سوريا - اقتصاد
المركزي السوري يطرق أبواب المال الأميركي.. ماذا وراء اجتماعات نيويورك؟
من الخزانة إلى الفيدرالي.. دمشق تفتح أبواب النظام المالي العالمي
م
مازن محمد
نشر في: ٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ٢٢:١١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - نيويورك
في تحرك مصرفي سوري لافت من قلب نيويورك، بدأ مصرف سورية المركزي سلسلة لقاءات مع مؤسسات مالية أميركية، في مسار يستهدف إعادة تأهيل القطاع المصرفي السوري واستعادة علاقاته الخارجية بعد سنوات من العزلة، مع تركيز واضح على واحدة من أعقد حلقات العودة إلى النظام المالي العالمي: إعادة بناء الثقة والعلاقات المصرفية المراسلة.
واستضافت وزارة الخزانة الأميركية وفداً من مصرف سورية المركزي برئاسة الحاكم صفوت رسلان، ضمن طاولة مستديرة مصرفية حول سورية، بمشاركة مساعد وزير الخزانة الأميركي جوناثان بيرك، ووزير المالية السوري يسر برنية، إلى جانب ممثلين عن الخزانة ومؤسسات ومصارف مالية أميركية.
ويأتي الاجتماع ضمن برنامج أوسع يجريه الوفد السوري في الولايات المتحدة، يتضمن لقاءات مع مؤسسات مالية ومصارف أميركية ودولية، إلى جانب اجتماع مرتقب مع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك، تلبية لدعوة رسمية، في خطوة تحمل دلالة خاصة باعتبارها أول زيارة لحاكم مصرف سورية المركزي إلى الفيدرالي منذ سنوات.
ماذا تريد دمشق من نيويورك؟
الهدف المعلن للتحركات السورية يتجاوز فتح قنوات تواصل مع المؤسسات الأميركية، ليصل إلى محاولة معالجة المشكلات التي تراكمت في القطاع المصرفي خلال سنوات طويلة، وتهيئته للعودة التدريجية إلى النظام المالي العالمي.
وخلال اجتماع وزارة الخزانة، أكد رسلان أن سورية تعمل على استعادة موقعها الطبيعي في النظام المالي العالمي، مشيراً إلى التركيز على تطوير أنظمة الدفع والتحويل الإلكتروني، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب تحديث الأطر القانونية والتنظيمية.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة؛ إذ إن استعادة العلاقات المصرفية الخارجية لا تتوقف على إزالة القيود السياسية أو القانونية وحدها، وإنما ترتبط أيضاً بمدى قدرة المصارف السورية على تلبية متطلبات الامتثال والشفافية وإدارة المخاطر التي تعتمدها المؤسسات المالية الدولية.
تشخيص الفجوة قبل معالجتها
ومن الملفات اللافتة التي طُرحت في الاجتماع استعراض تقرير تقييم الفجوات الذي أعدته شركة Oliver Wyman بدعم من وزارة الخزانة الأميركية وصندوق قطر للتنمية.
ويمثل تقييم الفجوات خطوة لتحديد ما يحتاجه القطاع المصرفي السوري للوصول إلى مستوى يسمح له باستعادة التعامل بصورة أوسع مع المؤسسات المالية الخارجية، سواء على مستوى التشريعات والرقابة والامتثال، أو البنية التقنية وأنظمة الدفع والتحويل.
وبذلك، لا تقتصر المسألة على إعادة فتح أبواب كانت مغلقة، وإنما تشمل أيضاً إعادة تأهيل القطاع الموجود خلف هذه الأبواب ليكون قادراً على العمل وفق المعايير المصرفية الدولية.
JPMorgan والعقدة الأصعب
وفي مسار موازٍ، بحث وفد مصرف سورية المركزي مع بنك JPMorgan تعزيز العلاقات المصرفية الدولية، وإعادة بناء العلاقات المصرفية المراسلة، وتطوير قنوات المدفوعات الدولية.
وهنا تحديداً تبرز إحدى أهم القضايا بالنسبة للاقتصاد السوري.
فالعلاقات المصرفية المراسلة، أو Correspondent Banking، هي الشبكة التي تتيح للمصارف تنفيذ التحويلات والمدفوعات عبر الحدود من خلال علاقاتها مع بنوك في دول أخرى.
وتضررت قدرة المصارف السورية على الوصول إلى هذه الشبكات خلال سنوات العقوبات والعزلة المالية، ما زاد صعوبة وكلفة العديد من التعاملات المرتبطة بالتجارة والتحويلات الخارجية.
لذلك، فإن الانتقال من المباحثات الحالية إلى إعادة علاقات فعلية بين المصارف السورية والبنوك المراسلة سيكون أحد أهم المؤشرات العملية على نجاح مسار العودة إلى النظام المالي العالمي.
الفيدرالي.. محطة تتجاوز رمزيتها
وفي موازاة لقاءات الخزانة والمصارف، يستعد الوفد السوري لعقد اجتماع مع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك تلبية لدعوة رسمية، ضمن البرنامج نفسه.
وتنبع أهمية اللقاء من طبيعة المؤسسة التي سيجتمع معها الوفد، ومن كونه يفتح قناة مباشرة لمناقشة ملفات مصرفية ونقدية تتصل بالعلاقات المالية الدولية، وسبل تعزيز التواصل والتنسيق مع المؤسسات المالية الأميركية.
كما يأتي الاجتماع بعد سنوات شهدت انكماشاً كبيراً في علاقات القطاع المصرفي السوري مع المؤسسات المالية الغربية، الأمر الذي يمنح عودة التواصل المباشر دلالة تتجاوز الشكل البروتوكولي.
لكن الاجتماع، مهما بلغت أهميته، لا يعني وحده أن المصارف السورية أصبحت مرتبطة بالنظام المالي الأميركي أو أن التحويلات الدولية ستعود فوراً إلى طبيعتها؛ إذ يتطلب ذلك خطوات قانونية وتنظيمية وفنية وقرارات من المؤسسات المصرفية نفسها.
ماذا يمكن أن يتغير بالنسبة للسوريين؟
بالنسبة للمواطن السوري، فإن الحديث عن المصارف المراسلة وأنظمة الامتثال قد يبدو تقنياً، لكن النتائج المحتملة لهذا المسار ترتبط بملفات يومية شديدة الوضوح.
فنجاح إعادة بناء العلاقات المصرفية الخارجية يمكن أن يفتح المجال أمام قنوات أكثر انتظاماً للتحويلات المالية، ويساعد التجار والشركات على تنفيذ المدفوعات المتعلقة بالاستيراد والتصدير، ويخفف الاعتماد على المسارات غير المباشرة، إضافة إلى توفير بيئة مالية أكثر قدرة على التعامل مع المستثمرين ورؤوس الأموال الخارجية.
كما يمكن أن ينعكس تطوير أنظمة الدفع والتحويل الإلكتروني على الخدمات التي تقدمها المصارف السورية نفسها، إذا ترافق الانفتاح الخارجي مع تحديث حقيقي للبنية المصرفية المحلية.
لكن بين الاجتماعات في نيويورك ووصول هذه النتائج إلى حسابات المواطنين والشركات، توجد مرحلة طويلة من العمل الفني والتشريعي وبناء الثقة.
الاختبار الحقيقي بعد الاجتماعات
تكتسب لقاءات نيويورك أهميتها من أنها تجمع عدة حلقات في وقت واحد: وزارة الخزانة الأميركية، والاحتياطي الفيدرالي، ومؤسسات ومصارف مالية أميركية، في مقابل وفد رسمي سوري يضع إعادة الارتباط المالي الدولي في مقدمة جدول أعماله.
إلا أن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الاجتماعات أو مستوى المشاركين فيها، وإنما في النتائج التي ستليها.
هل يستطيع القطاع المصرفي السوري معالجة الفجوات التي يجري تقييمها حالياً؟ وهل تستعيد المصارف السورية علاقاتها المراسلة؟ وهل تصبح التحويلات والمدفوعات الخارجية أكثر سهولة وأقل كلفة؟ وهل تنعكس عودة التواصل السياسي والمالي على حركة التجارة والاستثمار؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد المسافة بين فتح قنوات الاتصال واستعادة الاندماج المالي فعلياً.
وإذا كانت اجتماعات نيويورك تفتح نافذة جديدة أمام المصارف السورية، فإن المهمة الأصعب تبدأ من الداخل: تحديث القطاع، ورفع قدرته على الامتثال، واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية.
في تحرك مصرفي سوري لافت من قلب نيويورك، بدأ مصرف سورية المركزي سلسلة لقاءات مع مؤسسات مالية أميركية، في مسار يستهدف إعادة تأهيل القطاع المصرفي السوري واستعادة علاقاته الخارجية بعد سنوات من العزلة، مع تركيز واضح على واحدة من أعقد حلقات العودة إلى النظام المالي العالمي: إعادة بناء الثقة والعلاقات المصرفية المراسلة.
واستضافت وزارة الخزانة الأميركية وفداً من مصرف سورية المركزي برئاسة الحاكم صفوت رسلان، ضمن طاولة مستديرة مصرفية حول سورية، بمشاركة مساعد وزير الخزانة الأميركي جوناثان بيرك، ووزير المالية السوري يسر برنية، إلى جانب ممثلين عن الخزانة ومؤسسات ومصارف مالية أميركية.
ويأتي الاجتماع ضمن برنامج أوسع يجريه الوفد السوري في الولايات المتحدة، يتضمن لقاءات مع مؤسسات مالية ومصارف أميركية ودولية، إلى جانب اجتماع مرتقب مع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك، تلبية لدعوة رسمية، في خطوة تحمل دلالة خاصة باعتبارها أول زيارة لحاكم مصرف سورية المركزي إلى الفيدرالي منذ سنوات.
ماذا تريد دمشق من نيويورك؟
الهدف المعلن للتحركات السورية يتجاوز فتح قنوات تواصل مع المؤسسات الأميركية، ليصل إلى محاولة معالجة المشكلات التي تراكمت في القطاع المصرفي خلال سنوات طويلة، وتهيئته للعودة التدريجية إلى النظام المالي العالمي.
وخلال اجتماع وزارة الخزانة، أكد رسلان أن سورية تعمل على استعادة موقعها الطبيعي في النظام المالي العالمي، مشيراً إلى التركيز على تطوير أنظمة الدفع والتحويل الإلكتروني، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب تحديث الأطر القانونية والتنظيمية.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة؛ إذ إن استعادة العلاقات المصرفية الخارجية لا تتوقف على إزالة القيود السياسية أو القانونية وحدها، وإنما ترتبط أيضاً بمدى قدرة المصارف السورية على تلبية متطلبات الامتثال والشفافية وإدارة المخاطر التي تعتمدها المؤسسات المالية الدولية.
تشخيص الفجوة قبل معالجتها
ومن الملفات اللافتة التي طُرحت في الاجتماع استعراض تقرير تقييم الفجوات الذي أعدته شركة Oliver Wyman بدعم من وزارة الخزانة الأميركية وصندوق قطر للتنمية.
ويمثل تقييم الفجوات خطوة لتحديد ما يحتاجه القطاع المصرفي السوري للوصول إلى مستوى يسمح له باستعادة التعامل بصورة أوسع مع المؤسسات المالية الخارجية، سواء على مستوى التشريعات والرقابة والامتثال، أو البنية التقنية وأنظمة الدفع والتحويل.
وبذلك، لا تقتصر المسألة على إعادة فتح أبواب كانت مغلقة، وإنما تشمل أيضاً إعادة تأهيل القطاع الموجود خلف هذه الأبواب ليكون قادراً على العمل وفق المعايير المصرفية الدولية.
JPMorgan والعقدة الأصعب
وفي مسار موازٍ، بحث وفد مصرف سورية المركزي مع بنك JPMorgan تعزيز العلاقات المصرفية الدولية، وإعادة بناء العلاقات المصرفية المراسلة، وتطوير قنوات المدفوعات الدولية.
وهنا تحديداً تبرز إحدى أهم القضايا بالنسبة للاقتصاد السوري.
فالعلاقات المصرفية المراسلة، أو Correspondent Banking، هي الشبكة التي تتيح للمصارف تنفيذ التحويلات والمدفوعات عبر الحدود من خلال علاقاتها مع بنوك في دول أخرى.
وتضررت قدرة المصارف السورية على الوصول إلى هذه الشبكات خلال سنوات العقوبات والعزلة المالية، ما زاد صعوبة وكلفة العديد من التعاملات المرتبطة بالتجارة والتحويلات الخارجية.
لذلك، فإن الانتقال من المباحثات الحالية إلى إعادة علاقات فعلية بين المصارف السورية والبنوك المراسلة سيكون أحد أهم المؤشرات العملية على نجاح مسار العودة إلى النظام المالي العالمي.
الفيدرالي.. محطة تتجاوز رمزيتها
وفي موازاة لقاءات الخزانة والمصارف، يستعد الوفد السوري لعقد اجتماع مع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك تلبية لدعوة رسمية، ضمن البرنامج نفسه.
وتنبع أهمية اللقاء من طبيعة المؤسسة التي سيجتمع معها الوفد، ومن كونه يفتح قناة مباشرة لمناقشة ملفات مصرفية ونقدية تتصل بالعلاقات المالية الدولية، وسبل تعزيز التواصل والتنسيق مع المؤسسات المالية الأميركية.
كما يأتي الاجتماع بعد سنوات شهدت انكماشاً كبيراً في علاقات القطاع المصرفي السوري مع المؤسسات المالية الغربية، الأمر الذي يمنح عودة التواصل المباشر دلالة تتجاوز الشكل البروتوكولي.
لكن الاجتماع، مهما بلغت أهميته، لا يعني وحده أن المصارف السورية أصبحت مرتبطة بالنظام المالي الأميركي أو أن التحويلات الدولية ستعود فوراً إلى طبيعتها؛ إذ يتطلب ذلك خطوات قانونية وتنظيمية وفنية وقرارات من المؤسسات المصرفية نفسها.
ماذا يمكن أن يتغير بالنسبة للسوريين؟
بالنسبة للمواطن السوري، فإن الحديث عن المصارف المراسلة وأنظمة الامتثال قد يبدو تقنياً، لكن النتائج المحتملة لهذا المسار ترتبط بملفات يومية شديدة الوضوح.
فنجاح إعادة بناء العلاقات المصرفية الخارجية يمكن أن يفتح المجال أمام قنوات أكثر انتظاماً للتحويلات المالية، ويساعد التجار والشركات على تنفيذ المدفوعات المتعلقة بالاستيراد والتصدير، ويخفف الاعتماد على المسارات غير المباشرة، إضافة إلى توفير بيئة مالية أكثر قدرة على التعامل مع المستثمرين ورؤوس الأموال الخارجية.
كما يمكن أن ينعكس تطوير أنظمة الدفع والتحويل الإلكتروني على الخدمات التي تقدمها المصارف السورية نفسها، إذا ترافق الانفتاح الخارجي مع تحديث حقيقي للبنية المصرفية المحلية.
لكن بين الاجتماعات في نيويورك ووصول هذه النتائج إلى حسابات المواطنين والشركات، توجد مرحلة طويلة من العمل الفني والتشريعي وبناء الثقة.
الاختبار الحقيقي بعد الاجتماعات
تكتسب لقاءات نيويورك أهميتها من أنها تجمع عدة حلقات في وقت واحد: وزارة الخزانة الأميركية، والاحتياطي الفيدرالي، ومؤسسات ومصارف مالية أميركية، في مقابل وفد رسمي سوري يضع إعادة الارتباط المالي الدولي في مقدمة جدول أعماله.
إلا أن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الاجتماعات أو مستوى المشاركين فيها، وإنما في النتائج التي ستليها.
هل يستطيع القطاع المصرفي السوري معالجة الفجوات التي يجري تقييمها حالياً؟ وهل تستعيد المصارف السورية علاقاتها المراسلة؟ وهل تصبح التحويلات والمدفوعات الخارجية أكثر سهولة وأقل كلفة؟ وهل تنعكس عودة التواصل السياسي والمالي على حركة التجارة والاستثمار؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد المسافة بين فتح قنوات الاتصال واستعادة الاندماج المالي فعلياً.
وإذا كانت اجتماعات نيويورك تفتح نافذة جديدة أمام المصارف السورية، فإن المهمة الأصعب تبدأ من الداخل: تحديث القطاع، ورفع قدرته على الامتثال، واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية.


