سوريا - اقتصاد
مطالبات بإغلاق أوسع أبواب " الفساد المقونن" في سوريا .. تركة ثقيلة بانتظار التصفية
ن
نورا حربا
نشر في: ٣ أغسطس ٢٠٢٦، ١٢:٣٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا يزال قانون العقود رقم /51/ لعام 2004 ، قائماً ونافذاً على الرغم من الانتقادات الكبيرة والكثيرة التي ترصد ثغراته والأبواب التي أشرعها لممارسات الفساد.. بما ا أنه الناظم لعقود الجهات العامة في سوريا.
ويرى الدكتور وائل المصري، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة اللاذقية، أن تعديل قانون العقود أصبح ضرورة ملحّة، لأنه يُعَرقِل تنفيذ الموازنات الاستثمارية، وخاصة المواد المتعلقة بطرق وأساليب تأمين متطلبات واحتياجات القطاع العام. ويبيّن أن شأن هذا القانون شأن أي نص تشريعي آخر، لا يخلو من الثغرات، وهو ليس نصاً مقدساً، بل يمكن تعديله إذا اقتضت الحاجة ذلك.
فقدان لروح القانون
ويوضح الدكتور المصري في حديثه لـ " العين السورية"، أن إحدى نقاط الضعف في القانون، هي أننا لا نستخدم سوى جزء من الطرق المتاحة فيه، مما يغيّب الكثير من مضمونه. فالقانون يتحدث عن الكفاءات، لكن الحوافز تغيب عنه، وهذا ما أبعد القانون عن روحه الأصلية. ولو سألنا أنفسنا أين نحن من هذا مقارنةً بالدول العربية والتطورات العالمية ومعايير المحاسبة والقوانين الدولية، لكانت الإجابة أن القانون 51 غير مناسب، وأنه بعيد كل البعد عن تلك القوانين.
مرنة ولكن!
ويبيّن الدكتور المصري، أن المعايير المحلية للقانون تتلاءم مع المعايير الدولية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (FIDIC)، الذي وضع مجموعة من الشروط والأحكام والقواعد الناظمة لعمل المتعهد وعلاقته بالجهات العامة. وهذه القواعد هي ذاتها دفتر الشروط، وهي مرنة، لكنها في هذا القانون أصبحت مقيدة وصارمة، مما ينفّر الجهات ذات العلاقة من التعاقد مع القطاع العام.
مشكلات في التنفيذ
يشير الموظف في الشؤون القانونية في المؤسسة السورية للتجارة، فراس خضر علي، في حديثه لـ"العين السورية"، إلى أن القانون يعاني من بعض القصور في العديد من مواده، وأبرزها المادة 63، التي تشكّل الإشكالية الأهم في التعاقد مع القطاع العام، بل وهي السبب الرئيسي في كثرة الدعاوى المرفوعة أمام مجلس الدولة، والتي تتعلق بموضوع الأسعار خلال فترة التعاقد. وينصّ نص المادة على أنه في حال حدوث زيادة في الأسعار خلال الفترة العقدية، يحق للمتعهد تحمّل ما نسبته 15% من قيمة العقد من جانبه، بينما تتحمّل الجهات العامة النسبة المتبقية. لكن الإشكاليات تكمن في تفسير هذه المادة، حيث تفسّرها كل جهة كما يحلو لها، ووزارة المالية هي المرجع، وعندما تمت مراسلتها (كجهة مشرّعة) للاستفسار، لم تقدم أي توضيح، ولا توجد آلية واضحة في القانون للتعامل مع متغيرات سعر الصرف.
تفاقم زيادة الأسعار
ويؤكد المتعهد سمير سكر، لـ"العين السورية"، أن موضوع زيادة الأسعار تفاقم خلال السنوات العشر الأخيرة، مما أدى إلى زيادة الإشكاليات بين المتعهدين وجهات القطاع العام. ونتيجةً لذلك، يتم اللجوء إلى مجلس الدولة لحل هذه الإشكاليات وإجراء التحكيم بين الأطراف، مما أدى إلى زيادة عدد الدعاوى وتباطؤ في التنفيذ. والدليل على ذلك أننا نجد في جميع المحافظات السورية أبنية كثيرة متوقفة على الهيكل، والسبب هو العثرات الموجودة في قانون العقود، الذي لم يمنح الصلاحيات اللازمة لحل هذه الإشكالات بسرعة وسهولة، وبالتالي يلجأ الجميع إلى القضاء، الذي بدوره يتأخر في البتّ نتيجة كثرة الدعاوى. والأهم، بحسب سكر، هو عدم وجود آلية واضحة للتعامل مع تغيرات سعر الصرف، مما أدى إلى نشوب منازعات وخلافات عديدة.
وأضاف: "الإشكالية الأخرى موجودة في المادة 49 من القانون، والتي تتعلق بالسلع والدفعة المقدمة، حيث يلزم القانون بعدم المطالبة بأي فروقات عند أخذ سلفة من الجهات العامة، علماً أن سعر الصرف يزداد". ولحل هذه الإشكالية، أشار إلى أن أحد الحلول المقترحة كان فرض فائدة على السلفة، لكن الجهات المعنية رفضت ذلك، وجاء الرد بعدم الموافقة عليه أيضاً.
خلل كبير
بدوره، يرى وسيم بطرني، وهو متعهد، في حديثه لـ"العين السورية"، أن إلزام القانون بعدم المطالبة بأي فروقات بالأسعار اللاحقة لتنفيذ العقد يُعتبر خللاً كبيراً، خاصة أن السلفة تُمنح كمساعدة للمتعهد، وعدم منحه فروقات سعر الصرف يدفعه إلى الإحجام عن استكمال عقده وتنفيذه، لا سيما مع الزيادة الكبيرة في سعر الصرف خلال الفترة الأخيرة.
ضعف في التنفيذ
يقول علي: "كنا نلاحظ أثناء عملنا في إعداد قطع الحسابات الخاصة بالميزانية الختامية أن هناك ضعفاً كبيراً في تنفيذ بنود الموازنة، لاسيما بند الاستبدال والتجديد. وعند الاستفسار، كانت الإجابة بأن المتعهد استنكف أو نكل، (وهو مصطلح نسمع عنه كثيراً) عن التنفيذ، وهكذا وصلنا إلى ما نحن فيه". الأمر الذي يؤكد ضرورة تعديل القانون ووضع معايير وضوابط عند أخذ الفائدة عليها.
ويشير علي إلى أنه بالاطلاع على قوانين الدول المجاورة، وجد أن قانون العقود المصري يلجأ، في حال أي تغيير في الأسعار، إلى الجهة العامة التي تقوم بمراجعة تلك الأسعار كل ثلاثة أشهر، ويحق لها تعديل السعر بعد مرور 6 أشهر على التعاقد، خاصة أن عقود الإشغال والمقاولات تستمر لأكثر من عام حكماً.
يبدو أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في القانون 51 لعام 2004 وتعديل تعليماته التنفيذية، خاصة وأن الواقع يشير إلى وجود إشكالات كثيرة عند التطبيق، ما زالت تتسبب في عدد كبير من القضايا العالقة بين المتعهدين والجهات العامة في الدولة، ناهيك عن توقف عدد كبير من المشاريع، مما يشكّل ضغطاً كبيراً على هذه الجهات وإدارة قضايا الدولة.


