العين السورية - خاص
لم تنجح أكياس الطحين وسلال الغذاء ومواد التدفئة في تجميل صورة الدبابات والحواجز والتوغلات أمام سكان قرى الجنوب السوري. فبينما تتحرك قوات الإحتلال الإسرائيلي عسكرياً على الأرض، تتكرر محاولاتها للدخول إلى المجتمعات المحلية من بوابة الاحتياجات الإنسانية، في نمط يراه سكان وناشطون محاولة لاستغلال الضائقة المعيشية وتحويل المساعدة إلى أداة لفتح قنوات نفوذ وقبول محلي.
لكن في عين النورية بريف القنيطرة الشمالي، جاءت الإجابة مختصرة وحاسمة: «لو متنا من الجوع لن نأخذ مساعداتهم»، لتصطدم محاولات استمالة السكان بحقيقة يصعب تجاوزها بالنسبة إلى الرافضين: أن المساعدة حين تأتي بالتوازي مع التوغل العسكري لا تُقرأ باعتبارها عملاً إنسانياً منفصلاً عن سياقه.
وبحسب روايات محلية استطلعتها «العين السورية»، قوبلت محاولة القوات الإسرائيلية إدخال مساعداتها إلى عين النورية برفض حاسم من مختار القرية وأهاليها، الذين أعادوها ورفضوا تسلّمها، في واقعة تأتي ضمن سلسلة حوادث مشابهة شهدتها مناطق في القنيطرة وجبل الشيخ وريف درعا، حيث ترافقت التحركات الإسرائيلية مع تقديم مواد غذائية وتدفئة وخدمات طبية ومعدات لوجستية، في مناطق تعاني ظروفاً معيشية وخدمية صعبة.
من المساعدات إلى «هندسة بشرية»
يقول الناشط في شؤون المنطقة الجنوبية أمجد الحجي إن القوات الإسرائيلية داهمت قرية عين النورية عقب رفض الأهالي المساعدات المقدمة إليهم، معتبراً أن ذلك يعكس تعثر محاولات استمالة سكان القرية.
ووفق الحجي، تمتد محاولات تقديم المساعدات على طول خط فض الاشتباك في القنيطرة، ولا سيما في قرى الحميدية والحرية والرويحينة والقحطانية والرفيد، وصولاً إلى عين النورية في ريف القنيطرة الشمالي، ولم تقتصر على المواد الغذائية، بل شملت أيضاً معدات لوجستية ومواد للتدفئة.
وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة، اختار الأهالي، بحسب الحجي، رفض تلك المساعدات، إذ لا تتعلق المسألة بالنسبة إليهم بقيمتها أو بحجم حاجتهم إليها، بقدر ما ترتبط بالجهة التي تقدمها والسياق العسكري المحيط بها، في تعبير عن رفض الوجود العسكري الإسرائيلي ومحاولات توسيع نفوذه في المنطقة. صور خاصة بالعين السورية تظهر بعض أنواع المساعدات التي أعادها الأهالي إلى قوات الاحتلال الإسرائيلي من جهته، يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد أبو شريفة أن القوات الإسرائيلية تسعى إلى فتح قنوات مع المجتمعات المحلية مستفيدة من الظروف الاقتصادية الصعبة، واصفاً هذه السياسة بأنها جزء من «هندسة بشرية» يقول إن إسرائيل سبق أن استخدمتها في قطاع غزة ولبنان وتحاول تطبيقها في سوريا.
وبحسب أبو شريفة، تهدف هذه التحركات إلى بناء قنوات تواصل مع السكان المحليين ومحاولة إيجاد حاضنة اجتماعية، وهو ما يرى أنه لم يتحقق في الجنوب السوري. ويربط الباحث بين تعثر هذه المساعي وبين استمرار الاحتكاكات مع السكان وإقامة حواجز التفتيش وتوقيف شبان بصورة متكررة.
الخدمات الطبية تدخل على الخط
لم تقتصر التحركات المرتبطة بالمساعدات على المواد الغذائية. فبحسب مصادر محلية، يجري بناء مستشفى في بلدة قلعة جندل بمنطقة جبل الشيخ في ريف دمشق الغربي، وسط حديث محلي عن ارتباط المشروع بجهات إسرائيلية.
ويقول الحجي إنه جرى أيضاً استحداث مستوصف طبي في قرية الحميدية، إلى جانب مستوصف في بلدة حضر، فضلاً عن تسيير دوريات طبية جوالة لتقديم خدمات علاجية وميدانية للسكان.
ويضيف أن بعض هذه المبادرات لم تحظَ بقبول محلي، إذ قاطعها عدد من الأهالي ورفضوا التعامل معها، في ظل حساسية تجاه أي نشاط يرتبط بإسرائيل ويُقدَّم تحت عنوان إنساني أو خدمي.
ويرى أبو شريفة أن قرى جبل الشيخ تحظى بتركيز خاص ضمن هذه التحركات، معتبراً أن توظيف الخدمات الإنسانية والطبية قد يهدف، وفق تقديره، إلى بناء حضور طويل الأمد داخل المجتمعات المحلية. ويحذر من محاولات استقطاب كوادر طبية محلية للعمل ضمن المؤسسات والمشاريع المرتبطة بهذه الأنشطة.
حاجة إنسانية ورسالة سياسية
يقول الحجي إن ما يجري في الرفيد وعين النورية وقرى أخرى يكشف مفارقة واضحة: سكان يواجهون احتياجات اقتصادية وخدمية متزايدة، لكن بعضهم يضع حدوداً أمام قبول المساعدات عندما تأتي من جهة ينظر إليها باعتبارها قوة احتلال.
وبهذا المعنى، فإن رفض سلة غذائية أو مواد للتدفئة لا يمثل، وفق هذه الرواية المحلية، رفضاً للمساعدة بحد ذاتها، بقدر ما يحمل موقفاً سياسياً من الجهة المقدمة لها والوجود العسكري المرتبط بها.
وفي المقابل، يشدد أبو شريفة على أن الرفض السياسي لا يلغي الاحتياجات الإنسانية للسكان، فالحاجة إلى الغذاء والدواء والتدفئة والخدمات الأساسية تبقى قائمة، ما يضع مسألة تعزيز الدعم الحكومي والإغاثي لقرى الجنوب السوري وتأمين احتياجات سكانها في الواجهة.
وسُجلت خلال الفترة الماضية حوادث مشابهة في ريف القنيطرة. ففي قرية عين القاضي، أحرق أهالٍ مساعدات غذائية وزعتها القوات الإسرائيلية خلال توغلها في المنطقة، في حين شهدت بلدة الرفيد واقعة مماثلة بعدما وضعت دورية إسرائيلية سلالاً غذائية أمام عدد من المنازل ليلاً، قبل أن يحرقها السكان عقب انسحاب الدورية.
كما رُصد رفض للمساعدات الإسرائيلية في قرى أخرى من ريف القنيطرة خلال عام 2026، في وقت استمرت فيه التحركات والتوغلات الإسرائيلية في مناطق مختلفة من المحافظة.