاية والعلاج كلما دعت الحاجة، ويعتبر الامتناع المتعمد عن العلاج، أو التأخير غير المبرر في تقديمه، شكلاً من أشكال المعاملة اللاإنسانية، خاصة عندما تكون السلطات على علم بوجود مرض مزمن أو إصابة خطرة، وهذا يستدعي مسؤولية جنائية وتأديبية ومدنية بحق المسؤول وكل من لديه علم وقدرة على التدخل ولم يفعل.
وفي هذا الإطار، ينوه الدكتور مصطفى إلى ضرورة تعميم بروتوكولات قانونية تتعلق بوجوب استدعاء الطبيب أو المسعف المؤهل، وتنفيذ توصياته، وتوفير الأدوية أو الفحوص المطلوبة في حالات الطوارئ، خاصة إذا ظهرت أعراض خطرة، مثل النزيف، أو فقدان الوعي، أو إصابة الرأس، أو الاختلاجات، أو صعوبة التنفس، أو ألم الصدر، أو التدهور المفاجئ في الوعي، إذ يصبح نقل الموقوف إلى المستشفى واجباً فورياً، ولا يجوز تأجيل ذلك بحجة انتظار انتهاء التحقيق أو الحصول على موافقة إدارية روتينية، كما أنه لا يجوز لعنصر الشرطة أو المحقق أو حارس السجن أن يقرر بنفسه أن الحالة لا تستحق الفحص الطبي.
تحديث قوانين الحماية
يشير خبراء قانونيون إلى وجود العديد من النصوص التشريعية التي تنظم توفير الرعاية الطبية للموقوفين والسجناء، إلا أن الإطار التشريعي الأساسي لا يزال قديماً ويحتاج إلى تحديث شامل، ولا سيما القرار رقم 1222 لعام 1929 المتضمن نظام السجون، الذي ما يزال مدرجاً ضمن التشريعات النافذة.
يوضح الخبير الكيلاني مضمون المادة 30 من القرار رقم 1222 الخاص بالسجون، والتي تحظر على موظفي السجون والحراسة استعمال الشدة بحق الموقوفين أو مخاطبتهم بطريقة مهينة، فيما تنص المادة 101 على أن الخدمة الصحية تشمل معاينة الموقوف عند وصوله إلى السجن، ومعاينة من يدخل السجن وهو مريض أو متدهور الصحة، ومن يوضع في حجرة العقاب، ومن تستدعي حالته الصحية تغيير عمله أو إعفاءه منه، إضافة إلى توقيت زيارات الطبيب الدورية، وتسجيل الوصفات الدوائية في السجلات الرسمية، بما يوفر أساساً لمراجعة العلاج والتحقق من مدى تنفيذ التوصيات الطبية.
وينوه عضو مجلس الشعب د. مصطفى إلى ضرورة إعادة النظر في التشريعات والقوانين الخاصة بالرعاية الصحية للموقوفين والسجناء، بما يضمن عدم تكرار ما جرى مع الشاب غميرة، مؤكداً أن ذلك يستوجب مسؤولية متكاملة بين مجلس الشعب والحكومة، وبالتشارك مع وزارة الداخلية، لتطوير المسارات القانونية الناظمة وترسيخ الأمن وسيادة القانون، بما في ذلك إعادة النظر في مواد القرار رقم 1222 الخاص بنظام السجون، ووضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع الموقوفين في المخافر، تجنباً لأي احتكاك أو حوادث مؤسفة، إلى جانب إنشاء مراكز طبية في السجون الرئيسية.
هذا وأثيرت قضية رعاية الموقوفين بعد وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة في 16 آب/أغسطس، إثر احتجازه ثلاثة أيام في قسم شرطة الحفة، إذ يؤكد أفراد أسرته أنه كان مصاباً بمرض الناعور، وأبلغوا عناصر الشرطة بحالته الصحية، إلا أنه توفي نتيجة مضاعفات نزيف في الدماغ، وأظهرت التحقيقات تعرضه للصفع من أحد المحققين، وعلى إثر ذلك اتخذت وزارة الداخلية الإجراءات القانونية بحق من ثبتت إدانتهم.


