سوريا - اقتصاد
"معك مبلغ لآخر الشهر؟".. السؤال الذي يطارد السوري كل شهر
بين راتب لا يكفي وكلفة معيشة تتجاوز القدرة الشرائية.. كيف تحوّل آخر الشهر إلى اختبار يومي للأسرة السورية؟
ا
العين السورية
نشر في: ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٣٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

«معك مبلغ لآخر الشهر؟»
هو أكثر من مجرد سؤال، فهو في الحقيقة طلب استدانة يعرفه معظم السوريين الذين لا يكفيهم راتبهم حتى نهاية الشهر؛ طلب يُقال بهدوء وبكثير من الخجل لسد ما تبقى من أيام، أو لشراء ما نفد من المطبخ، أو لدفع أجرة الطريق، أو لمواجهة دواء طارئ أو طلب صغير لطفل.
تكشف مؤشرات كلفة المعيشة عن اتساع الفجوة بين ما يدخل إلى الأسرة وما تحتاجه فعلياً. فأسرة من خمسة أفراد تحتاج اليوم إلى نحو 7 ملايين ليرة سورية قديمة شهرياً لتأمين احتياجاتها الأساسية، بينما يقترب الدخل اللازم لحياة أكثر استقراراً من 12 مليون ليرة.
في المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع العام 1.256 مليون ليرة، أما خط الفقر المدقع لأسرة من خمسة أفراد في عام 2026 فيبلغ نحو 3.5 ملايين ليرة، بينما يتجاوز خط الفقر الأعلى 7 ملايين ليرة.
وهذه الأرقام تعني أن السوريين لا يعيشون بدخل واحد. فهناك تفاوت واضح بين الموظف الحكومي والعامل في القطاع الخاص وموظفي القطاع المدني وأصحاب المهن الحرة والعاملين بأجر يومي، وبالتالي تختلف قدرة كل أسرة على الوصول إلى نهاية الشهر.
المشكلة لم تعد في حجم الدخل وحده، بل في المسافة التي تفصل بين ما يدخل إلى البيت وما تحتاجه الحياة فعلياً. وهذه المسافة تتحول داخل المنزل إلى قرارات يومية مرهقة: ماذا نشتري؟ ماذا نؤجل؟ وماذا نستطيع الاستغناء عنه حتى يصل الراتب المقبل؟
لكن الأرقام، لا تستطيع وحدها أن تروي ما يعنيه أن تعيش أسرة داخل هذه الفجوة. ولفهم ذلك، لا بد أن تدخل إلى البيت.
داخل البيت تبدأ الحكاية...أب يخفي دموعه حتى لا يراه أبناؤه
هناك يبدأ الشهر بحسابات يعرف الأب مسبقاً أنها لن تنجح حتى نهايته. يقبض الراتب، فتبدأ الأرقام بالاختفاء واحداً تلو الآخر: طعام، كهرباء، نقل، حاجات مدرسية، دواء إن وُجد، وغيرها.
يحاول أن يجعل المبلغ يبدو أكبر مما هو عليه، يقول في داخله إن هذا الشهر قد يكون مختلفاً. لكن الأطفال لا يعرفون الحسابات. يعرفون فقط أنهم يريدون شيئاً.
تكشف مؤشرات كلفة المعيشة عن اتساع الفجوة بين ما يدخل إلى الأسرة وما تحتاجه فعلياً. فأسرة من خمسة أفراد تحتاج اليوم إلى نحو 7 ملايين ليرة سورية قديمة شهرياً لتأمين احتياجاتها الأساسية، بينما يقترب الدخل اللازم لحياة أكثر استقراراً من 12 مليون ليرة.
في المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع العام 1.256 مليون ليرة، أما خط الفقر المدقع لأسرة من خمسة أفراد في عام 2026 فيبلغ نحو 3.5 ملايين ليرة، بينما يتجاوز خط الفقر الأعلى 7 ملايين ليرة.
وهذه الأرقام تعني أن السوريين لا يعيشون بدخل واحد. فهناك تفاوت واضح بين الموظف الحكومي والعامل في القطاع الخاص وموظفي القطاع المدني وأصحاب المهن الحرة والعاملين بأجر يومي، وبالتالي تختلف قدرة كل أسرة على الوصول إلى نهاية الشهر.
المشكلة لم تعد في حجم الدخل وحده، بل في المسافة التي تفصل بين ما يدخل إلى البيت وما تحتاجه الحياة فعلياً. وهذه المسافة تتحول داخل المنزل إلى قرارات يومية مرهقة: ماذا نشتري؟ ماذا نؤجل؟ وماذا نستطيع الاستغناء عنه حتى يصل الراتب المقبل؟
لكن الأرقام، لا تستطيع وحدها أن تروي ما يعنيه أن تعيش أسرة داخل هذه الفجوة. ولفهم ذلك، لا بد أن تدخل إلى البيت.
داخل البيت تبدأ الحكاية...أب يخفي دموعه حتى لا يراه أبناؤه
هناك يبدأ الشهر بحسابات يعرف الأب مسبقاً أنها لن تنجح حتى نهايته. يقبض الراتب، فتبدأ الأرقام بالاختفاء واحداً تلو الآخر: طعام، كهرباء، نقل، حاجات مدرسية، دواء إن وُجد، وغيرها.
يحاول أن يجعل المبلغ يبدو أكبر مما هو عليه، يقول في داخله إن هذا الشهر قد يكون مختلفاً. لكن الأطفال لا يعرفون الحسابات. يعرفون فقط أنهم يريدون شيئاً.
قد يعود الطفل من المدرسة وهو يتحدث عن وجبة أكلها أحد زملائه، أو يطلب الدجاج الذي لم يعد يدخل البيت إلا نادراً، أو يرى شيئاً في متجر ويطلبه لأنه لا يدرك أن سعره أكبر من قدرة والده.
في تلك اللحظة لا يجد الأب ما يقوله. يؤجل الإجابة، يطلب الانتظار، يعد بأن الأمر سيكون ممكناً لاحقاً. ثم يذهب إلى مكان بعيد عن أعينهم. ليس لأنه لا يريد أن يشتري لأطفاله، بل لأنه يريد ذلك بشدة ولا يستطيع. يجلس وحيداً لدقائق، يحاول أن يخفي دموعه، ثم يعود إلى الغرفة وكأن شيئاً لم يحدث.
الأب هنا لا يحسب المال فقط، إنه يحاول أن يحافظ على صورة الأب القادر أمام أبنائه، بينما يعرف في داخله أن قدرته على تلبية أبسط طلباتهم أصبحت محدودة.
أم تعيد ترتيب الطعام بعين مختلفة
في الجهة الأخرى من البيت تعيش الأم القصة نفسها، لكن من أمام الثلاجة. تفتحها وتعرف تقريباً ماذا يوجد فيها، وتبدأ التفكير في الغد: ما الذي يمكن طبخه؟ ماذا يكفي ليومين؟ وهل يمكن شراء الدجاج هذا الأسبوع أم أن هناك حاجة أخرى أكثر إلحاحاً؟
أم تعيد ترتيب الطعام بعين مختلفة
في الجهة الأخرى من البيت تعيش الأم القصة نفسها، لكن من أمام الثلاجة. تفتحها وتعرف تقريباً ماذا يوجد فيها، وتبدأ التفكير في الغد: ما الذي يمكن طبخه؟ ماذا يكفي ليومين؟ وهل يمكن شراء الدجاج هذا الأسبوع أم أن هناك حاجة أخرى أكثر إلحاحاً؟
لم تعد قائمة الطعام تُبنى على ما تحبه الأسرة، بل على ما تسمح به الميزانية. حين يسألها طفلها عن وجبة معينة، تقول له إننا سنطبخها لاحقاً. وتصبح «لاحقاً» كلمة متكررة في البيت: لاحقاً سنشتري الملابس، لاحقاً نذهب إلى الطبيب.
ومع مرور الوقت تتعود الأم على حذف أشياء كثيرة من قائمة الأسرة دون أن تخبر أحداً. تتنازل عن شيء كانت تريده لنفسها، وتختار الأرخص، وتقسم الطعام، وتحاول أن تجعل القليل يبدو أكثر. ليس لأنها لا تعرف ما تحتاجه الأسرة، بل لأنها تعرفه جيداً، وتعرف في الوقت نفسه أن المال لا يكفيه.
عامل ينتظر من يشتري يومه
قبل أن تستيقظ كثير من البيوت يكون عامل الأجرة اليومية قد خرج. لا يحمل معه راتباً ينتظره في نهاية الشهر، ولا يعرف مسبقاً كم سيعود به إلى المنزل. يذهب إلى مكان يتجمع فيه العمال ويقف بينهم ينتظر.
عامل ينتظر من يشتري يومه
قبل أن تستيقظ كثير من البيوت يكون عامل الأجرة اليومية قد خرج. لا يحمل معه راتباً ينتظره في نهاية الشهر، ولا يعرف مسبقاً كم سيعود به إلى المنزل. يذهب إلى مكان يتجمع فيه العمال ويقف بينهم ينتظر.
قد يأتي شخص يحتاج إلى عمال ليوم واحد، أو تمر شاحنة تبحث عن أيدٍ عاملة. وحين يأتي أحدهم يبدأ التنافس الصامت: من سيتم اختياره؟ ومن سيعود إلى منزله خالي اليدين؟ وفي بعض الأيام لا يأتي أحد.
تمر ساعات الصباح ثم الظهر، ويبدأ العمال بالمغادرة. ذلك الرجل يعرف أن هناك أطفالاً ينتظرونه في البيت، وأن زوجته قد تكون بدأت منذ الصباح تفكر بما ستطبخه، لكنه لا يملك شيئاً يرسله إليهم. يعود في نهاية النهار، وقد يسأله أحد أطفاله: «اشتغلت اليوم؟». السؤال الذي يبدو بسيطاً يمكن أن يكون أثقل من أن يحتمله. أحياناً يقول «لا»، وأحياناً يحاول ألا يشرح.
ولعل أكثر ما يؤلم أن بعض هؤلاء العمال لم يعودوا في سن الشباب. أجسادهم أنهكها العمل، لكنهم لا يملكون رفاهية التوقف. يخرج الرجل الكبير في السن من منزله كل صباح لأنه يعرف أن أحداً لن يأتي ليضع الطعام على مائدة أسرته بدلاً منه.
العمر يقول له إن الوقت حان للراحة، والحاجة تقول له إن عليه أن يخرج للعمل. فيعود في اليوم الذي لم يجد فيه عملاً أكثر انكساراً مما خرج، ثم ينام ويستيقظ ويعيد المحاولة.
يمشي كي يحتفظ بثمن الطريق
وفي بيت آخر يذهب شخص إلى عمله سيراً على الأقدام. المسافة طويلة، لكن الأمر بالنسبة إليه ليس تمريناً رياضياً. إنه توفير.
يمشي كي يحتفظ بثمن الطريق
وفي بيت آخر يذهب شخص إلى عمله سيراً على الأقدام. المسافة طويلة، لكن الأمر بالنسبة إليه ليس تمريناً رياضياً. إنه توفير.
أجرة الطريق التي يمكن توفيرها اليوم قد تصبح ثمناً لرغيف الخبز غداً، أو جزءاً من ثمن حاجة لطفله. وهكذا يصبح المشي جزءاً من ميزانية الأسرة. يمشي لأنه يستطيع، ويتحمل التعب لأنه يعرف أن هناك أشياء أخرى لا يستطيع التخلي عنها.
في حياة أصحاب الدخل المحدود قد لا يكون التوفير قراراً كبيراً، أحياناً يكون مجرد خطوات إضافية على طريق العمل.
في آخر الشهر لا يبقى سوى الحساب
عندما يصل الشهر إلى أيامه الأخيرة يصبح المال القليل أكثر وضوحاً. تفتح الأسرة المحفظة، تحسب ما بقي، تتذكر الفواتير التي لم تدفع، وتبدأ مرة أخرى عملية الحساب: كم نحتاج للطعام؟ كم بقي للنقل؟ هل يكفي ما لدينا حتى موعد الراتب؟ ماذا لو حدث شيء؟ هذا هو الجانب الذي لا يظهر عندما نقارن فقط بين الراتب وتكلفة المعيشة. الفجوة المالية تتحول داخل البيت إلى قلق، والقلق يتحول إلى تنازلات، والتنازلات تتحول بمرور الوقت إلى نمط حياة.
في آخر الشهر لا يبقى سوى الحساب
عندما يصل الشهر إلى أيامه الأخيرة يصبح المال القليل أكثر وضوحاً. تفتح الأسرة المحفظة، تحسب ما بقي، تتذكر الفواتير التي لم تدفع، وتبدأ مرة أخرى عملية الحساب: كم نحتاج للطعام؟ كم بقي للنقل؟ هل يكفي ما لدينا حتى موعد الراتب؟ ماذا لو حدث شيء؟ هذا هو الجانب الذي لا يظهر عندما نقارن فقط بين الراتب وتكلفة المعيشة. الفجوة المالية تتحول داخل البيت إلى قلق، والقلق يتحول إلى تنازلات، والتنازلات تتحول بمرور الوقت إلى نمط حياة.
فالأسرة التي كانت تسأل «ماذا نريد؟» تبدأ بالسؤال «ماذا نستطيع؟». والطفل الذي كان يطلب ما يراه يبدأ بتعلم ألا يطلب. والأب الذي كان يريد أن يوفر لأطفاله حياة أفضل يجد نفسه سعيداً فقط إذا استطاع أن يمرر الشهر من دون أزمة.
لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي الذي يطرحه السوري على نفسه كل نهاية شهر هو «كم راتبي؟». الراتب معروف، والدخل معروف. لكن المجهول هو: كم سيكفي؟ وبين الرقمين توجد حياة كاملة: أب يخفي دموعه، أم تعيد ترتيب الطعام، عامل ينتظر من يشتري يومه، رجل كبير يخرج رغم التعب، وشخص يمشي كي يحتفظ بثمن الطريق لأسرته.
هذه ليست مجرد أرقام وحسابات دخل وإنفاق. إنها قصة شهر كامل تعيشه معظم الأسر السورية يوماً بعد يوم، وهي تحاول أن تجعل القليل يكفي للكثير.
وفي كل مرة يقترب فيها آخر الشهر، يعود السؤال نفسه مجدداً: "معك مبلغ لآخر الشهر؟".
لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي الذي يطرحه السوري على نفسه كل نهاية شهر هو «كم راتبي؟». الراتب معروف، والدخل معروف. لكن المجهول هو: كم سيكفي؟ وبين الرقمين توجد حياة كاملة: أب يخفي دموعه، أم تعيد ترتيب الطعام، عامل ينتظر من يشتري يومه، رجل كبير يخرج رغم التعب، وشخص يمشي كي يحتفظ بثمن الطريق لأسرته.
هذه ليست مجرد أرقام وحسابات دخل وإنفاق. إنها قصة شهر كامل تعيشه معظم الأسر السورية يوماً بعد يوم، وهي تحاول أن تجعل القليل يكفي للكثير.
وفي كل مرة يقترب فيها آخر الشهر، يعود السؤال نفسه مجدداً: "معك مبلغ لآخر الشهر؟".


