سوريا - سياسة
ملفات ثقيلة على طاولة العدالة السورية في فيينا..ماذا تخطط هيئة العدالة الانتقالية؟
ا
العين السورية
نشر في: ٣ يونيو ٢٠٢٦، ٠٦:٣٧
3 دقيقة
3

بينما لا تزال آلاف العائلات السورية تبحث عن إجابات تتعلق بمصير أبنائها وحقوقها والانتهاكات التي تعرضت لها خلال سنوات الحرب، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل داخل مؤسسات الدولة السورية، عنوانها الانتقال من توثيق المأساة إلى بناء مسار قانوني ومؤسساتي للعدالة.
وفي وقت تعمل فيه الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على إعداد مشروع قانون يصنف الانتهاكات المرتكبة في سوريا ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويؤسس لمسارات المحاسبة وجبر الضرر وإشراك الضحايا في صناعة العدالة، حمل مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في العاصمة النمساوية فيينا أول حضور سوري من هذا النوع لعرض ملامح هذه الرؤية أمام المجتمع الدولي.
وخلال مشاركتها في أعمال المؤتمر المنعقد بين الأول والخامس من حزيران الجاري، أجرت "العين السورية" حواراً خاصاً مع السيدة ياسمين المشعان، عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومديرة إدارة جبر الضرر، للوقوف على أبرز الملفات التي تعمل عليها الهيئة، والتحديات التي تواجهها، وما الذي يمكن أن يقدمه المجتمع الدولي لدعم مسار العدالة في سوريا.
من أين تبدأ الأولويات؟
تؤكد المشعان أن الأولوية الحالية للهيئة تتركز على بناء الأساس القانوني والمؤسساتي لمسار العدالة الانتقالية داخل سوريا، مشيرة إلى أن العمل يجري على تطوير مشروع قانون متكامل للعدالة الانتقالية يضع إطاراً واضحاً للتعامل مع الجرائم والانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال السنوات الماضية.
وتوضح أن المشروع يتضمن تصنيف عدد من الانتهاكات ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بالتوازي مع دعم ملفات التقاضي وتعزيز مشاركة الضحايا في مختلف مراحل العمل، بما يضمن أن يكون المتضررون جزءاً من صناعة العدالة لا مجرد متلقين لنتائجها.
كما تشمل الأولويات الحالية إطلاق برامج جبر ضرر شاملة، وتطوير آليات إصلاح المؤسسات، ولا سيما في قطاعي العدالة والأمن، إضافة إلى تعزيز التنسيق مع المسارات القضائية الدولية القائمة.
*الضحايا في قلب المسار السوري*
وحول الرسائل التي حملتها الهيئة إلى مؤتمر فيينا، تقول المشعان: إن الوفد السوري حرص على التأكيد أن العدالة الانتقالية ليست عملية مرتبطة بالماضي فقط، وإنما ضرورة لبناء مستقبل أكثر استقراراً ومنع تكرار الانتهاكات.
وأضافت أن الرسالة الأهم تمثلت في وضع الضحايا في مركز جميع المسارات، سواء في كشف الحقيقة أو المحاسبة أو جبر الضرر أو المصالحة المجتمعية.
وبحسب المشعان، عرضت الهيئة أمام المشاركين رؤيتها القائمة على مجموعة مسارات متكاملة تشمل الحقيقة والمساءلة والذاكرة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار والمصالحة، مؤكدة أن هذه الملفات لا يمكن التعامل معها بشكل منفصل إذا أريد تحقيق عدالة مستدامة.
*لا مصالحة بلا مساءلة*
وفي واحدة من أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام السوري، شددت المشعان على أن الهيئة لا تنظر إلى المساءلة والمصالحة باعتبارهما مسارين متناقضين.
وقالت إن المساءلة تستهدف معالجة الانتهاكات الجسيمة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، فيما تهدف المصالحة إلى إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري وترميم ما خلفته سنوات الصراع.
وترى الهيئة أن نجاح أي عملية مصالحة يتطلب اعترافاً بالانتهاكات وتحقيق قدر من الإنصاف للضحايا، لأن المصالحات التي تتجاوز الحقوق والحقائق تبقى عرضة للانهيار مستقبلاً.
وفي هذا السياق، تعمل الهيئة على تطوير أدوات تسمح بمشاركة الضحايا بصورة آمنة وفعالة، رغم التحديات المرتبطة بتشتتهم داخل سوريا وخارجها، وضعف الموارد المتاحة، والإرث الطويل من الخوف وفقدان الثقة.
الأموال المنهوبة.. ملف عدالة لا مجرد اقتصاد
ومن بين الملفات التي برزت خلال اجتماعات فيينا، ملف استرداد الأموال المنهوبة ومكافحة غسل الأموال المرتبط بالانتهاكات والفساد.
وتؤكد المشعان أن هذا الملف لا ينظر إليه بوصفه قضية مالية فقط، بل باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة العدالة الانتقالية، نظراً لما يمكن أن يوفره من موارد لدعم برامج جبر الضرر وتعويض الضحايا، إضافة إلى دوره في مساءلة شبكات الفساد المرتبطة بالانتهاكات.
وكشفت أن الهيئة بدأت العمل على بناء توجهات عملية لتتبع الأصول والأموال المرتبطة بهذه الجرائم، مع السعي للحصول على دعم دولي متخصص في مجالات التحليل المالي وتبادل المعلومات وآليات الاسترداد القانونية.
البحث عن شراكات للتنفيذ
وفي تقييمها لنتائج المشاركة، وصفت المشعان تفاعل المجتمع الدولي مع الطرح السوري بأنه "إيجابي وحذر" في الوقت نفسه.
وأوضحت أن عدداً من الجهات الدولية أبدى استعداداً لتقديم الخبرات التقنية في مجالات تطوير أنظمة العدالة وإدارة القضايا إلكترونياً وإصلاح السجون ومنع الجريمة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاهتمام إلى برامج عملية وتمويل مستدام على الأرض.
وختمت بالتأكيد أن الهيئة تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى دعم تقني ومالي متخصص، ونقل خبرات دولية ناجحة، بما يساعد على تحويل العدالة الانتقالية من إطار نظري إلى واقع يلامس حياة السوريين، ويمنح الضحايا فرصة حقيقية للإنصاف، ويؤسس لدولة تقوم على سيادة القانون وعدم تكرار الانتهاكات.


