سوريا - اقتصاد
هل ستفتح "فيزا وماستر كارد" أبواب ترحيل الأموال من سوريا؟
ا
العين السورية - ناظم عيد
نشر في: ١٠ مايو ٢٠٢٦، ١٢:٣٠
3 دقيقة
9

لعلَّ معظم ما يجري في سوريا على صعيد إعادة وصل شرايين الاقتصاد المنهك يستحقُّ الاحتفاءَ والتصفيقَ لأصحاب الجهود في الأوساط التنفيذية.
لكن يبقى السؤال الأهم دائمًا: ماذا بعد الاحتفاء؟
خصوصاً أنَّ ما يجري "إنجازه" ليس مقصوداً لذاته، بل هو على الأغلب أدوات لازمة لإعادة البناء، وليست بناءً بحد ذاتها.
ابتداءً من العودة إلى الربط مع "سويفت" كمنظومة تحويل عالمية، مروراً بإعادة الارتباط بالبنوك المراسلة، وصولاً إلى توطين خدمات شبكتي "فيزا" و"ماستر كارد" العالميتين في سوريا.
ما بعد الحدث؟
هنا يبدو ما بعد الحدث أهمَّ من الحدث ذاته، لأننا بصدد إعادة استدراك بُنى اقتصادية، لا مجرد واجهات تصلح للاستعراض الإعلامي فحسب.
وثمة تساؤلات وهواجس بشأن إطلاق خدمات "فيزا" و"ماستر كارد" في سوريا: ما الإضافة العملية لدخول أداتَي الدفع العالميتين؟
هل ثمَة زبائن كثر لهذه الخدمة الجديدة في سوريا؟ وهل لدينا بنية تحتية مناسبة كحامل لخدمات "فيزا" و"ماستر كارد"؟
ثم إذا كان السحب ممكناً في الاتجاهين (الذاهب والراجع)، ألا يترتب على ذلك مخاطر من أن يكون الذاهب أكثر من الوارد كموجودات نقدية بالعملات الأجنبية؟ وبالتالي، كيف يمكن استثمار الخدمة الجديدة إيجاباً، وما الضوابط؟
إعادة دمج
في الأبعاد الأولية، يبدو دخول "فيزا" و"ماستر كارد" إلى سوريا خطوة نقدية ذات أبعاد استراتيجية بالفعل، حتى لو لم يتحدث بذلك أي مسؤول تنفيذي، كحاكم مصرف سوريا المركزي، أو وزير المالية، أو وزير الاتصالات والتقانة الذي أشرف على تنفيذ أولى عمليات إطلاق خدمات البطاقتين العالميتين.
فالخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يُسلِّم بأن دخول الشبكتين إلى السوق السورية يشكل تحولاً نوعياً في بنية الدفع، لأنه يعيد وصل المصارف السورية بالنظام المالي العالمي بعد سنوات من العزلة.

فالقيمة أو الإضافة، برأي الدكتور قوشجي في حديثه مع "العين السورية"، ليست في "البطاقة" بحد ذاتها، بل في إعادة دمج الاقتصاد السوري في منظومة المدفوعات الدولية، ما يفتح الباب أمام خدمات جديدة ويعزز الثقة بالقطاع المصرفي السوري.
أي أن ثمَّة إضافة عملية تنطوي في دخول أدوات الدفع العالمية إلى سوريا.
مرونة وشفافية
تتيح هذه الخطوة مجموعةَ فوائدَ مباشرة، برأي الدكتور قوشجي، أهمها الربط المالي الدولي الذي يمكن السوريين من الدفع خارج البلاد دون حمل نقد أجنبي. كما تعزز الشفافية عبر توثيق كل العمليات، وتفتح الباب أمام التجارة الإلكترونية، وتسهِّل تحويلات المغتربين، وتدفع المصارف لتحديث أنظمتها بما يتوافق مع المعايير العالمية.
زبائن الخدمة
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي أن ثمَّة زبائن كثر في سوريا لخدمات "فيزا" و"ماستر كارد"، لكنهم ليسوا الجمهور العام.
فالفئات الأكثر استفادة تشمل: الطلاب في الخارج، رجال الأعمال، المستوردين، العاملين عن بُعد الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار، السياح والزوار، والمنظمات الدولية.
أما المواطن العادي، فسيحتاج وقتاً ليشعر بفائدة مباشرة، لأن دخله بالليرة ولا يملك حسابات بالقطع الأجنبي.
تحديات بيئة التشغيل
نصل الآن إلى إشكالية البنية التحتية السورية: هل هي جاهزة لتوطين خدمات الشبكتين الجديدتين؟
هنا يرى الخبير قوشجي أن الجاهزية حالياً تبدو جزئية وتحتاج إلى تطوير. فالبنية الحالية قابلة للتطوير لكنها ليست مكتملة.
والتحديات تشمل: ضعف الشبكات المصرفية، نقص معايير الأمان الحديثة مثل PCI-DSS، قلة نقاط البيع (POS)، وضعف الإنترنت في بعض المناطق. ومع ذلك، يمكن الوصول إلى جاهزية مقبولة خلال 12–18 شهرًا إذا تم الاستثمار الصحيح.
مخاوف من نزيف الأموال
يُبدي العارفون بالشأن النقدي هواجسهم من مخاطر خروج العملات الأجنبية.
فبرأي الدكتور قوشجي، قد يؤدي السماح بالسحب في الاتجاهين إلى نزيف في الاحتياطي الأجنبي إذا لم تُفرض ضوابط واضحة.
فالخطر الأكبر هو أن يكون "الذاهب" من العملات الأجنبية أكبر من "الوارد"، ما يرفع الطلب على الدولار ويضغط على سعر الصرف.
لذلك يجب أن يكون النظام موجَّهاً ومُداراً وليس مفتوحًا بالكامل. ولكني أعتقد - الكلام للخبير قوشجي - أن الوارد سيكون كبيراً جداً عند توفر مناخ سياحي جيد في سوريا، وبدء تنفيذ الاستثمارات الأجنبية أيضاً.
الأمن السيبراني
يؤكد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، في تصريح لـ"العين السورية"، أن الأمن السيبراني يمثل أولوية أساسية ضمن المشروع.
ويوضح أن سوريا، نتيجة سنوات من العزلة الرقمية، كانت تواجه مستوى منخفضًا من التهديدات الإلكترونية، إلا أن العودة التدريجية إلى العالم الرقمي سترافقها بطبيعة الحال زيادة في التحديات الأمنية.
وأشار إلى أنه تم اتخاذ حزمة من الإجراءات الاحترازية، تشمل إنشاء مراكز متخصصة بأمن المعلومات داخل المصارف، إضافة إلى اعتماد "استراتيجية وطنية لأمن المعلومات" تم إعدادها بالتعاون مع مصرف سوريا المركزي.
تهيئة ودعم فني
ولفت وزير الاتصالات إلى بدء برامج تدريب للمصارف على تطبيق معايير الأمن السيبراني الحديثة، مؤكداً أن الوزارة تعمل على ضبط وتوحيد هذه المعايير على مستوى جميع المؤسسات لضمان أعلى درجات الحماية.
وفيما يتعلق بواقع الإنترنت والكهرباء، واحتمالات التأثير السلبي على خدمات "فيزا" و"ماستر كارد"، أقر الوزير هيكل بوجود تحديات في بعض المناطق، مبينًا أن البنية التحتية ما تزال في مرحلة تطور مستمر، وأن النظام الجديد تم تصميمه ليواكب هذا التطور التدريجي، وأن ما يتم إطلاقه حالياً هو مرحلة تجريبية تهدف إلى اختبار الأداء العملي، ورصد الثغرات ومعالجتها مبكراً.
وذكر وزير الاتصالات أن عملية الإطلاق ستترافق مع تحسينات مستمرة في خدمات الإنترنت والكهرباء، بما يضمن رفع مستوى الاستقرار والكفاءة التشغيلية للمنظومة على المدى القريب والبعيد.


