سوريا - ثقافة
السوريون الأعداء... مجزرة حماه والحقبة الأسدية المظلمة
ا
العين السورية
نشر في: ١٦ أبريل ٢٠٢٦، ١٠:١٤عدل في: ١٦ أبريل ٢٠٢٦، ١٠:١٤
3 دقيقة
0

"السوريون الأعداء" عنوان محزن ومؤلم وصادم، لرواية هامة ومسلسل تلفزيوني درامي قادم، رغم معرفتنا جميعاً بأسباب هذا العداء وتجلياته، بعد أن استطاع النظام البائد في عهد الأسدين الأب والابن أن يُحدث شرخّاً كبيراً مبطناً ومعلناً في آن معاً في المجتمع السوري، وحالة طائفية - أو صراعاً طائفياً – عملوا عليه بجدية ووحشية وبأساليب غير وطنية وغير أخلاقية، وأداروه بكل الطرق والأدوات الرخيصة والأكاذيب وبالحديد والنار، وهذا ما تجلّى أثناء الثورة السورية، وبعد التحرير والسقوط المدوي للنظام المجرم، ولكن بحدود أقل بكثير مما كان مخططاً له.
"السوريون الأعداء" عمل درامي سياسي ضخم، لم تنتهِ العمليات الفنية له حتى الآن، رغم أنه كان مدرجاً على خريطة الموسم الرمضاني لهذا العام لأسباب مختلفة بالتزامن مع استمرار تصويره في عدد من المحافظات السورية: اللاذقية- حلب ودمشق. وهو من إخراج: الليث حجّو، عن رواية للكاتب فواز حداد بالعنوان نفسه، سيناريو وحوار: نجيب نصير- رافي وهبة- رامي كوسا، بطولة: بسام كوسا- سلوم حداد- يارا صبري- أندريه سكاف- فادي صبيح- نجاح سفكوني وآخرين، إنتاج: شركة ميتافورا.
يستعرض المسلسل ثلاث حقب سنوية مفصلية في تاريخ سوريا، بدءاً من السبعينات، مروراً بالثمانينات، وصولاً إلى بدايات الثورة السورية 2011، عبر حكايات ثلاثة أجيال تتقاطع مصائرها مع أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية قاسية غيرت ملامح البلاد والعباد. يتناول الصراع الطائفي الذي سعى إليه النظام الأسدي من أجل تحويل "الأخوة من الشعب" إلى أعداء. تدور أحداثه في سياق الأحداث الدموية المأساوية التي شهدتها مدينة حماه عام 1982، عندما قامت القوات النظامية وسرايا الدفاع في عهد (حافظ الأسد) بفرض حصار خانق على المدينة، استمر نحو 27 يوماً، وانتهى بعملية عسكرية إجرامية، وبمجزرة مروعة، أدت إلى استشهاد عشرات الآلاف من السوريين رجالاً ونساءً وأطفالاً، وإلى تدمير كامل للمدينة القديمة، واختفاء واعتقال الآلاف، واستباحة أرواح المدنيين وممتلكاتهم وأعراضهم، وكانت من أكثر الجرائم التي قامت بها حكومة ضد شعبها في التاريخ الحديث دموية. إلى أن جاءت المرحلة الأكثر إجراماً منها مرحلة (بشار الأسد) الذي استخدم الحل الأمني العسكري ضد المدن الثائرة وأهلها بعد قيام الثورة السورية، مما أسفر عن استشهاد واعتقال مئات الألاف من السوريين وتدمير المدن والبلدات السورية وتهجير سكانها بعد قصفها بالكيماوي والمدفعية والبراميل المتفجرة، وأعتى الأسلحة المحرمة دولياً.
تدور أحداث الحكاية الموجعة حول ضابط في جيش الأسد، يقوم أثناء مجزرة حماه بقتل ثلاثة أجيال من عائلة واحدة، دون أي مبرر سوى إثبات قدرته على ارتكاب الانتهاكات كوسيلة لترسيخ مكانته ضمن السلطة الديكتاتورية القائمة، ونيله أهم المناصب والصلاحيات، بينما ينجو رضيع من هذه المجزرة بفضل جارتهم العجوز.
يكشف العمل ثلاثة خطوط رئيسة، عبر ثلاث شخصيات لكل منها مسارها المختلف عن الأخرى ضمن منظومة الحكم الشمولي، وهم: ضابط مهندس يصل إلى القصر الجمهوري، وطبيب ينجو من الإعدام ليُرسل إلى سجن تدمر سيء الصيت الذي جرت فيه عمليات إعدام مرعبة في تلك الفترة وما تلاها، وقاضٍ نزيه يسعى لحماية الوطن من النهب والفساد، متمسكاً بالقانون في بلد تهيمن عليه القبضة الأمنية، وتحوّله إلى سجن كبير. ويرصد أيضاً حالة الصمت التي سادت آنذاك محمّلة بالخوف والرعب من الاعتقال والتصفيات، وكيف سيطرت على الجميع. كما يستعرض تحولات حرجة و مأساوية في تاريخ سوريا الحديث، وآثارها المدمرة على الأفراد والجماعات، ساعياً إلى تقديم سردية إنسانية قاهرة، تعكس أثر القمع والعنف على كل مفاصل الحياة السورية، ومؤكداً على أن الاستبداد لا يمكن أن يستمر إلا بسلبية وتواطؤ جزء من النُخب الثقافية وغيرها من شرائح المجتمع، وأن نهايته إلى زوال ولو بعد حين.
مخرج العمل الذي قدم للمشاهد أعمالاً درامية متميزة، كتب على صفحته بالفيس بوك يقول: "كنتُ دائماً أردد إن المكان ليس خلفية في العمل الفني. المكان شريك. يتدخل. يقترح. يفرض إيقاعه أحياناً. ويمنحك ما لم تكن تخطط له"، في إشارة لتنوع أماكن التصوير في هذا المسلسل.
وعن علاقته بمدينة حلب التي ينحدر منها، وجرت فيها بعض عمليات التصوير كما ذكرنا آنفاً، كتب يقول: "هذه المدينة كانت دائماً حاضرة في بيتنا. في أحاديث والدي عمر حجو. الذي أحبها حتى الرمق الأخير. حلب ذاكرة حية. طبقات من الفن والتاريخ. يصعب وصفها بالكلمات".
وحول الهجوم الذي تعرض له لاختياره نجوماً كانوا مؤيدين للنظام المجرم قال: "الهجوم نابع من تبرير الفشل. وليس نقداً فنياً. من يعتبر موقفه السياسي حقاً مكتسباً له، لا يدافع عن الثورة. بل يستثمرها". وهذا برأيه أسلوب غير مهني. والحقيقية أن هذا الموضوع إشكالي، لأن المشاهد لا يتقبل أن يجسد من كان مؤيداً للنظام ومدافعاً عنه، دور الثائر أو المعارض.
و بالعودة إلى الرواية التي أُخذ عنا المسلسل، هي من أهم الأعمال الأدبية التي فضحت نظام الأسد، وشرّحت حالة الفساد والقمع والاستبداد، وطائفية الحكم التي عانى منها السوريون لعقود، وساهمت مساهمة كبيرة في الخراب الذي لحق بسوريا، والبنية الاجتماعية للسوريين الرافضين في أعداد كبيرة منهم للتعصب الطائفي والأيديولوجي المقيت. والحالمين بوطن يتسع لجميع أبنائه، ويسوده القانون والعدالة واحترام كرامة الانسان، وصون حقوقه.


