سوريا - محليات
من أرض الخير الوفير إلى المخيمات في العراء... لماذا يُهاجر أبناء الجزيرة إلى درعا؟
د
درعا - العين السورية - ليلى الحسين
نشر في: ٢٨ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٠٣
3 دقيقة

هناك مفارقات لا يمكن تجاوزها بسهول وربما تكون الجزيرة السورية واحدة من أكثرها قسوة. فمن هذه الأرض خرج القمح الذي أطعم البلاد ومنها تدفقت الثروة الحيوانية والنفط والغاز والمياه . وعلى امتداد سهولها تشكلت صورة المكان الذي لطالما وصف بأنه خزان سوريا الاقتصادي والبشري وسلة غذائها. لكن المشهد المتروك ببصمات سوداء من سيطرة " قسد" على المنطقة، يبدو اليوم مختلفاً عما يجب أن يكون في " مضمار الخير المستدام"، وبصورة تثير أسئلة أكبر من مجرد حركة انتقال سكاني بين محافظة وأخرى ، إذ يغادر أبناء هذه الأرض جماعات لا بحثاً عن رفاهية مفقودة ولا رغبة في تغيير نمط حياتهم وإنما بحثاً عن فرصة تمكنهم من الاستمرار على قيد الحياة، بعدما بات البقاء في المكان نفسه يحمل كلفة أعلى من القدرة على الاحتمال وأصبح الرحيل خياراً فرضه الواقع لا المزاج، ودفعت إليه الحاجة أكثر مما تدفع إليه الرغبة.

ترتيبات على عجل
كل صباح وقبل أن ترتفع الشمس فوق سهول درعا تتشكل صورة سورية جديدة على أطراف الحقول . رجال يحملون معاولهم ، نساء يلففن رؤوسهن بأوشحة تقيهن حرّ الصيف، وأطفال يراقبون يوم العمل الطويل من أبواب الخيام المؤقتة. لا يجمع هؤلاء مكان واحد ولا لهجة واحدة فقط بل يجمعهم طريق طويل بدأ من أقصى الشمال الشرقي لسوريا من الحسكة وانتهى عند حقول الجنوب.
هنا لا تبدو الحكاية مجرد انتقال اعتيادي بين محافظتين ولا مجرد حركة موسمية اعتادت عليها الحقول بل تبدو رحلة بحث عن البقاء. فمئات العائلات لم تغادر منازلها لأن المدن ضاقت بها فجأة، بل لأن الأرض التي كانت تطعمها لم تعد قادرة على فعل ذلك. فأصبحت المسافة بين الحسكة ودرعا أقل قسوة من المسافة بين الإنسان ولقمة عيشه.
أرض الجزيرة السورية التي لطالما وصفت بخزان البلاد الزراعي والبشري وسلة غذائها تشهد اليوم موجات متصاعدة من الهجرة الداخلية. فلم يعد المشهد يقتصر على شباب يغادرون بحثاً عن فرصة عمل أو دخل إضافي بل أصبح انتقال أسر كاملة أمراً متكرراً، رجال ونساء وأطفال يتركون قراهم وبيوتهم ويقطعون مئات الكيلومترات على أمل العثور على فرصة تمكنهم من الاستمرار.
الطريق بين الحسكة ودرعا ليس مجرد انتقال جغرافي بين شمال شرق البلاد وجنوبها، بل هو انتقال بين واقعين مختلفين بين منطقة كانت تعتمد تاريخياً على الزراعة، لكنها باتت تواجه تراجعاً في الإنتاج وفرص العمل وأخرى ما تزال مواسمها الزراعية قادرة على استيعاب المزيد من العمالة.
تهجير شبه ممنهج
لكن رواية الهجرة بالنسبة للسكان، لا تتوقف عند حدود الجفاف وتراجع الدخل فقط، إذ يوضح كثير من الأهالي أن الأسباب أصبحت أكثر تشابكاً وتعقيداً. فإلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الاستثمارات وقلة فرص العمل يشكو بعض السكان من الإجراءات الأمنية وكثرة الحواجز وعمليات التفتيش، معتبرين أن هذه الظروف زادت من الضغوط المعيشية على الشباب والعائلات. كما يذهب بعض السكان إلى اتهام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باتباع سياسات وإجراءات يعتبرون أنها ساهمت في دفع جزء من الشباب إلى مغادرة المنطقة ، خاصة بعد التوترات التي شهدتها بعض المناطق خلال فترات مختلفة. ويرى هؤلاء أن تداخل العوامل الاقتصادية مع الواقع الأمني والخدمي خلق بيئة دفعت كثيرين للبحث عن خيارات أخرى خارج مناطقهم .
عمالة بديلة
على أطراف الحقول في ريف درعا وتحديداً في بلدة المزيريب يعرف كثير من المزارعين اسماً أصبح جزءاً من دورة العمل الزراعي اليومية ....أم فؤاد عيسات. فهي ليست مجرد امرأة تجمع العمال بل تعرف بين الأهالي بوصفها رئيسة ورشات للعمال الزراعيين، ويقصدها أصحاب المزارع من مختلف أرياف درعا عندما يحتاجون إلى عمالة للمواسم الزراعية. ومع مرور الوقت تحولت إلى نقطة يومية معروفة يتجمع عندها عشرات العمال والعمالات القادمين بحثاً عن فرصة عمل حتى أصبحت وجوههم مألوفة بالنسبة لها.
تقول أم فؤاد لـ"العين السورية : من ساعات الصباح الباكر يبدأ الناس بالتجمع عندي ، وبعدها يأتي أصحاب المزارع ونوزع العمال على شكل مجموعات بحسب الحاجة. نحن نرسلهم لكل أنواع الأعمال الزراعية . وأغلب عمالي رجال ونساء جاؤوا من الحسكة مع عائلاتهم وهم موجودون بكثرة في المزيريب والمناطق المجاورة.
وتضيف أن العامل يبدأ يومه من ساعات الفجر الأولى وحتى بعد الظهر وأحياناً يعمل ورديتين في اليوم حتى يستطيع تأمين مصاريف أسرته.
سباق على الفُرص
لكن ما بدا في البداية فرصة للعمل، تحول بالنسبة لكثيرين إلى منافسة يومية قاسية على لقمة العيش. فمع تزايد أعداد القادمين من شمال شرق سوريا، بدأت أعداد العمال تتجاوز احتياجات السوق الزراعية المحلية.
ويصف جاسم شعيب أحد العمال المقيمين مع عائلته قرب مدينة طفس، هذا الواقع قائلاً: إذا طلب متعهد مشروع خمسة عشر عاملاً قد يأتيه ثلاثون أو أكثر. هذا يعني خفض الأجور. نحن نعيش من عملنا اليومي وأي نقص في العمل يعني أننا لن نستطيع تأمين احتياجاتنا الأساسية.

أما فاطمة الجابر التي تعيش في خيمة قرب داعل فتقول إن المعاناة لا تتوقف عند العمل فقط، العمل غير متوفر كل يوم وعندما لا يوجد عمل لا نستطيع تأمين الطعام أو المياه أو الأدوية. نحن نعيش يوماً بيوم.
ومن بين الوجوه التي أصبحت جزءاً من هذا المشهد تقف حمدة الشرايين وهي امرأة قدمت من الحسكة مع عائلتها منذ عام. لا تتحدث حمدة كثيراً عن السياسة بل عن تفاصيل أصغر لكنها أكثر قسوة عن البيت الذي تركته وعن الطريق الطويل وعن أطفالها الذين لم يفهموا لماذا غادروا فجأة.
تقول حمدة الشرايين: لم أكن أتخيل أنني سأترك بيتي يوماً. كنا نعيش على الزراعة ، صحيح أن الحياة لم تكن سهلة لكنها كانت مستورة. مع الوقت أصبحت المصاريف أكبر من قدرتنا والمياه قلت والعمل قل ولم نعد نعرف كيف نؤمن احتياجات أولادنا.
أسباب كثيرة والنتيجة هجرة
في قراءة اقتصادية للمشهد يرى الباحث الأكاديمي والخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد تيسير الفقيه أن ما يجري اليوم في سوريا يمكن تفسيره بوصفه هجرة اقتصادية بالدرجة الأولى لكنها لم تعد مرتبطة بعامل واحد فقط.
ويقول الفقيه: إن تراجع فرص العمل وتدهور مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة تدفع كثيراً من الأسر إلى الانتقال من محافظة إلى أخرى بحثاً عن مصدر دخل أكثر استقراراً، مشيراً إلى أن الفجوة بين الحاجة إلى العمل وبين محدودية الفرص في المناطق المهاجر منها أصبحت تتسع بصورة واضحة ، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القوة الشرائية للأجور وضعف الاستثمار المحلي والخدمات.

ويضيف أن الحسكة اعتمدت تاريخياً على الزراعة لكن الجفاف وتراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة والطاقة أضعفت قدرة هذا القطاع على تشغيل اليد العاملة المحلية ، الأمر الذي انعكس مباشرة على الواقع الاقتصادي للأسر،
ودفع كثيراً منها إلى البحث عن بدائل خارج المحافظة.
منطقة استقطاب
ويوضح أن درعا ما تزال تحتفظ ببعض المقومات الاقتصادية التي تسمح باستقطاب عمالة إضافية، خصوصاً في القطاع الزراعي وبعض الصناعات الصغيرة والحرف الغذائية ، إضافة إلى أنشطة فرز المحاصيل والتوضيب وهي قطاعات تعتمد في معظمها على العمالة الموسمية أو غير الماهرة أو نصف الماهرة.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار هذا الواقع قد يخلق نتائج أكثر تعقيداً فخروج اليد العاملة من الحسكة قد يخفف الضغط على سوق العمل المحلي مؤقتاً، لكنه قد يضعف الإنتاج الزراعي والخدمي هناك بينما قد يؤدي تدفق العمال إلى درعا إلى ضغط إضافي على الأجور والسكن والخدمات إذا لم يترافق ذلك مع توسع اقتصادي حقيقي قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة.
في النهاية تبدو الحكاية أكبر من مجرد انتقال عمال بين محافظتين. إنها قصة مناطق غنية بمواردها لكنها فقيرة بفرصها، وقصة أسر لم تغادر بحثاً عن حياة أفضل بقدر ما غادرت بحثاً عن حياة ممكنة.


