سوريا - اقتصاد
هل تنتعش بعد الانتقال إلى حجرة " العناية الفائقة..محافظة سورية منسيّة تنتفض صناعياً
ه
هبة الكل
نشر في: ١٧ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٢٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بعد عقود من التهميش والدمار الذي طال بناها التحتية ومنشأتها الحيوية، تتجه الأنظار نحو محافظة دير الزور لاختبار نموذج اقتصادي جديد، ينقلها إلى مركز صناعي ولوجستي إقليمي، عبر حزمة مشاريع استراتيجية، يتصدرها الإعلان عن إنشاء مدينة صناعية مخصصة للصناعات الغذائية والبتروكيماوية، بالتزامن مع إعادة تشغيل مطار دير الزور الدولي، وإطلاق مشاريع الربط الطرقي في الداخل السوري.
وتكتسب المحافظة أهمية جيو اقتصادية، لوقوعها ضمن منفذ بري حيوي، يربط الداخل السوري بالعراق عبر معبر البوكمال الحدودي ومنه إلى الجنوب، فضلاً عن ثرواتها من النفط والغاز والأراضي الزراعية الخصبة على امتداد حوض الفرات، وتُعدّ المدينة الصناعية المرتقبة ركيزة لنهضة الاقتصاد الوطني، رغم تصادمها مع واقع متهالك للبنية التحتية وقطاعات الطاقة والنقل.
قيمة مضافة
رغم عدم تحديد الجدول الزمني، والتكلفة التقديرية للمدينة الصناعية، أو توضيح ما إذا كان المشروع يتضمن بناء مدينة جديدة أم إعادة تأهيل المدينة القديمة، إلا أن الهدف الرئيسي يكمن في تمكين المحافظة من تصدير منتجاتها مباشرة إلى الأسواق العالمية.
تؤكد الدكتورة مروى بيوض، العميد السابق لكلية الاقتصاد بجامعة الفرات، في تصريح لـ " العين السورية" على أهمية هذه المدينة في تحويل المواد الأولية، سواء كانت زراعية أو نفطية، إلى منتجات تامة الصنع ذات قيمة مضافة عليا، بدلاً من تصديرها كمواد خام، ما يرفع من قيمة الصادرات، ويقلل فاتورة الاستيراد للمواد الغذائية والكيميائية الأساسية، إلى جانب تعزيز تدفق القطع الأجنبي، بشكل يضمن إبقاء الجزء الأكبر من العوائد المالية في الداخل.
عقبات لوجستية وتمويلية
تعرض القطاع الصناعي في دير الزور لخسائر فادحة خلال سنوات الحرب، طالت منشآت صناعية حكومية وخاصة، بينها معامل السكر والورق والغزل والنسيج وحلج القطن، المتوقفة عن العمل حالياً، فضلاً عن تدمير بنى تحتية مرتبطة بالإنتاج، تقدر بنحو 75%، بما فيها شبكات كهرباء ومياه وطرق وجسور، ورغم إعداد دراسات لحصر الأضرار واحتياجات التأهيل، شهدت المنطقة الصناعية استئناف نشاط 424 منشأة وورشة صغيرة مطلع العام الجاري، وفق بيانات رسمية.
يشير الخبير الاقتصادي عبد العظيم مغربل، في تصريح لـ " العين السورية" إلى أنّ التحدي الأكبر يبدأ من إعادة تأهيل الكهرباء والمياه والطرق والصرف الصناعي، فالمناطق الصناعية في دير الزور لا تزال تعاني أضرار واسعة في البنية التحتية، أما التمويل فيتطلب وفق مغربل، نموذجاً واضحاً لشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، إلى جانب دعم مؤسسات التمويل الدولية، نظراً لأن تطوير مدينة صناعية متكاملة يحتاج استثمارات ضخمة طويلة الأجل.
تحديات أمنية
في هذا السياق، تنبه الدكتورة بيوض إلى أنّ المنطقة تعاني من انتشار للذخائر غير المنفجرة في التربة والبنية التحتية، ما يرفع كلفة المشروع، ويشكل خطراً على السلامة العامة، مضيفة إلى ذلك حالة عدم الاستقرار النسبي، والأحداث والتوترات الأمنية المتفرقة، إلى جانب رداءة الطرق الحيوية، كطريق دمشق/ دير الزور، من شأنها أن تعيق حركة الشحن، وسلامة الإمدادات، كما قد تؤثر على قرار المستثمرين.
البيئة والزراعة ... خطوط حمراء
إلى جانب التحديات اللوجستية والأمنية، يفرض جمع الصناعات الغذائية مع البتروكيماويات محاذير بيئية وصحية صارمة، وعليه يشدد المغربل على ضرورة الفصل المكاني التام بين القطاعين، وتوفير مناطق عازلة وأنظمة معالجة مستقلة للنفايات، وبينما لا يجد أي مشكلة في وجود صناعات غذائية وبيتروكيماوية بمكان واحد.
إلا أن الخبير المغربل يحذر من الخطر الحقيقي المتمثل في التوسع الصناعي على حساب الأراضي الخصبة الزراعية بشكل عشوائي، وذلك لأنّ المنطقة الشرقية تعدّ من أهم خزانات سوريا الزراعية، مبيناً أن الحل ليس في رفض التصنيع، بل توجيه المدن الصناعية إلى الأراضي الأقل إنتاجية أو غير الصالحة للزراعة، مع حماية الأراضي المروية عالية القيمة.
بالمقابل، تحذر الدكتورة بيوض من تسرب الملوثات إلى المياه والتربة الزراعية، الأمر الذي ينعكس سلباً على صحة السكان المحليين، وعلى سلامة المحاصيل الزراعية المجاورة، مما يخلق تداخلاً خطيراً بين التلوث الصناعي والسلاسل الغذائية، داعية إلى الالتزام بمعايير السلامة الدولية، ومدونة الدستور الغذائي، لتحديد الحدود القصوى لبقايا الملوثات والمعادن الثقيلة، إلى جانب فصل كامل بين خطوط الإنتاج الغذائي، ومناطق تخزين المواد الخام البتروكيماوية ضمن المخطط العام للمدينة، لضمان تحقيق تكامل، لا صراع، بين الزراعة والصناعة.
مطار ومدينة صناعية.. بوابة إقليمية
يُشكل إعادة تشغيل مطار دير الزور الدولي وريداً لوجستياً للمدينة الصناعية، خاصة في حال تفعيل خدمات الشحن الجوي والنقل البري في المستقبل، وعليه، يوضح الخبير مغربل، أنّ القرب من المطار يعطي ميزة لوجستية للصناعات ذات القيمة المرتفعة أو المنتجات الغذائية سريعة التلف، ويختصر زمن النقل إذا فُعّلت حركة الشحن الجوي، فضلاً عن توفير وظائف مباشرة داخل المصانع وغير مباشرة في النقل والتخزين والصيانة والتجارة والخدمات.
في السياق ذاته، تبين الدكتورة بيوض إسهام المنطقة الصناعية بجوار المطار في سوق العمل والاقتصاد الوطني، كما أن القرب من المطار يحفز الطلب على وظائف متخصصة في الشحن الجوي، وإدارة المخازن الباردة، والجمارك، ما يساهم في تنويع هيكل فرص العمل وتقليل معدلات البطالة في المحافظة والمناطق المجاورة.
إن إعادة إعمار المدينة الصناعية في دير الزور، تتجاوز كونها مشروعاً إنشائياً، نحو عملية إعادة رسم الهوية الاقتصادية لشرق سوريا، ويتوقف نجاح هذا التحول على اكتمال الرؤى التنظيمية والتمويلية، وتوفير بيئة أمنية مستقرة، تمكّن المحافظة من لعب دورها كمركز لوجستي وصناعي، يربط التجارة الوطنية بسلاسل التوريد والأسواق الإقليمية.


